الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
واعلم أن بلاء الأنبياء ومن على طريقتهم مقرون بالصبر والسلامة من الفتنة، وبهذا يفرق بين بلائهم وبلاء من سواهم.
110 - ومن أعمال الأنبياء عليهم السلام: الدعاء
.
قال الله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37].
وقال تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38].
وقال تعالى: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مريم: 4].
وقال تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الأنبياء: 76].
وقال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 83 - 90].
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} إلى قوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 35 - 41].
وقال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].
وقال تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35].
إلى غير ذلك من أدعية الأنبياء التي اشتمل عليها القرآن العظيم.
وروى ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما، وابن جرير عن قتادة ومجاهد والحسن رحمهم الله: أنهم قالوا في قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37]: هي قوله {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23](1).
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية قال:
(1) انظر: "تفسير الطبري"(1/ 243 - 245)، و"تفسير ابن أبي حاتم"(1/ 91).
الكلمات التي تلقاها آدم عليه السلام من ربه: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي فتُبْ عليَّ إنك أنت التواب الرحيم (1).
ونحوه عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى (2).
وروى البيهقي عن أنس رضي الله عنه: أن الكلمات التي تلقاها آدم هي: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمتُ نفسي فاغفر لي؛ إنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت (3).
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن سلمان رضي الله عنه قال: لمَّا خلق الله تعالى آدم عليه السلام قال: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك؛ فأما التي لي: تعبدني ولا تُشرك بي شيئاً.
وأما التي لك: فما عملت من شيء جزيتك لك وأنا أغفر وأنا غفورٌ رحيم.
وأما التي بينك وبيني: فمنك المسألة والدعاء، وعليَّ الإجابة والعطاء (4).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن عائشة رضي الله عنها، عن
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29251).
(2)
وانظر: "تفسير الثعلبي"(1/ 184).
(3)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7173).
(4)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34655)، والإمام أحمد في "الزهد" (ص: 47).
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لمَّا أَهْبَطَ اللهُ آدَمَ إِلَى الأَرْضِ قامَ وِجاهَ الكَعْبَةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَلْهَمَهُ اللهُ تَعالَى هَذا الدُّعاءَ: اللَّهُمَّ! إِنَّكَ تَعْلَمُ سِرِّي وَعَلانِيتِي، فَاقْبَلْ مَعْذِرَتِي، وَتَعْلَمُ حاجَتِي فَأَعْطِنِي سُؤْلي، وَتَعْلمُ ما فِي نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي، اللَّهُمَّ! إِنَّي أَسْأَلُكَ إِيْمَاناً يُبَاشِرُ قَلْبِي، وَيَقِيْنًا صَادِقًا حتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُصِيْبُنِي إِلَاّ مَا كَتَبْتَ لِي، وَرَضِّنِي بِما قَسَمْتَ لِي.
قالَ: فَأَوْحَى اللهُ تَعالى إِلَيه: يا آدَمُ! قَدْ قَبِلْتُ تَوْبَتَكَ، وَغَفَرْتُ لَكَ ذَنْبَكَ، وَلَنْ يَدْعُوَنِي أَحَدٌ بِهذا الدُّعاءِ إِلَاّ غَفَرْتُ لَهُ ذَنْبَهُ، وَكَفَيْتُهُ الهَمَّ مِنْ أَمْرِهِ، وَزَجَرْتُ عَنْهُ الشَّيَاطِيْنَ، وَاتَّجَرْتُ لَهُ مِنْ وراء كُلِّ تاجِرٍ، وَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ الدُّنْيا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وإِنْ لَمْ يُرِدْها" (1).
وأخرجه الأزرقي في "تاريخ مكة"، والطبراني في "الأوسط" أيضا، والبيهقي في "الدعوات"، وابن عساكر بسند لا بأس به، من حديث بريدة رضي الله عنه بنحوه، وقال فيه:"وَتَعْلَمُ مَا عِنْدِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوْبِي".
وقال: "حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيْبَنِي إِلَاّ مَا كتَبْتَ لِي، وَرَضِّنِي بِقَضائِكَ"(2).
(1) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(5964)، وعنده:"المهم" بدل "الهم". قال أَبو حاتم: هذا حديث منكر. انظر: "العلل" لابن أبي حاتم (2/ 189).
(2)
رواه الأزرقي في "تاريخ مكة"(1/ 349)، والبيهقي في "الدعوات الكبير"(1/ 170)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(7/ 428).
وروى أَبو نعيم عن كعب رحمه الله: أن جبريل أتى آدم عليهما السلام فقال: إنَّ الله تعالى يقول لك: إنه ولدك عن أكل الشهوات؛ فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني.
قال آدم: فما أقول يا روح القدس؟
قال: قل: اللهم اكفني مؤنة الدنيا وأهوال يوم القيامة، وأدخلني الجنة التي قدرت على الخروج منها.
فقالها آدم، فقال جبريل: وجبت.
ثم قال: قل يا آدم.
قال: ما أقول يا روح القدس؟
قال: قل: اللهم ألبسني العافية حتى تُهنئني المعيشة.
فقالها آدم، فقال جبريل: وجبت.
ثم قال: قل يا آدم.
قال: ما أقول يا روح القدس؟
قال: قل: اللهم اختم لنا بالمغفرة حتى لا تضرنا الذنوب.
فقالها آدم، فقال جبريل: وجبت (1).
وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما سَبَّحْتُ وَلَا سَبَّحَتِ الأَنْبِياءُ قَبْلِي بِأَفْضَلَ مِن: سُبْحانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ"(2).
(1) رواه أَبو نعيم في "حلية الأولياء"(5/ 382).
(2)
رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(6219).
وإنما أدخلنا هذه الكلمات في أدعية الأنبياء من حيث إنها ثناء وفيه تعرض لمراده كما قيل في الحديث: "أَفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ للهِ"(1).
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الذكر" عن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا تَوَضَّأَ العَبْدُ لِصَلَاة مَكْتُوْبَةٍ فَأَسْبَغَ الوُضُوْءَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بابِ دارِهِ وَهُوَ يُرِيْدُ المَسْجِدَ، فَقالَ: بسمِ اللهِ {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] هَداهُ اللهُ لِلصَّواب.
{وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 79] أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ طَعامِ الجَنَّةِ، وَسَقاهُ مِنْ شَرابِ الجَنَّةِ.
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] جَعَلَ اللهُ مَرَضَهُ كَفَّارَةً لِذُنُوْبِهِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْهُ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
{وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء: 81] أَمَاتَهُ اللهُ مَوْتَةَ الشُّهَدَاءِ، وَأَحْيَاهُ حَياةَ السُّعَداءِ.
{وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82] غَفَرَ اللهُ لَهُ خَطَاياهُ كُلَّهَا وَإِنْ كانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ البَحْرِ.
{رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [الشعراء: 83] ألْحَقَهُ اللهُ بِصَالِحِ مِنْ مَضَى وَمَنْ بَقِيَ.
{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84] جَعَلَ اللهُ لَهُ لِسانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِيْنَ، وَكتَبَ فِي وَرَقَةٍ بَيْضَاءَ: إِنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ مِنَ
(1) رواه الترمذي (3383) وحسنه، وابن ماجه (3800) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
الصَّادِقِيْنَ، ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ وَالصَّوابِ.
{وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} [الشعراء: 85] أَعْطَاهُ اللهُ القُصُورَ وَالمَنازِلَ فِي الجَنَّةِ" (1).
وهذه الكلمات المذكورة في الحديث محكية في كتاب الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن الحسن قال: قال سمرة بن جندبِ رضي الله عنه: ألا أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم مراراً، ومن أبي بكر رضي الله عنه مراراً، ومن عمر رضي الله عنه مراراً؟ قلت: بلى، قال:"مَنْ قالَ إِذا أَصْبَحَ وَإِذا أَمْسَى: اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنْتَ تَهْدِيْنِي، وَأَنْتَ تُطْعِمُنِي وَأَنْتَ تَسْقِيْنْي، وَأَنْتَ تُمِيْتُنِي وَأَنْتَ تُحْييْنِي، لَمْ يَسْأَلِ اللهَ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ".
قال: فلقيت عبد الله بن سلام فقلت: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم مراراً، ومن أبي بكر رضي الله عنه مراراً، ومن عمر رضي الله عنه مراراً؟ قال: بلى، قال: فحدثته بهذا الحديث، فقال رضي الله عنه: بأبي وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الكلمات كان الله تعالى قد أعطاهنَّ موسى عليه السلام، فكان يدعو بهنَّ كل يوم سبع مرات، فلا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه (2).
(1) كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(6/ 306) إلى ابن أبي الدنيا في "الذكر"، وابن مردويه.
(2)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(1028). وحسن المنذري إسناده في "الترغيب والترهيب"(1/ 261).
وروى البيهقي في "الشعب" عن عتبة بن الوليد قال: حدثني بعض الرهابين قال: سمع جبريل إبراهيم عليهما السلام وهو يقول: يا كريم العفو، فقال له جبريل: وتدري ما كريم العفو؟ قال: لا يا جبريل، قال: أن يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة (1).
وقرأت ما نصه: دعاء سيدنا الخليل إبراهيم أبي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا أصبح وإذا أمسى: اللهم هذا خلق جديد فافتحه لي بطاعتك، واختمه لي بمغفرتك ورضوانك، وارزقني فيه حسنةً اقبلها مني وزكِّها وضَعِّفها، وما عملت فيه من سيئةٍ فاغفرها لي فإنك غفورٌ ودود.
قال: مَنْ دعا به فقد أدى شكر يومه (2).
وروى الطبراني بسند جيد، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم! قال:"أَلا أُخْبِرُكُمْ لِمَ سَمَّى اللهُ إِبَرَاهِيْمَ خَلَيْلَهُ: الَّذِي وَفَّى؟ لأَنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] " حتى ختم الآية (3).
وروى ابن أبي شيبة عن عمار رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسين والحسن رضي الله عنهما بهذه الكلمات: "أُعِيْذُكُما بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ
(1) رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7043)، وعنده:"الرهويين" بدل "الرهابين".
(2)
انظر: "قوت القلوب" لأبي طالب المكي (1/ 21)، و "إحياء علوم الدين" للغزالي (1/ 316).
(3)
تقدم تخريجه.
شَرِّ كُلِّ شَيْطان وَهامَّة، وَشَرِّ كُلِّ عِيْنٍ لامَّةٍ".
قال: "وَكاَنَ إِبْرَاهِيْمُ يَعَوِّذُ بِهِما إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ عليهم السلام"(1).
