الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صاحب من يملك التصرف والتدبير في أمر معين كصاحب الشرطة وصاحب الخراج والجيش وصاحب السوق للمحتسب"
(1)
، بالإضافة إلى أصحاب الفيل وأصحاب الأخدود الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، والصاحبة هي الزوجة كما ورد في قوله تعالى:{أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ}
(2)
، وقوله تعالى:{يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ}
(3)
، ويقول الشيخ السعدي:"إن الصاحبة في الآيات هي الزوجة"
(4)
.
"ويصحب: تأتي بمعنى يجير ويمنع، فيقول القرطبي في قوله تعالى:{وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ}
(5)
، أي: يجارون، وتقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي: مجير منه"
(6)
. "وجلد أصحب، أي: عليه شعر أو وبر، وأصحب الماء: علاه الطحلب، ويتصحب منا، أي: يستحي منا"
(7)
.
ثانياً: مفهوم الصحابة رضي الله عنهم في الاصطلاح:
إن مفهوم الصحابة وتحديد من هو الصحابي من غيره من المسلمين وما الصفات التي يجب أن تتوافر فيه ليطلق عليه اسم صحابي من الاصطلاحات المختلف عليها عند أهل الاختصاص، فمنهم من توسع في إطلاق لفظ الصحابي وجعله مصطلحاً
(1)
الكليات، الكفوي، فصل الصاد، 3/ 112، (بتصرف).
(2)
سورة الأنعام، الآية:101.
(3)
سورة المعارج، الآيتان 11 - 12.
(4)
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 1046.
(5)
سورة الأنبياء، الآية:43.
(6)
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، الجزء الثاني، المجلد السادس، تفسير سورة الأنبياء، ص 147.
(7)
لسان العرب، ابن منظور، مادة: صحب، 1/ 520.
واسعاً بدون قيد أو شرط، أو كانت شروطه مرنة جداً كالمحدثين من أهل العلم، ومنهم من قيد لفظ الصحابي بشروط محددة وفي نطاق ضيق وتشدد في ذلك، وهم الأصوليون من أهل الفقه، وفي هذا المبحث سوف نتكلم عن آراء الفريقين ومن تبنى كل رأي من علماء الإسلام وأئمته.
لعل أكثر المحدثين يتبنون رأي الإمام البخاري في الصحيح "أن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه"
(1)
. وهذا القول أخذه الإمام البخاري حسب قول الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" من كلام شيخه علي بن المديني حيث كتب ابن حجر قائلاً: "قرأت في "المستخرج" لأبي القاسم بن منده بسنده إلى أحمد بن سيار الحافظ المروزي قال: سمعت أحمد بن عتيك يقول: قال علي بن المديني: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (
(2)
. ومن هذين التعريفين يتبين توسع الإمام البخاري وشيخه ابن المديني في إطلاق لفظ الصحابي، بحيث لم يجعلا للصحبة مدة محددة، إنما يكفي فيها الصحبة أو الرؤية، فيدخل في هذا كل من أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ورآه. إلا أن هذا التعريف أوجد إشكالاً لدى الأصوليين، وذلك فيمن ارتد عن الإسلام سواء رجع أو لم يرجع عن ردته، ومن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو طفل لم يبلغ ولم يميز، ومن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وقبل دفنه، وفي تعريف الإمام البخاري
(1)
صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، ص 613.
(2)
فتح الباري، ابن حجر، كتاب فضائل أصحاب النبي، 7/ 4229.
يقول ابن حجر: "يعني أن اسم صحبة النبي صلى الله عليه وسلم مستحق لمن صحبه أقل ما يطلق عليه اسم صحبة لغة، وإن كان العرف يخص ذلك بعض الملازمة ويطلق أيضاً على من رآه رؤية ولو على بعد"
(1)
. والرؤية هنا أوسع من الصحبة في اللغة، فمن رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج أو العمرة أو في الغزو أو من رآه في مكة أو المدينة أو في الحل والسفر وهو مسلم فقد شمله اسم "صحابي".
ويرى الإمام أحمد "أن كل من صحب الرسول صلى الله عليه وسلم سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه وسمع منه ونظر إليه"
(2)
. وأضاف شيخ الإسلام ابن تيمية كلمة "مؤمناً" بعد كلمة "رآه"
(3)
. وهنا جعل المدة والسمع والنظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هي من يحدد قدر الصحبة منهم مكثر ومنهم مقل وجميعهم صحابة. وقد استند كلام الإمام أحمد والبخاري وشيخ الإسلام في تعريفهم هذا على حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي على الناس زمان، يغزو فئام
(4)
من الناس فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم، فيفتح
(1)
فتح الباري، ابن حجر، كتاب فضائل أصحاب النبي، كتاب فضائل أصحاب النبي، 7/ 4228.
