الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الأول من القسم الثاني فِي النَّهي عَن التَّشَبه بالشَّيطَانِ "لَعَنَهُ الله تَعَالَى
"
قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
ومتبع غير سبيل المؤمنين متبع لسبيل الكافرين، وإبليس أشدهم كفراً؛ فالآية دليل لهذا النوع والذي بعده.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيرِنَا". رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (1).
وروى الديلمى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ عَمِلَ بِسُنَّةِ غَيْرِنَا"(2).
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(5268)، وكذا الطبراني في "المعجم الكبير" (11355). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 91): رواه بطوله الطبراني في "الأوسط" و"الكبير" باختصار، وفيه يوسف بن ميمون، وثقه ابن حبان، وضعفه الأئمة أحمد وغيره.
وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]؛ أي: أعمال الطاغوت، وهو الشيطان أو عبادته.
{فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ} ؛ أي: عبده - سبحانه -، واجتنب أعمال الطَّاغوت.
وهذه الآية تدل على أن كل أمة أمرها الله تعالى باجتناب التَّشبه بالشَّيطان.
ثم قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} [النحل: 63]؛ أي: الخبيثة لأنه لا يزين أعمال الخير.
نعم، قد يزينها للتوصل إلى إغواء العبد بها إلى السوء والضلال.
{فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ} ؛ أي: يواليهم اليوم في الآخرة لأنهم كانوا على مثل أعماله في الدُّنيا.
وقد علمت مما سبق أن المرء على دين خليله ومواليه، وموالاة الشيطان دعت أولياءه إلى مثل أعماله؛ لأن مَنْ أَحَبَّ أحداً أَحَبَّ أن يتخلق بأخلاقه، كما سبق.
وقال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ
كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ}؛ أي: عن طريق الجنة.
{وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج: 3 - 4].
وهذه الآية - وإن نزلت في النضر بن الحارث (1) فإنها قاضية على كل من تولى الشَّيطان واتبعه بأن مصيره إلى عذاب السَّعير.
وفي إطلاق الهداية على القيادة إلى العذاب غاية التهكم والاستهزاء بأتباع الشياطين.
وقال الله تعالى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 18].
وقوله: {مِنْهُمْ} ؛ أي: من ذرية آدم، وفيه إشارة إلى أنَّ التشبه بالشَّيطان وأتباعه في أعماله وأخلاقه ممنوع منه سائر الأمم في سائر الأديان، متوعد عليه بنار جهنَّم.
وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168 - 169].
هذه الآية دليل واضح على المنع من التشبه بالشيطان.
قال ابن عطية: المعنى - أي: بهذه الآية -: النهي عن اتباع الشَّيطان، وسلوك سبيله وطرائقه.
(1) انظر: "تفسير الطبري"(17/ 115).
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: خطوات الشيطان أعماله. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (1).
وقال غيره: آثاره (2).
وقال شيخ الإسلام - والدي - في "تفسيره ": [من الرجز]
قالَ وَلا تتَّبِعُوا خُطْواتِ
…
أَيْ طُرُقِ الشَّيْطانِ وَالزَّلَاّتِ
لا تَقْتَدُوْا بِهِ تُحَرِّمُوْا الْحَلالْ
…
ثُمَّ تُحَلِّلُوْا الْحَرامَ بِالضَّلالْ
كناية عن ترك الاقتداء به فيما يضل بعضهم بسببه.
قال ابن عطية: وكل ما عدا السُّننَ، والشَّرائعَ من البدع، والمعاصي فهو خطوات الشَّيطان. انتهى (3).
ويدل له ما رواه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة رحمه الله تعالى: كل معصية لله فهي من خطوات الشَّيطان (4).
قلت: وحيث انحصر الحق في الشَّرائع والسنن، ثم انحصر آخراً في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد انحصر الحق في اتباع شريعته، وبقي ما سواها من الشُّعب والطرق على غير الحق، وهي طرق الشيطان، فأي طريق أخذ فيه العبد غير طريق النبي صلى الله عليه وسلم فهي طريقة من
(1) رواه الطبري في "التفسير"(2/ 76)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(2/ 371).
(2)
انظر: "تفسير الطبري"(2/ 77).
(3)
انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (1/ 237).
(4)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(1/ 281).
طرائق الشَّيطان، وخطوة من خطواته.
