الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَلْفُوفٌ بِخِرْقَةٍ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ، ارْتَعَدَ وَسَقَطَتِ الْخِرْقَةُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَا ذَكَرَ لَهُ» .
وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْقَضَاءُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، فَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْقَتْلِ، إِنَّمَا أَرَادَ تَخْوِيفَهُ لِيَزْدَجِرَ عَنْ مَجِيئِهِ إِلَيْهَا. قَالَ: وَهَذَا كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ لِلْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اخْتَصَمَتَا إِلَيْهِ فِي الْوَلَدِ: " «عَلَيَّ بِالسِّكِّينِ حَتَّى أَشُقَّ الْوَلَدَ بَيْنَهُمَا» "، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، بَلْ قَصَدَ اسْتِعْلَامَ الْأَمْرِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ تَرَاجِمِ الْأَئِمَّةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: بَابُ الْحَاكِمِ يُوهِمُ خِلَافَ الْحَقِّ لَيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، فَأَحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَعْرِفَ الصَّحَابَةُ بَرَاءَتَهُ، وَبَرَاءَةَ مارية، وَعُلِمَ أَنَّهُ إِذَا عَايَنَ السَّيْفَ، كَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ حَالِهِ، فَجَاءَ الْأَمْرُ كَمَا قَدَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ عليا رضي الله عنه بِقَتْلِهِ تَعْزِيرًا لِإِقْدَامِهِ وَجُرْأَتِهِ عَلَى خَلْوَتِهِ بِأُمِّ وَلَدِهِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لعلي حَقِيقَةُ الْحَالِ، وَأَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الرِّيبَةِ، كَفَّ عَنْ قَتْلِهِ، وَاسْتَغْنَى عَنِ الْقَتْلِ بِتَبْيِينِ الْحَالِ، وَالتَّعْزِيرُ بِالْقَتْلِ لَيْسَ بِلَازِمٍ كَالْحَدِّ، بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ دَائِرٌ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا.
[فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ]
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ:«وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَذُرِعَ مَا بَيْنَهُمَا، فَوُجِدَ إِلَى أَحَدِهِمَا أَقْرَبُ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى شِبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَلْقَاهُ عَلَى أَقْرَبِهِمَا» .
وَفِي " مُصَنَّفِ عبد الرزاق " قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا بَلَغَنَا فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ دِيَارِ قَوْمٍ: أَنَّ الْأَيْمَانَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ،
فَإِنْ نَكَلُوا، حُلِّفَ الْمُدَّعُونَ، وَاسْتَحَقُّوا، فَإِنْ نَكَلَ الْفَرِيقَانِ، كَانَتِ الدِّيَةُ نِصْفُهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَبَطَلَ النِّصْفُ إِذَا لَمْ يَحْلِفُوا» .
وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ المروزي عَلَى الْقَوْلِ بِمِثْلِ رِوَايَةِ أبي سعيد، فَقَالَ: قُلْتُ لأبي عبد الله: الْقَوْمُ إِذَا أُعْطُوا الشَّيْءَ، فَتَبَيَّنُوا أَنَّهُ ظُلِمَ فِيهِ قَوْمٌ؟ فَقَالَ: يُرَدُّ عَلَيْهِمْ إِنْ عُرِفَ الْقَوْمُ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا؟ قَالَ: يُفَرَّقُ عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَقُلْتُ: فَمَا الْحُجَّةُ فِي أَنْ يُفَرَّقَ عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه جَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَكَانِ يَعْنِي الْقَرْيَةَ الَّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ، فَأَرَاهُ قَالَ: كَمَا أَنَّ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ هَكَذَا يُفَرَّقُ فِيهِمْ، يَعْنِي: إِذَا ظُلِمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ وَلَمْ يُعْرَفُوا، فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَدْ قَضَى بِمُوجِبِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَجَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَكَانِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْقَتِيلُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أحمد وَجَعَلَ هَذَا أَصْلًا فِي تَفْرِيقِ الْمَالِ الَّذِي ظُلِمَ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَكَانِ عَلَيْهِمْ إِذَا لَمْ يُعْرَفُوا بِأَعْيَانِهِمْ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ الْآخَرُ، فَمُرْسَلٌ لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ، وَلَوْ صَحَّ تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِمِثْلِهِ، وَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ، وَلَا يُخَالِفُ بَابَ الدَّعَاوَى، وَلَا بَابَ الْقَسَامَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ لَوْثٌ ظَاهِرٌ يُوجِبُ تَقْدِيمَ الْمُدَّعِينَ، فَيُقَدَّمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فِي الْيَمِينِ، فَإِذَا نَكَلُوا، قَوِيَ جَانِبُ الْمُدَّعِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وُجُودُ الْقَتِيلِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. وَالثَّانِي: نُكُولُهُمْ عَنْ بَرَاءَةِ سَاحَتِهِمْ بِالْيَمِينِ، وَهَذَا يَقُومُ مَقَامَ اللَّوْثِ الظَّاهِرِ، فَيَحْلِفُ الْمُدَّعُونَ، وَيَسْتَحِقُّونَ، فَإِذَا نَكَلَ الْفَرِيقَانِ كِلَاهُمَا، أَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً مُرَكَّبَةً مِنْ نُكُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَمْ يَنْهَضْ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِيجَابِ كَمَالِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