الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلينا، فلست أدري أحي هو أم ميت (1).
*
تَنْبِيْهٌ:
ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها: "ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ وَلَهُ شَيْطانٌ"(2)، يدل على أنه لا بد لكل عبد من شيطان يقارنه.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "مكائد الشيطان" عن يونس بن يزيد الأيلي رحمه الله تعالى قال: بلغنا أنه يولد مع أبناء الإنس من أبناء الجن من ينشأ معهم ويعلمهم، ما سمعت من منكر (3).
وأراد أولاد الشياطين، فعبر عنهم بالجن كأنه كان يرى أن الشياطين والجن جنس واحد.
ولا يلزم أن لا يكون للعبد إلا شيطان واحد، فقد يكون له شياطين متعددة زيادة في ابتلائه.
ويؤيد ذلك ما يأتي أن العبد لا يخرج حتى يفك عنها لحي سبعين شيطاناً، وما روي أن لكل عمل صالح شيطاناً موكلاً بالمنع من ذلك العمل كما ستعلم قريباً.
(1) رواه العقيلي في "الضعفاء"(1/ 98) وقال: ليس له أصل، والبيهقي في "دلائل النبوة"(5/ 418).
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
وذكره الغزالي في "إحياء علوم الدين"(3/ 39).
وروى ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عن مجاهد رحمه الله تعالى في قوله تعالى:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ} [الكهف: 50] قال: هم أولاده يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، وهم أكثر عدداً (1).
وروى ابن أبي حاتم، وغيره عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: بلغني أنه يجتمع على مؤمن واحد أكثر من ربيعة ومضر (2)؛ يعني: من الشياطين.
وروى البيهقي في "الشعب"، وابن عساكر عن ثابت البناني رحمه الله تعالى قال: بلغني أن إبليس قال: يا رب! إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة، فسلطني على أولاده، قال: صدورهم مساكن لك، قال: رب! زدني، قال: لا يولد لآدم ولد إلا ولد لك عشرة، قال: رب! زدني، قال:{وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الإسراء: 64].
فشكى آدم إبليس إلى ربه قال: يا رب! إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاً، وسلطته علي، وأنا لا أطيقه إلا بك، قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء، قال: رب! زدني، قال: الحسنة بعشرة أمثالها، قال: رب! زدني، قال: لا أحجب عن ولدك التوبة ما لم يغرغر (3).
(1) رواه أبو الشيخ في "العظمة"(5/ 1685) عن قتادة.
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (5/ 404).
(3)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(7071)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(7/ 439).
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: من ذرية إبليس لاقيس، وولهان؛ وهو صاحب الصلاة والطهارة، واللهفان، ومرَّة، وبه يكنَّى.
وزلنبور؛ وهو صاحب الأسواق يزين اللغو، والحلف الباطل، ومدح السلعة.
ونسوطاً صاحب الصخب والغضب.
وثبر؛ وهو صاحب المصائب يزين خمش الوجوه، ولطم الخدود، وشق الجيوب.
والأعور؛ وهو صاحب الزنا، ينفخ في إحليل الرجل وعَجُز المرأة.
ومطوس - وفي رواية: مسوط -؛ وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلاً.
وداسم؛ وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم، ولم يذكر اسم الله، دخل معه، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه.
والأبيض؛ وهو الموكل بالأنبياء عليهم السلام، وهو الذي أضل بَرْصِيصا.
وخنزب، وهو بالخاء المعجمة المفتوحة، والنون الساكنة، والزاي المفتوحة؛ وهو شيطان الصلاة.
روى ذلك مفرقاً عن مجاهد، ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما (1).
وقرأت بخط العلامة البرهان ابن الباعوني رحمه الله تعالى عن
(1) انظر: "تفسير الطبري"(15/ 262)، و"الدر المنثور" للسيوطي (5/ 403).
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أنه قال: من ذرية إبليس تسعة؛ زلنبور، ووثين، وأعوان، ولهفان، ومرة، ولقوس، والمسوط، وداسم، وولهان.
أما زلنبور فهو صاحب الأسواق ينصب فيها رايته.
وأما وثين فهو صاحب المصائب.
وأما أعوان فهو صاحب أبواب السلطان؛ أي: المترددين إليه والملازمين له؛ عبر عنهم بالأبواب وأراد الأبواب حقيقة.
وأما اللهفان فهو صاحب الشراب.
وأمَّا مرة فهو صاحب المجوس.
وأمَّا المسوط فهو صاحب الأخبار الزور يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلاً.
وأمَّا داسم فهو صاحب البيوت، فإذا دخل الرجل منزله ولم يسم ولم يذكر الله، أوقع بينهم المنازعة حتى يقع الضرب، والطلاق، والخلع.