وقد روى الدَّارمي - بإسناد صحيح، واللفظ له - والإمام أحمد، والنَّسائي، والبزار، وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطاً، ثم قال:"هَذَا سَبِيلُ اللهِ"، ثم خطَّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال:"هَذهِ سُبُلٌ؛ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهَا"، ثم قرأ هذه الآية:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153](1).
وروى عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن قتادة رحمه الله تعالى: أنه قرأ الآية وقال: اعلم أنما السبيل سبيل واحد جِماعُهُ الهدى، ومصيرها الجنة، وأن إبليس شرع سبلاً متفرقة جِماعُها الضلال، ومصيرها النار (2).
وإنما كانت طرق الشَّيطان متعددة لأنه يَهيم في كل واد فلا يبالي في أي واد من أودية النار ألقى أتباعه؛ فإن مراده إضلال العبد بأي طريق أمكنه ذلك - سواء عبد نفس الشيطان، أو عبد صنماً، أو نجماً، أو درهمًا، أو ديناراً، أو غير ذلك ما دام لم يعبد الله وحده.
فأمَّا طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم الموصل إلى الله تعالى وإنه - وإن تعددت شعبه - فهو طريق واحد؛ لأن كل من سلك شعبة من شعب
(1) رواه الدارمي في "السنن"(202)، والإمام أحمد في "المسند"(1/ 435)، والنسائي في "السنن الكبرى"(11174)، والبزار في "المسند"(1718).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (3/ 385).
الإيمان فهو في طريق الله تعالى، ولا ينتهي إلى غير الله تعالى، فكان طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم واحداً لأنه لا ينتهي إلى غير مراد واحد، وهو الله تعالى.
وأيضاً في تعدد طرق الشيطان إشارة إلى ضعف كيده كما قال تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76]؛ فإن طرقه تخييلات وتزيينات، فتعددت ليغوي أتباعه تارة بهذا، وتارة بهذا، فيكون الشقي المخذول مأخوذاً بكيده لا محالة، وأمَّا السعيد الموفق - وإن تعددت طرق الشَّيطان - لا يضره، ولكن يكثر بسبب تعددها أجره لأنه يجاهد الشيطان من كل طريق يأتيه منه، فتزيد بذلك حسناته، وترتفع به درجاته.
وقد روى الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه" عن سَبُرة - بفتح المهملة وضم الموحدة - بن فاكه رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِطُرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِيْنَكَ، وَدِيْنَ آبَائِكَ، وَآبَاءِ أَبِيْكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُهَاجِرُ وَتَدَع أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ المُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطّوَلِ؟ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فتقْتَلُ، فتنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ المَالُ؟ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلكَ كانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ
يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ وَقَصَتْهُ دَابَّهٌ كانَ حَقَّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّة" (1).
ومعنى الحديث: أن العبد متى عصى الشَّيطان وأطاع الرَّحمن فلا يبالي بعد ذلك كيف انتهى أمره؛ فإنه لا ينتهي إلا إلى رحمة الله، ودار السلام، وأين هذا ممن كان سريعاً إلى إجابة الشيطان بطيئاً عن إجابة الرحمن؛ فإنه من بغضاء الله تعالى الحائرين في مَهامِهِ الخسران، كما روى أبو الشيخ في كتاب "التوبيخ"، وابن عساكر في كتاب "التاريخ"، عن الوَضِين بن عطاء رحمه الله تعالى مرسلاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثَمَانِية أَبْغَضُ خَلِيْقَةِ اللهِ تَعَالَى إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ؛ السَّقَّارُونَ - وَهُمْ الْكَذَّابُونَ -، وَالْخَيَّالُونَ - وَهُمْ المُسْتَكْبِرُونَ -، وَالَّذِيْنَ يَكْنِزُونَ الْبَغْضَاءَ فِي صُدُورِهِم لإِخْوانِهِم، فَإِذَا لَقُوْهُم تَحَلَّفُوا لَهُم، وَالَّذِيْنَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ كانُوا بُطآءَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى الشَّيْطَانِ وَأَمْرهِ كَانُوا سِرَاعًا، وَالَّذِيْنَ لا يَشْرُفُ لَهُم طَمَعٌ مِنَ الدُّنْيا إِلَاّ اسْتَحَلُّوهُ بِأَيْمَانِهِم، وَالمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيْمَةِ، وَالْمُفَرّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَآءَ العَنتَ؛ أُولَئِكَ يَقْذُرُهُم الرَّحْمَنُ"(2).
وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراوي المصري في كتاب "البحر
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 483)، والنسائي (3134)، وابن حبان في "صحيحه"(4593).
(2)
رواه أبو الشيخ في "التوبيخ والتنبيه"(ص: 39) عن حسان بن عطية، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(7/ 86).
المورود فيما أخذ عليه من المواثيق والعهود" عن نفسه: أنه سمع مرة هاتفاً يقول: إن أردت أن لا تخرج من حضرتي فلا تتخلق بأخلاق أعدائي، وكن على أخلاق ملائكتي وأنبيائي وأوليائي؛ فمن تخلق بخلق واحد من أخلاق الشياطين أخرجته من حضرتي، ومن أخرجته من حضرتي سلطت عليه أعدائي.
وروى ابن عدي، وغيره عن عمر رضي الله عنه: أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بُعِثْتُ دَاعِياً وَمُبَلِّغاً، وَلَيْسَ إِلَيَّ مِنَ الْهُدَى شَيْءٌ، وَخُلِقَ إِبْلِيسُ مُزَيِّنًا وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ شَيْءٌ"(1).
وهذا الحديث فيه رد على القدرية، وفيه - وهو المقصود من ذكره هنا - أن النبي صلى الله عليه وسلم كما أنه إمام الأئمة الداعين إلى الهدى والجنَّة، فإن إبليس - لعنه الله - رأس الأئمة الدَّاعين إلى الضَّلالة والنَّار.
***
(1) رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء"(3/ 39) وقال: في قلبي من هذا الحديث شيء.
فَصْلٌ
وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دعا إلى الهدى والصراط المستقيم حتى سلكه ودرج عليه عملاً بقوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112] ، وليكون ذلك أَدعى للنَّاس للاتباع، وأَبعث لهم على سلوك الطريق الذي يدعو إليه؛ لأن من دُعي إلى طريق يطمئن قلبه إلى سلوكها إذا وجد الداعي قد سلكها ما لا يطمئن إليه قلبه لو وجد الدَّاعي غير دارج عليها ولا سالك فيها، ولذلك قال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، فكذلك الشَّيطان ما أَمر بخصلة إلا كان قد نازلها وعمل بها ليكون ذلك أبلغ في الإغواء والاستزلال، ولأن بُرْقُعَ الحياء قد ارتفع عن الشَّيطان وزال.
و"إن ممَّا أدركَ الناسُ مِنْ كلامِ النُّبوةِ الأُولى: إذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنع مَا شِئْتَ"، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن حذيفة.
وهو والبخاري، وأبو داود، وابن ماجه عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه (1).
وبمقتضى ذلك فلا يعصي العبد بمعصية - قلَّت، أو جلَّت - إلا كان
(1) تقدم تخريجه.
بها متشبهاً بالشيطان، إلا أنه إن استغفر نفعه الاستغفار، فإذا أصر على ذنبه ولم يستغفر فقد كمل تشبهه بالشَّيطان حينئذ؛ لأن الإصرار خلق اللعين، وقد قضى الله تعالى عليه بلزومه إلى يوم القيامة بدليل اللعنة المؤبدة له، كما قال الله تعالى:{وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [ص: 78].
ومن ثم لا شيء أقصم لظهر الشَّيطان من الاستغفار لأنه محروم منه، ومن بلوغ أمنيته من المؤمن بسببه لأن أمنيته من كل أولاد آدم أن يشاركوه في اللَّعنة والعذاب، وفي الاستغفار أمان من ذلك، كما قال الله تعالى:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33].
وروى الإمام أحمد، وغيره، وصححه الحاكم، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتك يَا رَبِّ! لا أَزَالُ أُغْوي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِم، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: وَعِزتِي وَجَلالِيْ! لا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُم مَا اسْتَغْفَرُونِي"(1)؛ أي: زيادة في نكايتك أعطيهم ما أنت ممنوع منه - وهو المغفرة - إذا طلبوها مني لأنك أنت لم تطلبها، ولم ترغب فيها، فمنعتها منعاً مؤبداً.
