الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانياً: الحلم:
"الحلم هو الطمأنينة عند سورة الغضب"
(1)
، "وهو واسطة بين إفراط الغضب وعدمه، فالحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب"
(2)
، ويقال:"إن الحلم هو أن تكون النفس مطمئنة لا يحركها الغضب بسهولة، ولا تضطرب عن إصابة المكروه"
(3)
.
يقول الماوردي: "الحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب لما فيه من سلامة العرض وراحة الجسد واجتلاب الحمد"
(4)
.
"والله سبحانه وتعالى هو الحليم، وهو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد ولا يستفزه الغضب عليهم، ولكنه جعل لكل شيء مقداراً فهو منتهٍ إليه"
(5)
، ويقول الغزالي: "الحليم هو الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش، كما قال تعالى:{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ}
(6)
"
(7)
. وقد وردت آيات عديدة في ذكر أن الحلم من أسماء الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ
(1)
التعريفات، الجرجاني، ص 98.
(2)
أدب الدنيا والدين، الماوردي، ص 157، 261.
(3)
موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، محمد علي التهانوني، حرف الحاء، 1/ 706.
(4)
أدب الدنيا والدين، الماوردي، ص 261.
(5)
النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، ص 230.
(6)
سورة النحل، الآية:61.
(7)
المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، الغزالي، ص 94.
اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}
(1)
، وقوله:{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ}
(2)
، وقوله سبحانه:{وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}
(3)
، وقوله:{لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ}
(4)
.
وقد وصف الله سبحانه بعض خلقه بالحلم كوصفه لإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}
(5)
، وأيضاً وصفه سبحانه لإسماعيل عليه السلام عندما بُشِّر به إبراهيم فقال تعالى:{فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ}
(6)
.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حليماً على قومه، ففي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وبعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ ثم قال: يا محمد، فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله
(1)
سورة البقرة، الآية:235.
(2)
سورة البقرة، الآية:263.
(3)
سورة آل عمران، الآية:155.
(4)
سورة الحج، الآية:59.
(5)
سورة التوبة، الآية:114.
(6)
سورة الصافات، الآية:101.
وحده ولا يشرك به شيئاً"
(1)
.
فمن حلمه صلى الله عليه وسلم أنه لم يأمر ملك الجبال بإهلاك قومه، وهو قادر بإذن من الله سبحانه، كما أنه صلى الله عليه وسلم له مواقف كثيرة تدل على حلمه، وقد كان يستطيع أن ينفذ غضبه إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان همه هداية الناس ودعوتهم.
وقد استمد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلم من سيرته وأخلاقه واتباعاً لهديه، قال صلى الله عليه وسلم:"ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"
(2)
، وقد قال صلى الله عليه وسلم لأشج عبدالقيس:"إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة"
(3)
.
"فالحلم من محاسن خصال العباد"
(4)
، وفضيلة من فضائل الأخلاق التي تكسب الفرد محبة الله ومحبة الناس، ولما لهذا الخلق من تأثير فقد استفاد منه الصحابة رضي الله عنهم في مجال دعوة الناس وترغيبهم في الإسلام، فكم من أذية قُصدوا بها، وكم جهل وقع عليهم ولم يردوا عليه إلا بالحلم والإحسان، ومن هذا ما وقع من الطفيل بن عمرو الدوسي عندما دعا قومه فلم يستجيبوا له فقدم الطفيل وأصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن دوساً عصت
(1)
صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذ قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، رقم 3231، ص 539.
(2)
المرجع السابق، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، رقم 6114، ص 1066.
(3)
صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه من لم يبلغه، رقم 26، ص 31.
(4)
المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، الغزالي، ص 94.
وأبت فادع الله عليها، فقيل: هلكت دوس، قال صلى الله عليه وسلم:"اللهم اهد دوساً وأت بهم"
(1)
، ثم قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم (، فرجع ودعاهم ورفق بهم حتى نزل المدينة ومعه سبعون أو ثمانون بيتاً من دوس
(2)
،
وفي قصة عروة بن مسعود رضي الله عنه من الحلم ما كان سبباً في الصلح بين قومه وإسلام عشيرته الأقربين، وذلك أنه لما أسلم عروة رضي الله عنه استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى قومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني أخاف أن يقتلوك (، قال: لو وجدوني نائماً ما أيقظوني، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى قومه مسلماً فقدم عشاءً فجاءته ثقيف فدعاهم إلى الإسلام وآذوه ونالوا منه فحلم عنهم، فخرجوا من عنده يأتمرون عليه حتى طلع الفجر فقام في داره فأذن فخرجت ثقيف إليه فرماه أحدهم فأصابه في أكحله ولم يرقَ دمه، فلبس قومه السلاح وحشدوا وطلبوا الثأر له، فلما رأى عروة بن مسعود ما يصنعون قال: لا تقاتلوا فيَّ، قد تصدقت بدمي على صاحبه، لأصلح بذلك بينكم، فهي كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرني أنكم تقتلوني، ثم طلب أن يدفن مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عن الطائف، وبسبب ذلك لحق ابنه أبو مليح بن عروة وابن أخيه قارب بن الأسود بالرسول صلى الله عليه وسلم وأسلما
(3)
.
فالحلم كان وسيلة لتبليغ الدعوة منذ وصوله إليهم وحتى مماته رضي الله عنه فدعا قومه وأصلح بينهم وأسلم نفر من عائلته، وكل ذلك بخلق كريم ألا وهو الحلم.
(1)
صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم، رقم 2937، ص 485.
(2)
انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، 1/ 354 ..
(3)
انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد، 5/ 503 - 504.