الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}
(1)
، ويقول الصحابي الداعية معاذ بن جبل رضي الله عنه:"العلم إمام العمل والعمل تابعه"
(2)
، ويقول شيخ الإسلام في ذلك:"وهذا ظاهر؛ فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية والإسلام، فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما، ولابد من العلم بحال المأمور والمنهي"
(3)
.
الضابط السادس: الرفق والتيسير في الدعوة:
إن الرفق والتيسير في الدين الإسلامي بشكل عام، وفي الدعوة إلى الله بشكل خاص، هو مطلب شرعي يدخل في جميع الأمور والأعمال التي يمارسها الداعي، قال صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله (
(4)
، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه (
(5)
، فلابد للمسلم أن يكون رفيقاً في أموره كلها؛ لأن هذه الصفة من الصفات المحببة لله سبحانه وتعالى ولعباده، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه (
(6)
، وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحداً من أصحابه في
(1)
سورة المجادلة، الآية:11.
(2)
الاستقامة، ابن تيمية، ص 464.
(3)
مجموع الفتاوى، ابن تيمية، كتب الفقه، الجهاد، الحسبة، 28/ 131.
(4)
صحيح البخاري، كتاب اشتباه المرتدين والعائدين وقتالهم، باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصرح نحو قوله: السام عليكم، رقم 6927، ص 1193.
(5)
صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والأدب، باب فضل الرفق، رقم 6602، ص 1133.
(6)
المرجع السابق، رقم 6601، ص 1133.
بعض أمره قال: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا (
(1)
. والإنسان بطبيعته يحب التلطف والرفق، ويقبل ممن يتصف بهما ما لا يقبله ممن يتصف بالعنف والشدة، فكم من مدعو أخذته العزة بالإثم فيأنف ويصر على إعراضه وكفره، ومن أسباب ذلك عنف وشدة الداعي. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم رفيقاً حليماً رحيماً بالمدعوين، قال تعالى:{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}
(2)
،
فقد أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن من أسباب اجتماع الناس عليه وقبولهم لدعوته هو عدم الغلظة في تعامله معهم، وفي هذا دليل على أن الرفق له أثر بيِّن وأهمية كبيرة في مجال الدعوة؛ لذلك جعل الصحابة رضي الله عنهم الرفق من الضوابط التي يتم من خلالها السيطرة والمحافظة على المنهج الصحيح للدعوة، ويتمثل ذلك في موقف مصعب بن عمير رضي الله عنه عندما دعا أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهما، فعندما حضرا إليه متشتمين لم يغلظ لهما ويرد لهما الشتيمة، إنما ألان لهما القول ورفق بهما، وقال لهما كلاً على حدة:"أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً رغبت فيه وقبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره"، فقال في ذلك قولاً ليناً رفيقاً جعل كلاً منهما يستمع إلى الدعوة ويقبلها، كيف لا وقد أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام بأن يخاطب فرعون بالقول اللين لعله يتذكر أو يخشى، قال تعالى:{اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}
(3)
، وذلك تبيان لتأثير الرفق واللين في المدعو.
(1)
المرجع السابق، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، رقم 4525، ص 769.
(2)
سورة آل عمران، الآية: 159 ..
(3)
سورة طه، الآيتان: 43 - 44.
كما أن في دعوة طليب بن عمير رضي الله عنه لأمه أروى بنت عبدالمطلب رضي الله عنها رفق الابن بالوالد؛ فقد قال لها: أسألك بالله إلا أتيته وسلمت عليه وصدقته وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وذلك من وصية الله للإنسان أن يحسن لوالديه وإن كانا مشركين، قال تعالى:{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا}
(1)
، والرفق في دعوة الوالدين من الإحسان إليهما.
والرفق أو التيسير لا يعني التنازل أو التهاون في أمور الدين، أو المجاملة والمصانعة على حساب الحق، إنما يعني الرفق مع الحق والحزم؛ وذلك ما نلحظه في قصة إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى حصن خيبر، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول يوم خيبر: (لأعطين الراية رجلاً يفتح الله على يديه (فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى، فغدوا وكلهم يرجو أن يعطى فقال: (أين علي؟ (فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدعي له، فبصق في عينيه فبرأ مكانه، حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال رضي الله عنه: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال صلى الله عليه وسلم: (على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم (
(2)
، في هذا الحديث رفق مع حزم وقوة في الدعوة، وعدم التنازل عن الإسلام وواجباته، ومن الرفق والتيسير عدم مقاتلتهم حتى يدعوهم، وقد
(1)
سورة العنكبوت، الآية:8.
(2)
صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام والنبوة، رقم 2942، ص 487.