وقد يمن الله تعالى على بعض أولاد آدم بالمغفرة - وإن لم يطلبها - لأن طلبها في جِبِلَّتِه، والرغبة فيها من خليقته، فأمَّا من لم
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 76)، والحاكم في "المستدرك"(7672).
يطلب المغفرة إما إعراضاً عن طلبها بالكلية، وإما إيثاراً لهوى نفسه على طلبها كمن يعصي الله تعالى ويعاود إلى المعصية وهو يستغفره بلسانه، ولم يستوف أركان التوبة التي هي طريق طلب المغفرة، أو يصر على المعصية ويتطاول إلى المغفرة مجاناً مع ارتكاب ما يقتضي العذاب، فهذا بعيد عن المغفرة، أو ممنوع منها ما دام على هذه الحالة، فهو أشبه الخلق بإبليس حين يتطاول إلى رحمة الله تعالى يوم القيامة لما يرى من سعتها - كما ورد في الحديث - مع عدم رغبته فيها في الدنيا، وقعوده عن طلبها في وقت الطلب، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم من كان بهذه الصفة عاجزاً أو أحمق، فقال:"الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوتِ، وَالْعَاجِزُ - وَفِي رِوَايَةٍ: وَالأَحْمَقُ - مَنْ أتبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَىْ اللهِ". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والحاكم وصححاه، من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه (1).
ثم لما كان مَنْ هذا وصفُهُ أشبهَ الخلق بالشيطان الرجيم، جمع بينهما في نار الجحيم.
قال الله تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} [الشعر اء: 94 - 95].
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 124)، وابن ماجه (4260)، والترمذي (2459)، والحاكم في "المستدرك"(191).
روى عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهم عن قتادة رحمه الله تعالى في قوله:{وَالْغَاوُونَ} ؛ قال: الشَّياطين (1).
وروى ابن أبي حاتم، وغيره عن مجاهد رحمه الله تعالى في قوله:{وَجُنُودُ إِبْلِيسَ} ؛ قال: ذريته (2).
وروى الإمام أحمد في "الزُّهد"، وابنه في "زوائده" عن أبي عمران الجوني رحمه الله تعالى قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى بكل جبَّار، وكل شيطان، وكل من كان يخاف النَّاس شره في الدُّنيا، فأوثقوا في الحديد، ئم أمر بهم إلى النَّار، ثم أوصدها عليهم - أي: أطبقها - قال: فلا - والله - لا تستقر أقدامهم على قرار أبداً، ولا - والله - لا تلقى جفونهم على غمض أبداً، ولا - والله - لا ينظرون إلى أديم السَّماء أبداً، ولا - والله - لا يذوقون فيها بارد شراب أبداً؛ قال: ثم يقول لأهل الجنة: فتحوا الأبواب، ولا تخافوا اليوم شيطاناً ولا جباراً، وكلوا اليوم واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية (3).
فتأمل كيف جمع الله تعالى بين أهل الشَّر والشِّياطين، وإبليس رأسهم وقائدهم لما كان قائداً لهم في الدُّنيا إلى كل سوء.
(1) رواه عبد الرزاق في "التفسير"(3/ 74)، والطبري في "التفسير"(19/ 88)، وابن أبي حاتم في "التفسير"(8/ 2786).
(2)
عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(6/ 308) إلى السدي.
(3)
ورواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(2/ 312).
وقال الله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا} [مريم: 68 - 70].
قال قتادة رحمه الله في قوله تعالى: {ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا} [مريم: 69]؛ قال: لننزعن من أهل كل دين قادتهم، ورؤوسهم في الشر (1).
وقال أبو الأحوص رحمه الله تعالى في الآية: نبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً (2). رواهما ابن أبي حاتم.
وروى الثاني هو، والبيهقي في "البعث" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (3).
فيبدأ بإبليس، ثم يلحق بالأشد عتياً، والأكبر جرماً، فالأشد، فقرب كل عاتٍ من الشَّيطان في العذاب على قدر عُتُوِّه في الدُّنيا؛ أي: على قدر طاعته للشيطان، كما قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم: 83].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي: تغويهم إغواءً.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: تشليهم إشلاءً.
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 533).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 533)، ورواه الطبري في "التفسير"(16/ 107).
(3)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 533).
وقال قتادة رحمه الله تعالى: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله.
رواها ابن أبي حاتم (1).
فاجتمع في النار المغوون والغاوون:
المغوون: الشياطين.