وروى أَبو الشيخ عن مجاهد رحمه الله قال: لمَّا ركب نوح في السفينة فجرت به خاف، فجعل يُنادي: إلاها أتقن؟ قال: يا الله أحسن (2).
وروى ابن جرير عن الضحاك رحمه الله قال: كان إذا أراد أن ترسي قال: بسم الله فأرسَتْ، وإذا أراد أن تجري قال: بسم الله فجرت (3).
وروى أَبو يعلى، والطبراني، وابن السني، وغيرهم عن الحسين ابن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "أَمَانٌ لأُمَّتِي مِنَ الغَرَقِ إِذَا رَكِبُوا الفُلْكَ أَن يَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ المَلِكِ الرَّحْمَنِ، {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود: 41]، {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] "(4).
وروى أَبو الشيخ في كتاب "العظمة" عن عتبة بن الوليد: أن إبراهيم عليه السلام قال يوماً: يا كريم العفو، فقال له جبريل: تدري ما تفسير
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(23577) لكن عن ابن عباس رضي الله عنه،
وكذا رواه الترمذي (2060)، وابن ماجه (3525).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (4/ 432).
(3)
رواه الطبري في "التفسير"(12/ 45).
(4)
رواه أَبو يعلى في "المسند"(6781)، والطبراني في "الدعاء" (ص: 255)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص: 499).
كريم العفو؟ هو إن عفا عن السيئات برحمته، ثم أبدلها حسنات بكرمه (1)
وفي بعض ذلك قدوة بنوح عليه الصلاة والسلام.
وروى ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَمَّا أُلقِيَ يُوْسُفُ فِيْ الجُبِّ أَتاهُ جِبْرِيْلُ عليهما السلام فَقالَ لَهُ: يا غُلامُ! مَنْ أَلْقاكَ فِي الجُبِّ؟
قالَ: إِخْوَتِي.
قالَ: وَلِمَ؟
قالَ: لِمَوَدَّةِ أَبِي إِيَّايَ حَسَدُوْنِي.
قالَ: تُرِيْدُ الخُرُوْجَ مِنْ هَاهُنَا؟
قالَ: ذاكَ إِلَى إِلَهِ يَعْقُوْب.
قالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إِني أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَكْنُونِ المَخْزُونِ، يا بَدِيْعَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ، يا ذا الجَلالِ وَالإِكْرامِ أَن تَغْفِر لِي وَتَرْحَمَنِي، وَأَنْ تَجْعَلَ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَأَنْ تَرْزُقَنْي مِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ.
فَقالَها، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَرَزَقَه مُلْكَ مِصْرَ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَلِظُّوا بِهَؤُلاءِ الكَلِماتِ؟ فَإِنَّهُنَّ دُعاءُ المُصْطَفَيْنَ وَالأَخْيَارِ"(2).
(1) انظر "العظمة"(2/ 527).
(2)
كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(4/ 511) إلى ابن مردويه.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الفرج" عن يحيى بن سليم: أنه بلغه أنَّ ملك الموت عليه السلام استأذن ربه أن يسلم على يعقوب عليه السلام، فأذن له، فأتاه فسلَّم عليه فقال له: بالذي خلقك هل قبضت روح يوسف عليه السلام؟
قال: لا.
ثم قال: أفلا أعلمك كلمات لا تسأل الله بها شيئاً إلا أعطاك؟
قال: بلى.
قال: فقل: يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ولا يُحصيه غيره.
قال: فما طلع الفجر حتى أتي بقميص يوسف عليه السلام (1).
وعن إبراهيم بن خلاد قال: نزل جبريل على يعقوب عليهما السلام، فسلَّم عليه، فشكى إليه ما هو فيه، فقال له جبريل: ألا أعلمك دعاء إذا أنت دعوتَ به فرَّج الله عنك؟
قال: بلى.
قال: قل: يا من لا يعلم كيف هو إلا هو، ويا من لا يبلغ كُنه قدرته غيره! فرج عني.
قال: فأتاه البشير (2).
وعن مدلج، عن عبد العزيز، عن شيخ من قريش: أن جبريل
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة"(ص: 40).
(2)
رواه ابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة"(ص: 42).
عليه السلام هبط على يعقوب عليه السلام فقال: يا يعقوب! تملق إلى ربك؟
فقال: يا جبريل! كيف أقول؟
قال: قُل: يا كثير الخير، يا دائم المعروف.
فأوحى الله إليه: لقد دعوتني بدعاء لو كان ابناك ميتين لنشرتهما لك (1).
وعن أبي سعيد مؤذن الطائف: أنَّ جبريل أتى يوسف عليهما السلام فقال: يا يوسف! اشتدَّ عليك الحبس؟
قال: نعم.
قال: [قل]: اللهم اجعل لي من كل ما أهمني وأكربني من أمر دنياي وآخرتي فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر في ذنبي، وثبت رجاءك في قلبي، واقطعه عن من سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك (2).
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، وقال: عن أبي عبد الله مؤذن الطائف (3).
وروى ابن أبي الدنيا في "الفرج" - أيضا - عن بعضهم: أنَّ جبريل
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة"(ص: 47).
(2)
رواه ابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة"(ص: 46).
(3)
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"(ص: 79).
عليه السلام حين دخل على يوسف السجن قال له: قل: اللهم يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب! اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب (1).
