الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروينا عن مسلم بن ميمون العابد رضي الله عنه قال: [الوافر]
أَرَىْ الدُّنْيا لِمَنْ هِيَ فِيْ يَدَيْه
…
عَذاباً كُلَّما كَثُرَتْ لَدَيْهِ
تُهِيْنُ الْمُكْرِمِيْنَ لَها بِصُغْرٍ
…
وَتُكْرِمُ كُلَّ مَنْ هانَتْ عَلَيْه
فَدَعْ مِنْها الفُضُوْلَ تَعِشْ حَمِيْداً
…
وَخُذْ ما أَنْتَ مُحْتاجٌ إِلَيْهِ (1)
53 - ومنها: الاكتساب والأكل من كد اليمين وعرق الجبين
، والقيام على العيال، وتعاطي الأشغال من غير اعتماد عليها ولا اتكال، بل على الكبير المتعال.
ولا مناقضة بين ذلك وبين التوكل؛ لأنَّ التوكل عبارة عن الثقة بالله والاعتماد عليه والافتقار إليه من غير ملاحظة تأثير للكسب وغيره من سائر الأسباب في شيء أصلاً.
وقد حررت هذه المسألة في كتاب "منبر التوحيد"، وفصلتها تفصيلاً.
قال الله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ (27)} [المؤمنون: 27]. الآية.
(1) انظر: "حلية الأولياء" لأبي نعيم (8/ 278).
وقال تعالى حكاية عن داود عليه السلام: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ (80)} [الأنبياء: 80]. الآية وقال تعالى لآدم عليه السلام: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)} [طه: 117].
أشار سبحانه إلى أن رزق الدنيا لا ينال إلا بالشقاء؛ أي: بالتعب والحركة.
روى الدينوري في "المجالسة" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: لما أُهبط آدم عليه السلام قال: يا رب أطعمني، قال: أما والله دون أن تعمل عملاً يعرق منه جبينك فلا (1).
وعن قتادة قال: لمَّا أُهبط آدم قيل له: لن تأكل الخبز بالزيت حتى تعمل عملاً مثل الموت.
وروى أبو نعيم عن سعيد بن جبير رحمه الله قال: أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه، قال: وهو الذي قال الله تعالى: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)} [طه: 117]، وكان ذلك شقاء (2).
وعن إسحاق بن يسار رحمه الله: أنه كان يمر بالبزازين، فقال: الزموا تجارتكم؛ فإن أباكم إبراهيم عليه السلام كان بزازًا (3).
(1) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 490).
(2)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(4/ 282).
(3)
رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(9/ 63).
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه عن عتبة بن النّدّر (1) رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّ مُوْسَى عليه السلام آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَانِيَ سِنِيْنَ أَوْ عَشْرًا عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ"(2).
وروى الإمام أحمد، والبخاري عن المقدام رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأَكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ عليه السلام كَانَ لَا يَأكُلُ إِلَاّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ"(3).
وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ نبِيَّ اللهِ دَاوُدَ كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ"(4).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عروة رحمه الله قال: كان داود عليه السلام يصنع القفة من الخوص وهو على المنبر، ثم يبعث بها إلى السوق فيبيعها ويأكل ثمنها (5).
وعن الحسن رحمه الله قال: قال داود عليه السلام: إلهي! أي رزقٍ أطيب؟ قال: ثمرة يدك يا داود.
وروى هو في "المسند"، ومسلم، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه
(1) في "أ" و"م": "المنذر"، والصواب ما أثبت كما ضبطه الحافظ في "الفتح".
(2)
رواه ابن ماجه (2444). وضعف الحافظ ابن حجر إسناده في "الفتح"(4/ 445).
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(4/ 131)، والبخاري (1966).
(4)
رواه البخاري (1967).
(5)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 73).
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَانَ زَكَرِيَّا عليه السلام نَجَّارًا"(1).
وروى الدينوري عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)} [مريم: 57]؛ قال: "كانَ إِدْريْسُ خَيَّاطًا، وَزَكَرِيَّا نَجَّاراً"(2).
وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ آدم كان حرَّاثًا وكذلك إبراهيم، وكان نوح نجاراً، وإدريس خياطاً، وداود زرادًا (3)، وموسى راعيًا وكذلك شعيب، وكان صالح تاجراً، عليهم الصلاة والسلام (4).
وروى ابن عساكر عنه نحوه إلا أنه قال: وكان هود تاجراً - ولم يذكر صالحًا -، وكان إبراهيم راعيًا، وكان سليمان خواصًا (5)، وكان موسى أجيراً، وكان عيسى سياحًا، وكان محمد صلى الله عليه وسلم شجاعًا، جعل رزقه تحت ظل رمحه (6).
وروى الديلمي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ مَنْ حَاكَ آدَمُ عليه السلام"(7).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 405)، ومسلم (2379)، وابن ماجه (2150).
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 530).
(3)
الزراد: صانع الدروع.
(4)
رواه الحاكم في "المستدرك"(4165). قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(4/ 306): رواه الحاكم بسند واه.
(5)
الخُوصُ: ورق النخل، الواحدة خُوصَةٌ، والخَوَّاصُ: بائع الخوص.
(6)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(7/ 443).
(7)
رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(7381).
وروى ابن عساكر بسند ضعيف، عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَبَطَ آدَمُ وَحَوَّاءُ عَرْيَانينِ عَلَيْهِمَا وَرَقُ الْجَّنَةِ، فَأَصَابَهُ الْحَرُّ حَتَّى قَعَدَ يَبْكِيْ وَيقُوْلُ لَهَا: يَا حَوْاءُ قَدْ آذَانِيَ الْحَرٌّ، فَجَاءَهُ جِبْرِيْلُ عليه السلام بِقُطْنٍ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَغْزِلَ وَعَلَّمَهَا، وَأَمَرَ آدَمَ بِالْحِيَاكَةِ وَعَلَّمَهُ"(1).
وروى ابن سعد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الله تعالى لما رأى عري آدم وحواء أمره أن يذبح كبشا من الضأن من الثمانية أزواج التي أنزل الله تعالى من الجنة - وهي: الإبل والبقر، والضان والمعز - فأخذ آدم كبشًا فذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلته حواء ونسجه هو [وحواء]، فنسج آدم جُبة لنفسه، وجعل لحواء درعًا وخمارًا (2).
قلت: يجمع بين هذا والذي قبله أن القطن غزلته ونسجه قميصين لما يلي البدن، والصوف دِثارًا فوق ذلك.
ولقد أحسن من قال مشيرًا إلى الحركة والسبب: [من الطويل]
ألمْ تَرَ أَنَّ اللهَ قالَ لِمَرْيَمٍ
…
إِلَيْكِ فَهُزِّيْ الْجِذْعَ يَسَّاقطِ الرُّطَبْ
وَلَوْ شاءَ أَنْ تَجْنِيهُ مِنْ غَيْرِ هَزِّها
…
لَكانَ وَلَكِنْ كُلّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ (3)
(1) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(7/ 413).
(2)
رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(1/ 36).
(3)
انظر: "ثمار القلوب" للثعالبي (1/ 306).