الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويفوت كثيراً من الفرص، "والبديهة هي المعرفة يجدها الإنسان في نفسه من غير إعمال للفكر ولا علم بسببها"
(1)
، وهي ميزة يميز الله بها بعض الناس عن بعض، وقد أعطى الله بعض الصحابة رضي الله عنهم هذه الميزة، ومن هؤلاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان لسرعة رده في دعوته لطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أثر في إقناعه، وذلك عندما قيضت قريش طلحة بن عبيد الله لأبي بكر ليرده عن الإسلام، فأتاه وهو في القوم فقال أبو بكر رضي الله عنه: إلام تدعوني؟ قال طلحة: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، قال أبو بكر: وما اللات؟ قال: أولاد الله، قال: وما العزى، قال: بنات الله، قال أبو بكر الصديق: فمن أمهم؟ فسكت طلحة فلم يجبه، فقال لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فكان لسرعة رد أبي بكر الصديق وحضور ذهنه سبب في إسلام طلحة بن عبيدالله رضي الله عنهما، فتوقفت دعوة طلحة على استعداد أبي بكر في سرعة الرد وحضور الذهن والمعرفة، بالإضافة إلى طلاقة اللسان، ومعرفة أبي بكر رضي الله عنه ذلك عن نفسه جعلته يصبح السائل بدلاً من المسؤول، مما أحرج القوم ووضح فساد معتقدهم.
ح) استخدام الحيلة في الدعوة:
الحيلة المقصودة هي "الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف في الأمور، وتحايل على الرجل: سلك معه مسلك الحذق ليبلغ منه مأربه"
(2)
، والحيلة
(1)
المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، باب الباء، ص 44.
(2)
معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، 1/ 596.
محمودة إذا كانت في جلب خير أو دفع شر، أما فيما عدا ذلك فهي مذمومة، وقد احتال يوسف عليه السلام على إخوته في قوله تعالى:{فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}
(1)
، ويقول كعب بن مالك رضي الله عنه: (كان الرسول صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها (
(2)
، وهذا من الحيلة في الحرب، ففي الأولى جلب خير، وفي الثانية دفع شر، وقد استخدم بعض الصحابة رضي الله عنهم الحيلة ليبينوا الحق ويدعوا إليه، وأن ما عليه المشركون هو الباطل، فهذا معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو بن الجموح وفتيان من الأنصار كانوا يدلجون في الليل على صنم لعمرو بن الجموح فيحملونه ويطرحونه في بعض حفر بني سلمة التي فيها عذرة الناس فإذا أصبح عمرو بن الجموح بحث عن إلهه إلى أن يجده في الحفرة، ثم يعيده فيغسله ويطهره ويطيبه ويتكرر الموقف، وفي أحد المرات علق السيف عليه وقال له: إن كان فيك خير فامتنع، فلما رآه في الحفرة وقد قرن بكلب ميت تركه وأسلم. وهنا نجد أن معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو رضي الله عنهما عندما علما أنهما لا يستطيعان مواجهة عمرو بن الجموح مما قد يتسبب في تمسكه في إلهه أكثر، لجأا إلى استخدام الحيلة في إثبات أن هذه الأصنام لا تنفع أنفسها، فكيف تنفع غيرها، وهذا نوع من استخدام الداعي لإمكاناته وقدراته التي يمكن أن يكون لها أثر إيجابي في الدعوة.
(1)
سورة يوسف، الآية:70.
(2)
صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من أراد غزوة فورى بغيرها ومن أحب الخروج إلى السفر يوم الخميس، رقم 2948، ص 488.