وروى ابن أبي شيبة والطبراني في "الدعاء" عن زيد العَمَّي رحمه الله قال: لمَّا رأى يوسف عليه السلام عزيز مصر قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بقوتك من شره.
وفي رواية ابن المنذر: وأعوذ بعزتك من شره (2).
وروى الطبراني في "الدعاء" عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم رحمه الله تعالى قال: بلغني أن يوسف عليه السلام حين دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره، وشر غيره، فأعطاه الله عز وجل من الذي أعطاه (3).
وروى أَبو نعيم في "الحلية" عن وهب قال: لما دعي يوسف عليه السلام إلى الملك، وقف بالباب فقال: حسبي ديني من دنياي، وحسبي ربي من خلقه، عزَّ جاره، وجلَّ ثناؤه، ولا إله غيره، ثم دخل، فلما أن نظر إليه الملك نزل عن سريره، وخرَّ له ساجداً، ثم أقعده معه على السرير، فقال: إنك اليوم لدينا مكين أمين، قال
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة"(ص: 41).
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29885)، وكذا الطبراني في "الدعاء" (ص: 324).
(3)
انظر: "الدعاء"(1/ 324).
يوسف عليه السلام: اجعلني على خزائن الأرض وإني حفيظ لهذه السنين وما استودعته، عليم بلغة من يأتيني (1)
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي المليح رحمه الله قال: كان من دعاء يوسف عليه السلام: اللهم إن كان خَلقَ وجهي عندك فإني أتقربُ إليك بوجه يعقوب أن تجعل لي فرجاً ومخرجاً ويُسراً، وترزقني من حيث لا أحتسب (2).
ومن هذا الباب - أعني: التوسل بصالحي الأسلاف - قول بعضهم: [من مجزوء الرجز]
لِي سادَةٌ مِنْ عِزِّهِمْ
…
أَقْدامُهُمْ فَوْقَ الْجِباه
إِنْ لَمْ أَكُنْ مِنْهُم فَلِي
…
فِيْ حُبِّهِمْ عِزٌّ وَجاه
وروى أَبو الشيخ عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما تِيْبَ على ولد يعقوب عليهم السلام إلا بعد عشرين سنة، وكان أبوهم بين أيديهم فما تِيْبَ عليهم حتى نزل جبريل عليه السلام فعلمه بهذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين لا تقطع رجاءنا، يا غياث المؤمنين أغثنا، يا مانع المؤمنين امنعنا، يا محب التوابين تُب علينا.
قال: فأخَّره إلى السحر فدعا به، فتِيْبَ عليهم (3).
(1) انظر: "حلية الأولياء"(4/ 42).
(2)
كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(4/ 543) إلى الإمام أحمد في "الزهد".
(3)
كذا عزاه السيوطي في "الدر المنثور"(4/ 586) إلى أبي الشيخ.
وروى ابن أبي حاتم عن الليث بن سعد رحمه الله قال: أقاموا عشرين سنة يطلبون فيما عمل إخوة يوسف بيوسف لا تُقبل منهم حتى أتى جبريل يعقوب، فعلمه هذا الدعاء: يا رجاء المؤمنين لا تخيب رجائي، ويا غوث المؤمنين أغثني، ويا عون المؤمنين أعني، يا حبيب التوابين تُبْ علي، فاستجيب لهم (1).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله قال: كان أيوب عليه السلام كلَّما أصابته مصيبة قال: اللهم أنت أخذت وأنت أعطيت، مهما تبق نفسي أحمدك على حسن بلائك (2).
وقد حكى الله عنه أنه قال في دعائه: {مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83].
وقد روى الحاكم في "مستدركه" عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ للهِ مَلَكًا مُوكَّلاً بِمَنَ يَقُوْلُ: يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين، فَمَنْ قالَهَا ثَلاثًا قالَ لَهُ المَلَكُ: إِنَّ أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ قَدْ أقْبَلَ عَلَيْكَ فَقُلْ حاجَتَكَ"(3).
ولهذا الاسم خاصية في دفع البلاء إذا استحكم وضاق الأمر وعَظُمَ الخطيب، ألا ترى كيف أُلْهِمَهُ سيدنا أيوب عليه السلام وهو في
(1) رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(7/ 2200).
(2)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 89).
(3)
رواه الحاكم في "المستدرك "(1996) وقال: صحيح، ورده الذهبي.
مثل هذه الحالة، فليس للمضطر في استحكام البلاء أنفع منه.
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول أيوب عليه السلام: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، أنه لمَّا مسَّه الضر أنساه الله الدعاء أن يدعوه، فيكشف ما به من الضر غير أنه كان يذكر الله كثيراً، فلا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيقان، فلما انتهى الأجل وقضى الله أنه كاشف ما به من ضُر أَذِنَ له في الدعاء ويسره له، وكان قبل ذلك يقول تبارك وتعالى: لا ينبغي لعبدي أيوب أن يدعوني ثم لا أستجيب له، فلما استجاب له وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين رد الله أهله ومثلهم معهم، وأثنى عليه فقال:{إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44](1).
وروى الطبراني في "الأوسط"، و"الصغير"، والخرائطي في "كتاب الشكر" عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَلا أُعْلِّمُكَ الكَلماتِ التَي تَكَلمَ بِها مُوسَى عليه السلام حِيْنَ جاوَزَ البَحْرَ بِبَنِي إِسْرائِيْلَ؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، قال:"قُوْلُوا: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ وَإِلَيْكَ المُشْتكى وَأَنْتَ المُسْتَعانُ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللِه العلِيِّ العَظِيمِ".
