الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رابعاً: الترجمة ومعرفة اللغات:
اللغة هي أداة تواصل بين المجتمع الواحد أو الأمة الواحدة، وبها يتم توصيل الرغبات والاحتياجات والمعاني بين أفراد هذا المجتمع، يقول الدكتور سمير حجازي:"إنها مرآة الشعب، ومستودع تراثه، وديوان أدبه، وسبل مطامحه وأحلامه، ومفتاح أفكاره وعواطفه، ورمز كيانه الروحي، وعنوان تقدمه، وخزان عاداته وتقاليده، ومظهر حضارة المجتمع"
(1)
.
فبقدر ما كان للغة من فضل في التواصل داخل الأمة الواحدة إلا أنها أيضاً عائق في تواصل الأمم المختلفة بعضها ببعض؛ الأمر الذي أدى إلى الاستعانة بالمترجمين ممن يعرفون لغات القوم فيكونون هم أداة الوصل بين أمة وأخرى، وقد اهتم ملوك وقادة الأمم السابقة واللاحقة بالمترجمين لمعرفتهم بلغة الأمم الأخرى، وليستطيعوا التواصل معهم، وقد كان عند كل ملك ترجمان. ويتبين لنا ذلك مما ورد في كتب التاريخ والسير من وجود ترجمان لدى قيصر عندما أتاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجود مترجم لدى كسرى
(2)
، كما أن المقوقس أحضر مترجماً عندما أرسل إلى حاطب بن بلتعة ليلاً
(3)
.
كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر زيد بن ثابت بتعلم اليهودية كما ذكرنا سابقاً حتى يعرف لغة القوم ويترجم له ويكتب له بلغتهم؛ لإبلاغهم بالإسلام، وذكر
(1)
معجم المصطلحات الحديثة، سمير سعيد حجازي، ص 242.
(2)
انظر: دلائل النبوة، البيهقي، 4/ 290، 298.
(3)
انظر: فتوح مصر والمغرب، ابن عبدالحكم، ص 67.
المسعودي أنه كان يترجم للرسول صلى الله عليه وسلم بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن.
ولولا أهمية اللغة في التواصل وإيصال المعلومات والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى لما اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الجانب، إلا أنه يعلم ما له من تأثير وقوة في مجال الدعوة إلى الله. وقد سلك هذا المسلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستفادة من لغة المدعوين، وإن كان أكثر المدعوين من المشركين هم عرب في الأصل، فلغتهم هي نفس لغة الصحابة، إلا أنه تم الاستفادة ممن لديه لغة من لغات الأمم الأخرى في الدعوة، ومن أمثلة ذلك ما حصل من سلمان الفارسي رضي الله عنه فيما ذكره الترمذي أن جيشاً من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي حاصروا قصراً من قصور فارس، فقالوا: يا أبا عبدالله، ألا ننهد إليهم، قال: دعوني أدعهم كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم سلمان فقال لهم: إنما أنا رجل منكم فارسي ترون العرب يطيعونني فإن أسلمتم فلكم مثل الذي لنا، وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه وأعطونا الجزية وأنتم صاغرون، قال: ورطن إليهم بالفارسية وأنتم غير محمودين، وإن أبيتم نابذناكم على سواء
(1)
، وكان المسلمون قد جعلوه داعية أهل فارس
(2)
.
فعلم الصحابة رضي الله عنهم أن دعوة الناس بلغتهم هي وسيلة لها تأثيرها في استجابة المدعوين؛ وذلك لكون التواصل بين المدعو والداعية مباشراً ويتم من خلاله
(1)
جامع الترمذي، أبواب السير، باب ما جاء في الدعوة قبل القتال، رقم 1548، ص 375.
(2)
انظر: تاريخ الأمم والملوك، الطبري، 2/ 463.