وأما ولهان فهو يوسوس في الصدور في الصلاة والعبادات.
وقال في "القاموس": والولهان شيطان يغري بكثرة صب الماء في الوضوء (1).
وفي "القاموس" أيضاً: إن عمل زلنبور أن يفرق بين الرجل وأهله،
(1) انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 1621)(مادة: وله).
ويبصر الرجل بعيوب أهله (1).
وفيه: أن سوطاً - وهو على وزن السوط الذي يجلد به بدون لام التعريف - ولد لإبليس يغري على الغضب (2).
وقال فيه: والأزب - أي: بالهمزة، والزاي، والموحدة المشددة - من أسماء الشياطين.
ومنه حديث ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما: أنه وجد رجلاً طوله شبران، فاخذ السوط، فأتاه، فقال: من أنت؟ قال: أزب، قال: وما أزب؟ قال: رجل من الجن، فقلب السوط فوضعه في رأس أزب حتى باص (3)؛ أي: هرب، أو خفي واستتر.
وقال فيه: والسرحوب - أي: بضم السين المهملة، وإسكان الراء، وضم الحاء المهملة، وبالموحدة - ابن آوى، أو شيطان أعمى يسكن البحر (4).
وقال فيه: والزوبعة: اسم شيطان رئيس للجن، ومنه الإعصار زوبعة، وأم زوبعة، وأبو زوبعة يقال فيه: شيطان مارد (5).
وذكر القرطبي عن شيخه عبد المعطي: أن شيطاناً يقال له
(1) انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 513)(مادة: زلبر).
(2)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 868)(مادة: سوط).
(3)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 119)(مادة: زبب).
(4)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 124)(مادة: سرحب).
(5)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 935)(مادة: زبع).
البيضاوي يتمثل للفقراء الواصلين في الصيام، فإذا استحكم منهم الجوع وأضر بأدمغتهم، يكشف لهم عن سناء ونور حتى يملأ عليهم البيوت، فيظنون أنهم قد وصلوا، وأن ذلك من الله، وليس كما ظنوا (1).
وروى البيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ شِهَابًا اِسْمُ شَيْطَانٍ"(2).
وروى ابن سعد في "طبقاته" عن عروة بن الزبير، والشعبي مرسلاً قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْحُبَابُ شَيْطَانٌ"(3).
وروى ابن أبي شيبة، وأبو داود، وابن ماجه عن مسروق قال: لقيت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: ما اسمك؟ قلت: مسروق بن الأجدع، قال: سمعت رسول الله هو يقول: أَجْدَعُ اسْمُ شَيْطَانٍ؛ أنت مسروق بن عبد الرحمن (4).
وذكر بعضهم: أن من ذرية إبليس صخراً، وهو الذي انتزع خاتم سليمان بن داود عليهما السلام؛ وهذا رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (5).
(1) انظر: "تفسير القرطبي"(10/ 422).
(2)
رواه البيهقي في "شعب الإيمان"(5227).
(3)
رواهما ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(3/ 542).
(4)
رواه ابن أي شيبة في "المصنف"(25902)، وأبو داود (4957)، وابن ماجه (3731).
(5)
ورواه الطبري في "التفسير"(23/ 157).
وروى هو عن قتادة رحمه الله تعالى: أنه مارد يقال له: أسيد.
وعن السدي: أنه شيطان اسمه حبقيق (1).
وروى عبد الرزاق عن مجاهد: أن اسمه آصف (2)، وهو غير آصف بن برخيا الذي عنده علم الكتاب، وهو ابن خالة سليمان عليه السلام، ووزيره من الإنس.
قلت: ولعله تصحيف.
ويؤيده ما رواه ابن جرير عن مجاهد نفسه: أن اسمه - أعني: الشيطان الذي انتزع خاتم سليمان - آصِر (3) - بالراء -، وهو محبوس في البحر.
وروى ابن أبي حاتم عن نوف البكالي: أن الشيطان الذي مس أيوب عليه السلام يقال له: سوط (4).
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: عطس ابن لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: أب، أو: أشهب، [فقال ابن عمر]: لا تقل أب أو أشهب؛ فإنه اسم شيطان.
وقال إبراهيم رحمه الله تعالى؛ إن شيطاناً يسمى إهاب؛ فمن عطس
(1) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (7/ 183 - 186).
(2)
ورواه الطبري في "التفسير"(23/ 157).
(3)
رواه الطبري في "التفسير"(23/ 157).
(4)
رواه ابن أبي حاتم في "التفسير"(10/ 3245) عن ابن عباس رضي الله عنه، وعنده:"مسوط" بدل "سوط".
فليخفض من صوته، ولا يقل: إهاب. نقلهما البغوي في "شرح السنة"(1).
وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن جحين الأكبر: أن رجلاً أتاه فقال: إني نذرت أن لا أكلم أخي، فقال: إن الشيطان ولد له ولد فسماه نذراً، وإنه من قطع ما أمر الله به أن يوصل فقد حلت عليه اللعنة (2).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن قتادة رحمه الله تعالى قال: إن لإبليس شيطاناً يقال له: قيقب يخمه أربعين سنة، فإذا دخل الغلام في هذا الطريق - يعني: طاعة الله - يقول له: دونك إنما كنت أخمك لمثل هذا، أجلب عليه، وافتنه (3).
وروى الخطيب في "تاريخ بغداد" عن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: لا يقال: بغذاذ بالذال - يعني المعجمة -؛ فإن بغ شيطان، وذاذ عطية، ولكن يقول: بغداد وبغذاد كما تقول العرب (4).
وفي "القاموس": إن الشيصبان قبيلة من الجن واسم الشيطان، انتهى (5).
(1) انظر: "شرح السنة" للبغوي (12/ 314).
(2)
انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (2/ 72).
(3)
ورواه ابن الجوزي في "ذم الهوى"(ص: 176).
(4)
رواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"(1/ 59).
(5)
انظر: "القاموس المحيط" للفيروز آبادي (ص: 130)(مادة: شصب).
ويحتملها قول الشاعر: [من المتقارب]
وَلِيْ صاحِبٌ مِنْ بَنِيْ الشَّيْصَبانِ
…
فَطَوْراً أَقُوْلُ وَطَوْراً يَقُوْلْ
وروى ابن أبي الدنيا في "المكائد"، والطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وُكِّلَ بِالْمُؤْمِنِ مِئَةٌ وَستُّونَ (1) مَلَكًا يَذبُّونَ عَنْهُ مَا لَمْ يُقَدَّرْ عَلَيْهِ؛ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْبَصَرِ سَبْعَةُ أَمْلاكٍ يَذبُّوْنَ عَنْهُ كَمَا يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ الْعَسَلِ الذُّبَابُ فِيْ الْيَوْمِ الصَّائِفِ، وَمَا لَوْ بَدَا لَكَ لَرَأَيْتُمُوْهُ عَلَى كُلِّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ؛ كُلُّهُم بَاسِطٌ يَدَيْهِ فَاغِرٌ فَاهُ، وَمَا لَو وُكِلَ الْعَبْدُ إِلَى نفسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِيْنُ"(2).
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبِي صلى الله عليه وسلم: أنه لما نزل ليلة الإسراء إلى سماء الدنيا نظر أسفل منه، فإذا هو بريح وأصوات ودخان، فقال:"ما هَذَا يَا جِبْرِيْلُ؟ " فقال: "هذه شياطين يحومون على أعين بني آدم لئلا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب"(3).
وروى الخرائطي في "مكارم الأخلاق" عن وهب بن منبه
(1) اختلفت روايات هذا الحديث في عدد الملائكة، وفيها:"مئة وستون"، "ثلاث مئة وستون"، "تسعون ومئة".
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 353).
رحمه الله تعالى قال: إن رجلاً من بني إسرائيل صام سبعين سبتاً يفطر في كل سبعة أيام، وهو يسأل الله تعالى أن يريه كيف تغوي الشياطين الناس، فلما طال عَلَيْه ذلك ولم يجب، فقال: لو اطلعت على خطيئتي وذنبي وما بيني وبين الله ربي لكان خيراً لي من هذا الأمر الذي طلبته، فأرسل الله تعالى ملكاً فقال له: إن الله أرسلني إليك وهو يقول لك: إن كلامك هذا الذي تكلمت به أعجب إليَّ مما مضى من عبادتك، وقد فتح الله بصرك فانظر، فإذا جنود إبليس قد أحاطت بالأرض، وإذا ليس أحد من الناس إلا وحوله الشياطين مثل الذباب، فقال: أي رب! من ينجو من هذا؟ قال: الوادع اللين (1).
وروى ابن أبي الدنيا عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: إن آدم عليه السلام لما أهبط قال: رب! هذا العبد الذي جعلت بيني وبينه عداوة ألا تعينني عليه؟ لا أقوى عليه، قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكاً، قال: ربي! زدني، قال: أجزي بالسيئة سيئة، وبالحسنة عشراً إلى ما أريد، قال: ربي! زدني، قال: باب التوبة مفتوح ما دام في الجسد الروح.
قال إبليس: يا رب! هذا العبد الذي كرمته ألا تعينني عليه؟ لا أقوى، قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك ولد، قال: ربي! زدني، قال: تجري منه مجرى الدم، وتتخذون صدورهم بيوتاً، قال: ربي! زدني،
(1) انظر: "البداية والنهاية" لابن كثير (9/ 281).