قال عبد الله: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال شقيق: فما تركتهن منذ سمعتهن من عبد الله.
(1) رواه الطبري في "التفسير"(17/ 72).
قال الأعمش: فما تركتهن منذ سمعتهن من شقيق.
قال الأعمش: فأتاني آتٍ في منامي فقال في: يا سليمان! زد في هذه الكلمات: ونستعينك على فسادٍ فينا، ونسألك صلاح أمرنا كله (1).
وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لمَّا بعث الله موسى عليه السلام إلى فرعون قال: يا رب! أي شيء أقول؟
قال: قل: هيا شرا هيا.
قال الأعمش: تفسير ذلك: الحي قبل كل حي، والحي بعد كل شيء (2).
وعن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من قال إذا أصبح وإذا أمسى: اللهم أنت خلقتني، وأنت تهديني، وأنت تطعمني، وأنت تسقيني، وتميتني وتحييني، لم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه". قال: فحدثت به عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه فقال: هؤلاء الكلمات أعطاهن الله موسى بن عمران عليه السلام، كان يدعو بهن في كل يوم سبع مرات (3).
(1) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(3394)، و"المعجم الصغير" (339). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 183): فيه من لم أعرفهم.
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29737)، وعنده:"قبل كل شيء" بدل "قبل كل حي".
(3)
رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(1028).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى: أن موسى عليه السلام كان يقول في دعائه: اللهم لين قلبي بالتوبة، ولا تجعل قلبي قاسياً كالحجر (1).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن يحيى بن سليم الطائفي، عن من ذكره قال: طلب موسى عليه السلام من ربه عز وجل حاجة، فأبطأت عليه وأكدت فقال: ما شاء الله، فإذا حاجته بين يديه.
قال: يا رب! أنا أطلب منك حاجتي كذا وكذا أعطيتها الآن؟ قال: فأوحى الله إليه يا موسى! أما علمت أنَّ قولك: ما شاء الله أنجح ما طلبت به الحوائج (2).
وروى النسائي، وابن حبان، والحاكم - وصححاه - عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قالَ مُوْسَى عليه السلام
يا رَبِّ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدَعُوْكَ بِهِ.
قالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ.
قالَ: يا رَبِّ! كُل عِبادِكَ يَقُوْلُ هذَا.
قالَ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ.
قالَ: إِنَّما أُريدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ.
قالَ: يا مُوْسَى! لَوْ أَنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِيْنَ السَّبع فِي
(1) رواه الإمام أحمد في "الزهد"(1/ 67).
(2)
تقدم تخريجه.
كِفَّةٍ، وَلا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ فِي كِفَّةٍ مَالَت بِهِنَّ لا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ" (1).
وروى ابن أبي شيبة عن كعب رحمه الله قال: قال موسى عليه السلام: يا رب! دلني على عمل إذا عملته كان شُكراً لك فيما اصطنعت إلي.
قال: يا موسى! قل: لا إله إلا الله، أو قال: قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
قال: فكان موسى أراد من العمل ما هو أنهك لجسمه مما أمر به قال: فقال له: يا موسى! لو أنَّ السماوات السبع والأرضين السبع وُضعت في كفة، ووُضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن (2).
وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَكْثَرُ دُعائِي وَدُعاءِ الأَنْبِياءِ مِن قَبْلِي بِعَرَفَةَ: لا إِلَهَ إِلَاّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيْرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوْرًا وَفِي سَمْعِي نُوْرًا وَفِي بَصَرِي نُوْرًا، اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِيْ أَمْرِي، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ وَسْواسِ الصُّدُوْرِ وَشَتاتِ الأَمْرِ وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما يَلِجُ فِي اللَّيْلِ، وَشَرِّ ما يَلِجُ فِي النَّهارِ، وَشَرِّ ما
(1) رواه النسائي في "السنن الكبرى"(10670)، وابن حبان في "صحيحه"(6218)، والحاكم في "المستدرك"(1936).
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29463).
تَهُبُّ بِهِ الرِّياحُ" (1).
وروى أَبو بكر بن مردويه، وأبو بكر الخطيب، وأبو القاسم ابن عساكر عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإزاء ثبير وهو يقول: "أَشْرِقْ ثُبَيْرُ، أَشْرِقْ ثُبَيْرُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك بِما سَأَلَكَ أَخِي مُوْسَى أَنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وَأَنْ تُيَسِّرَ لِي أَمْرِي، وَأَنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يفْقَهْ قَولِي، فَاجْعَلْ لِي وَزِيْرًا مِنْ أَهْلِي، عَلِيًّا اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيْرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيْرًا، إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيْرًا"(2).
وروى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" عن الضحاك رحمه الله قال: كان دعاء موسى عليه السلام حين توجه إلى فرعون، ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، ودعاء كل مكروب: كنت وتكون، وأنت حي لا تموت، تنام العيون، وتنكدر النجوم، وأنت حي لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم (3).
وروى الترمذي، والنسائي، وغيرهما، وصححه الحاكم، عن
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(15135)، وكذا البيهقي في "السنن الكبرى" (5/ 117) وقال: تفرد به موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، ولم يدرك أخوه علياً رضي الله عنه.
(2)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(42/ 52). وكذا رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "فضائل الصحابة"(2/ 678).