والغاوون: الطائعون لهم، العاملون بأعمالهم.
وذكر الشهرستاني في كتاب "الملل والنحل": أن أول شبهة وقعت في البرية شبهة إبليس - لعنه الله تعالى -، ومصدرها أخذه بالرأي في مقابل النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بمادة النار التي خلق منها على مادة الطين التي خلق منها آدم عليه السلام، وتشعبت عن شبهته هذه سبع شبهات صارت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلال.
وقد حكي أنه صارت بينه - لعنه الله - وبين الملائكة عليهم السلام مناظرة بعد أمره بالسجود، وامتناعه منه، فقال: سلمت أن الباري إلهي وإله الخلق، وأنه عالم قادر مريد مهما أراد شيئاً قال له: كن فيكون، وهو حكيم، إلا أنه يتوجه على سياق حكمته أسئلة.
قالت الملائكة: ما هي؟ وكم؟
قال: سبعة:
الأول منها: أنه علم قبل خلقي ما الذي يصدر عني فَلِمَ خلقني؟
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 537 - 538).
وما الحكمة في خلقه إياي؟
الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فَلِمَ كلفني معرفته وطاعته؟ وما الحكمة في التكليف وهو لا ينتفع بطاعة، ولا يتضرر بمعصية؟
الثالث: كيف كلفني بمعرفته وطاعته وهو لا يريد ذلك مني؟
الرابع: ما الحكمة في أنه لما لم أسجد لآدم لعنني، وأخرجني من الجنة وأنا لم أرتكب قبيحاً إلا قولي: لا أسجد إلا لك؟
الخامس: حيث لعنني وطردني وأخرجني من الجنة فَلِمَ سلطني على آدم حين دخلت الجنة ثانياً، وغررته في ذلك، ولو منعني من ذلك لاستراح مني آدم وبقي خالداً في الجنة؟
السادس: هب أن الخصومة كانت بيني وبين آدم فَلِمَ سلطني على ذريته حتى أراهم من حيث لا يروني، وتؤثر فيهم وسوستي، ولو خلقهم على الفطرة دون من يغتالهم عنها، فيعيشون طاهرين سميعين مطيعين كان أحرى بهم، وأليق بالحكمة؟
السابع: سلمت هذا كله، فَلِمَ إذ استمهلته أمهلني المدة الطويلة، ولو أهلكني في الحال استراح الخلق مني، ولم يبق في العالم شر، أليس بقاء العالم على نظام الخير خيراً من امتزاجه بالشر؟
فأوحى الله عز وجل إلى الملائكة عليهم السلام: قولوا له: إنك في تسليمك الأول أني إلهك، وإله الخلق غير صادق ولا مخلص؛ إذ لو
صدقت بألوهيتي ما احتكمت على حكمتي؛ فأنا الله الذي لا إله إلا أنا، لا أسأل عما أفعل وهم يُسألون.
قال الشهرستاني: وكنت بُرْهة من الزمان أتفكر، وأقول: من المعلوم الذي لا مراء فيه أن كل شبهة وقعت فهي من هذه الشبهات السبع لإبليس
…
إلى أن قال: فاللعين الأول لما حكم العقل على من لم يحكم عليه العقل لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، وحكم الخلق على الخالق؛ فالأول غلو، والثاني تقصير.
قال: فبان من هذه الشبهة الأولى مذاهب الحلول، والتناسخية، والمشبهة، والغلاة من الرافضة حيث غلوا في شخص من الأشخاص حتى وصفوه بصفات الجلال.
وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدرية، والجبرية، والْمُجَسِّمة.
قال: فالمعتزلة مشبهة الأفعال، والمشبهة: حلولية الصفات، وكل واحد منهم أعور بأي عينيه شاء.
قال: وسنح للقدرية طلب العلة في كل شيء فذلك ما سنح للَّعين الأول؛ إذ طلب العلة في الخلق، ثم في التكليف، ثم في تكليف السجود لآدم، وعنه نشأ مذهب الخوارج؛ إذ لا فرق بين قولهم: لا حكم إلا لله، ولا حكم للرجال، وبين قوله: لا أسجد إلا لك، أأسجد لمن خلقت من صلصال، انتهى (1)، وفيه تلخيصٌ.
(1) انظر: "الملل والنحل" للشهرستاني (1/ 16 - 20).