(3)
انظر: "الأسماء والصفات"(1/ 290).
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دَعْوَةُ ذِيْ النُّوْنِ عليه السلام إِذْ دَعا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوْتِ: لا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَاّ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ"(1).
ورواه الحاكم أيضاً، ولفظه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى اسْم اللهِ الأَعْظم الَّذِي إِذا سُئِلَ بِهِ أَعْطى، وَإِذا دُعِيَ بِهِ أَجابَ؟ الدَّعْوَةُ الَّتِي دَعا بِها يُوْنُسٌ حَيْثُ نَادَى فِي الظُّلُماتِ الثلاثِ: لا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ".
فقال رجل: يا رسول الله! هل كانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلا تَسْمَعُ إِلَىْ قَوْلهِ عز وجل: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبباء: 88] "(2).
وفي لفط له: "هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى اسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ؟ دُعَاءُ يُوْنُسَ: لا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ سُبحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِيْنَ، فَأَيُّ مُسْلِمٍ دَعا بِها فِيْ مَرَضِهِ أَرْبَعِيْنَ مَرَّةً، فَماتَ فِيْ مَرَضِهِ ذَلِكَ أُعْطِيَ أَجْرَ شَهِيْدٍ، وَإِنَ بَرَأَ بَرَأَ مَغْفُوْرًا لَهُ"(3).
(1) رواه الترمذي (3505)، والنسائي في "السنن الكبرى"(10492)، والحاكم في "المستدرك"(1862).
(2)
رواه الحاكم في "المستدرك"(1865).
(3)
رواه الحاكم في "المستدرك"(1865).
وروى بن مردويه في "تفسيره"، والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"هذه الآية مفزع الأنبياء عليهم السلام، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، نادى بها يونس عليه السلام في ظلمة بطن الحوت"(1).
وروى الترمذي وحسنه واللفظ له، والحاكم في "صحيحه" عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كانَ مِنْ دُعاءِ داوُدَ عليه السلام: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِيَ وَأَهْلِيَ وَمِنَ المَاءِ البارِدِ".
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر داود يحدث عنه قال: "كانَ أَعْبَدَ البَشَرِ"(2).
وروى الطبراني عن صهيب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ لَسْتَ إِلَهاً اسْتَحْدَثْناهُ، وَلا بِرَبٍّ ابْتَدَعْناهُ، وَلَا كانَ لَنا قَبْلَكَ من إِلَهٍ نَلْجَأُ إِلَيْهِ وَنَذَرُكَ، وَلا أَعانكَ عَلَى خَلْقِنَا أَحَدٌ فَنُشْرِكَهُ فِيْكَ تَبارَكْتَ وَتَعالَيْتَ".
قال كعب: وهكذا كان نبي الله داود عليه السلام يدعو (3).
(1) رواه الديلمي في "مسند الفردوس"(4/ 331).
(2)
رواه الترمذي (3490) وحسنه.
(3)
رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(7300). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 179): فيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن عبد الرحمن ابن جبير بن نفير رحمه الله: أنَّ داود عليه السلام كان يقول بعد فتنته: اللهم ما كتبت في هذا اليوم من فتنة فخلِّصني منها، ثلاث مرات، وما أنزلت من خير فآتني منه نصيباً ثلاث مرات، وإذا أمسى قال مثل ذلك، فلم يَر بعد ذلك مكروهاً (1).
وروى والده عن عمر بن عبد الرحمن بن دربه قال: بلغني أنه كان من دعاء داود عليه السلام: إلهي لا تُفقرني فأنسى، ولا تغنني فأطغى (2).
وعن علي الأزدي رحمه الله قال: كان داود عليه السلام يقول: اللهم إني أعوذ بك من غنىً يُطغي، وفقرٍ يُنسِي، وهوىً يردي، وعملٍ يخزي (3).
وروى العسكري في "المواعظ" عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال موسى عليه السلام: يا رب! لا مرض يُضنيني، ولا صحة تنسيني، ولكن بين ذلك (4).
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (7/ 165).
(2)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 71).
(3)
ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29378).
(4)
لم أقف عليه مرفوعاً، ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29382)، والإمام أحمد في "الزهد" (ص: 89) عن الحسن موقوفاً من قول داود عليه السلام.
وروى ابن أبي شيبة عن كعب رحمه الله تعالى: أنه كان إذا أفطر استقبل القبلة وقال: اللهم خلصني من كل مصيبة أنزلت الليلة من السماء - ثلاثاً -، وإذا طلع حاجب الشمس قال: اللهم اجعل لي سهماً في كل حسنة نزلت الليلة من السماء إلى الأرض - ثلاثاً -، فقيل له، فقال: دعوة داود؛ فلينوا بها ألسنتكم، وأشعروها قلوبكم (1).
وعن بريدة رضي الله عنه: أنَّ داود عليه السلام كان يقول: اللهم إني أعوذ بك من عملٍ يُخزي، وهوىً يُردي، وفقر يُنسي، وغنىً يُطغي (2).
وعن عباس القَمِّيِّ قال: بلغني أن داود عليه السلام كان يقول في دعاءه: سبحانك اللهم أنت ربي، تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السماوات والأرض، فأقرب خلقك منك منزلة، أشدهم لك خشية، وما علم من لم يخشك، وما حكمة من لم يطع أمرك (3).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان من دعاء داود النبي: اللهم إني أعوذ بك من مالٍ يكون عليَّ فتنة، ومن ولدٍ يكون علىَّ وبالاً، ومن امرأة السوء تقرب الشيب من قبل المشيب، وأعوذ بك من جار السوء ترعاني عيناه وتسمعني أذناه، إن رأى حسنةً دفنها، وإن رأى سيئة أذاعها.
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29380).
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29384).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(29381)، والدارمي في "سننه"(336).
قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جارُ السُّوْءِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ فِيْ دَارِ المُقَامَةِ"(1).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله قال: كان داود عليه السلام يقول: اللهم لا مرضاً يضنيني، ولا صحة تُنسيني، ولكن بين ذلك، اللهم إني أسألك من الأصحاب والإخوان والجيران والجلساء مَنْ إن نسيت ذكرني، وإذا ذكرتُ أعانني، وأعوذ بك من الأصحاب والإخوان والجيران والجلساء من إن نسيت لم يذكِّرْني، وإن ذكرت لم يعني (2).
وروى ابن أبي الدنيا عن العطاف بن خالد المخزومي قال: غدا سليمان بن داود عليهما السلام إلى بيت المقدس ليفتحه، فأعياه القفل أن ينفتح، فدعا له الإنس والجن وأعياهم، فمرَّ به شيخ من جلساء داود عليه السلام فقال له: يا نبي الله! ما في أراك مهموماً؟
قال: أعيى علي القفل فلم ينفتح وعلى الجن والإنس.
فقال له الشيخ: ألا أدلُّك على كلمات كان داود إذا أهمَّه أمر دعا بهن، فيفرج الله عنه؟
قال: نعم.
(1) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(6180). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(10/ 183): فيه من لم أعرفهم.
(2)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 89) إلى قوله: "ولكن بين ذلك".
قال: قل: اللهم بنورك اهتديت، وبفضلك استغنيت، وبنعمتك أصبحت وأمسيت، هدي ونومي بين يديك، أستغفرك وأتوب إليك.
فقالها سليمان ففتح عليه (1).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن الأحوص بن حكيم رحمه الله قال: كان من دعاء داود النبي: يا رازق النَّعَّابِ في عُشِّه.
قال: وذلك أنَّ الغراب إذا فقس عن فرخه فيخرج بيضاً، فإذا رآها كذلك نفر عنها فتفتح أفواهها، فيرسل الله تعالى لها ذباباً فتدخل في أجوافها، فيكون ذلك غذاء حتى تسود، فإذا اسودت عادَ الغراب فغذاها ورفع الله الذباب عنها (2).
والنعاب - بالنون والعين المهملة، وبالموحدة آخره -: الغراب.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الشكر"، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أتى بختنصر بدانيال النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر به فحبس وضرى عليه أسدين، ثم فتح عليه بعد خمسة أيام فوجد دانيال قائماً يُصلي والأسدين في ناحية الجب لم يعرضا له، فقال بختنصر: أخبرني بما قلت فدفع عنك.
قال: قلت: الحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه إلى غيره، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين تنقطع الحيل، والحمد لله الذي هو
(1) انظر: "تاريخ بيت المقدس" لابن الجوزي (ص: 5).
(2)
رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 234).
رجاؤنا يوم يسوء ظننا بأعمالنا، الحمد لله الذي يكشف حزننا عند كربتنا، الحمد لله الذي يُجزي بالإحسان إحساناً، الحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة (1).
وروى الإمام أحمد عن جعفر بن برقان الجزري: أنَّ عيسى بن مريم عليهما السلام كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهناً بعملي، لا فقير أفقر مني، لا تُشمت بي عدواً، ولا تَسُؤْ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تسلط عليَّ من لا يرحمني (2).
وروى ابن أبي شيبة من طريق آخر بنحوه، وزاد فيه: ولا تجعل الدنيا أكبر همي (3).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن وهب بن منبه قال: كان دعاء عيسى عليه السلام الذي يدعو به للمرضى والزَّمْنَى والعميان والمجانين وغيرهم: اللهم أنت إله من في السماء، وإله من في الأرض، لا إله فيهما غيرك، وأنت جبار من في السماء، وجبار من في الأرض، لا جبار فيهما غيرك، قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء، وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء، أسألك باسمك
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "الشكر"(ص: 60).
(2)
رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 95)، وكذا عبد الرزاق في "المصنف"(19836)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(240).
(3)
تقدم تخريجه.
الكريم ووجهك المنير وملكك القديم، إنك على كل شيءٍ قدير.
قال وهب: هذا للفزع والجنون: تُقرأ عليه، وتُكتب له، ويُسقى ماءه فيشفى إن شاء الله تعالى (1).
وروى ابن جرير عن وهب زعم أنه ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفاً، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى فمشى إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله (2).
وروى البزار، والحاكم وصححه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ أَبو بكر رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "دُعاءٌ عَلَّمَنِيْهُ جبْرِيْلُ عليه السلام" قلت: ما هو؟ قال: "كانَ عِيْسَى عليه السلام يُعَلِّمُ أَصْحابَهُ قالَ: لَوْ كانَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَبَلُ ذَهَبٍ دَيْناً، فَدَعا بِذَلِكَ لقَضاهُ اللهُ عَنْه: اللَّهُمَّ فارِجَ الهَمِّ وَكاشِفَ الغَمِّ، مُجِيبَ دَعْوَةِ المُضْطَرِّيْنَ، رَحمنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيْمَهُمَا، أَنْتَ تَرْحَمُنِي فَارْحَمْنِي بِرَحْمَةٍ تُغْنِينِي بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِواكَ"(3).
(1) رواه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم"(ص: 209).
(2)
رواه الطبري في "التفسير"(3/ 278).
(3)
رواه الحاكم في "المستدرك"(1898). قال المنذري في "الترغيب والترهيب"(2/ 382): رواه البزار والحاكم والأصبهاني كلهم عن الحكم ابن عبد الله الأيلي، عن القاسم، عنها، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
قال المنذري: كيف! والحكم متروك متهم، والقاسم - مع ما قيل فيه - لم يسمع من عائشة رضي الله عنها.
وفي الحديث أن أبا بكر وعائشة رضي الله عنها جرَّباه، فقُضِيَتْ عنهما ديونها.
وروى ابن أبي الدنيا عن معروف الكرخي رحمه الله قال: اجتمعت اليهود على قتل عيسى عليه السلام بزعمهم، فأهبط الله عز وجل جبريل عليه السلام في باطن جناحه مكتوب: اللهم إني أسألك باسمك الأجل الأعز، وأدعوك باسمك اللهم الأحد الصمد، وأدعوك باسمك اللهم العظيم الوتر، وأدعوك اللهم باسمك الكبير المتعال الذي ملأ الأركان كلها أن تكشف عني ضر ما أمسيت وأصبحت فيه.
فأوحى الله إلى جبريل أن ارفع عبدي إلي (1).
وروى أَبو نعيم عن سعيد الجريري رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: تزعم أنك لا تسألني شيئاً، فإذا قلت: ما شاء الله فقد سألتني كل شيء (2)؛ أي: كل شيء فيه الخيرة لأن قولك: ما شاء الله تفويض لمشيئتي، ومن فوَّض إليَّ مشيئتي فما أشاؤه خيرٌ له مما يشاؤه لنفسه.
وقوله: تزعم أنك لا تسألني شيئاً؛ أي: شيئاً أنت في طلبه بنفسك حتى تطلب مني بي، وإلا فقد كان عليه السلام يسأل الله تعالى.
وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في "الزهد" عن وهب رحمه
(1) ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(47/ 472).
(2)
رواه أَبو نعيم في "حلية الأولياء"(6/ 201).
الله تعالى قال: قال المسيح عليه السلام: أكثروا ذكر الله وحمده وتقديسه، وأطيعوه؛ فإنما يكفي أحدكم من الدعاء إذا كان الله تبارك وتعالى راضياً عنه أن يقول: اللهم اغفر لي خطيئتي، وأصلح لي معيشتي، وعافني من المكاره يا إلهي" (1).
وروى ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن أبي خالد رحمه الله قال: ذكر عن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: أنه قال: اللهم لا تكلفني طلب ما لم تقدره لي، وما قدرت لي به من رزقٍ فأتني به في يُسرٍ منك وعافية، وأصلحني بما أصلحت به الصالحين، فإنما أصلح الصالحين أنت (2).
وعن عثمان بن عبد الله بن أويس رحمه الله قال: كان نبي من الأنبياء عليهم السلام يقول: اللهم احفظني بما تحفظ به الصبي (3).
وروى ابن أبي الدنيا في "الهواتف"، والخطيب، والأصبهاني في "الترغيب" عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بينا أنا أطوف بالكعبة إذا رجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يشغله سمعٌ عن سمع، يا من لا تغلطه المسائل، يا من لا يبرمه إِلْحَاحُ الملحين، أذقني بَرْد عفوك، وحلاوة رحمتك.
فقال علي: أعد عليَّ هذا الكلام يا عبد الله.
(1) رواه الإمام أحمد في "الزهد"(ص: 55).
(2)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(29387).
(3)
رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"(34301).
قال: أسمعته؟
قال: نعم.
قال: والذي نفس الخضر بيده - وكان هو الخضر عليه السلام ما من عبدٍ يقولهنَّ في دبر كل صلاة مكتوبة إلا غُفرت له ذنوبه ولو كانت مثل رمل عالج، أو مثل زبد البحر، أو ورق الشجر (1).
وروى ابن أبي الدنيا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه كان جالساً في ظل الكعبة إذ سمع رجلاً يدعو: يا الله يا الله - خمساً أو سبعاً - الذي لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا إلحاح الملحين! أذقني بَرْدَ عفوك وحلاوة مغفرتك.
فقال عمر لأصحابه: قوموا لعلنا نُرحم بدعائه، فكلَّمه عمر، فكلُّهم يرى أنه الخضر عليه السلام (2).
وعن هشيم رحمه الله قال: كنت يوماً في منزلي فدخل عليَّ رجل فقال: قل: الحمد لله على كل نعمة، وأستغفر الله من كل ذنب، وأسأل الله من كل خير، وأعوذ بالله من كل شر، ثم خرج فطلبه فلم يُوجد، وكنا نراه الخضر عليه السلام (3).
وروى ابن عساكر عن يوسف بن أسباط رحمه الله قال: بلغني أنَّ
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "الهواتف"(ص: 52)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(4/ 118) واللفظ له.
(2)
رواه ابن أبي الدنيا في "الهواتف"(ص: 57).
(3)
رواه ابن أبي الدنيا في "الهواتف"(ص: 56).