(2)
الكفاية، الخطيب البغدادي، ص 50.
(3)
انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، فصل الاعتقاد، 4/ 464.
(4)
الفئام: الجماعة من الناس، (انظر: العين، الفراهيدي، باب الثلاثي المعتل من الفاء، 8/ 405).
لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى أصحاب أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نحن، فيفتح لهم (
(1)
، يقول شيخ الإسلام: "وحديث سعيد هذا يدل على شيئين: على أن صاحب النبي صلى الله عليه وسلم هو من رآه مؤمناً به وإن قلت صحبته
…
"
(2)
.
أما الحافظ ابن حزم الأندلسي فقد أورد تعريفاً للصحابة مفصلاً أكثر من التعاريف السابقة، فيقول:"أما الصحابة رضي الله عنه فهم كل من جالس النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة وسمع منه ولو كلمة فما فوقها، أو شاهد منه (أمراً يعيه، ولم يكن من المنافقين الذين اتصل نفاقهم واشتهر حتى ماتوا على ذلك، ولا مثل من نفاه (باستحقاقه كهيت المخنث ومن جرى مجراه، فمن كان كما وصفنا أولاً فهو صاحب"
(3)
. ففصَّل رحمه الله في تعريف الصحابي وكأنه يضع ضوابط لمعرفة الصحابي، فأول ضابط هو المجالسة ولو ساعة، وهذا الضابط ذكره الإمام أحمد في تعريفه، وهو توسيع لدائرة الصحبة، كما أنه جعل من ذلك السماع من الرسول صلى الله عليه وسلم ولو كلمة وما فوقها، فبهذا يكون رد السلام من الرسول صلى الله عليه وسلم يُدْخِلُ في دائرة الصحبة.
(1)
صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، رقم 6467، ص 1110.
(2)
مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 20/ 298.
(3)
الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم الأندلسي، 5/ 89.
كما أن المشاهدة لأمر يعيه المشاهد حتى لو كانت عن بعد تدخل في الصحبة بشرط أن يعيه، أي يكون مميزاً وليس طفلاً صغيراً لم يصل لمرحلة التمييز أو فاقداً للعقل عند رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم سواء بمؤثر كالخمر وبدون مؤثر كالجنون، والضابط الأهم هو ألا يكون منافقاً مشتهر النفاق حتى مات، فهذا يخرجه من دائرة الإسلام؛ لأن المنافقين إخوان الكفار، قال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}
(1)
، وقال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}
(2)
، وقال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا}
(3)
.
وقد أورد الخطيب البغدادي قول ابن عمر أن أهل العلم يقولون: "كل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أدرك الحلم وأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام"
(4)
.
وفي هذا القول تأييد للأقوال السابقة من حيث الرؤية والتمييز، إلا أنه جعل الحلم شرطاً في الصحبة، وهذا مختلف فيه بين أهل العلم، فيقول العراقي في "التقييد والإيضاح":"والصحيح أن البلوغ ليس شرطاً في حدِّ الصحابي، وإلا لخرج بذلك من أجمع العلماء على عدِّهم في الصحابة، كعبدالله بن الزبير، والحسن والحسين رضي الله عنهم "
(5)
.
(1)
سورة الحشر، الآية:11.
(2)
سورة النساء، الآية:140.
(3)
سورة التوبة، الآية:68.
(4)
الكفاية، الخطيب البغدادي، ص 49.
(5)
التقييد والإيضاح، زين الدين العراقي، ص 295.
ولعل تعريف الإمام ابن حجر العسقلاني هو أوفى التعاريف وأشملها، وأقرب لوصف الصحابي، وتعريفه هذا الذي أورده في كتابه "الإصابة" حيث يقول:"إن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعمى"
(1)
.
ثم شرح ابن حجر هذا التعريف، ومن يدخل في الصحبة ومن يخرج منها، وسوف نذكر بعض النقاط المهمة التي ذكرها في شرحه، فمنها الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يعني خروج من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك ولم يلق الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن كلمة "مؤمناً به" تعني كل مكلف سواء من الإنس أو الجن الذين آمنوا به، أما قوله:"مات على الإسلام" فيخرج من الصحبة من ارتد ومات على الكفر كعبيد الله بن جحش
(2)
.
ونلحظ هنا أن ابن حجر لم يبين هل يُشترط في اعتبار الصحبة أن من رأى الرسول صلى الله عليه وسلم لا بد أن يكون بالغاً أو مميزاً؟ أو يدخل في ذلك حتى الأطفال الرضع، وبهذا قد يشمل تعريفه أكثر أطفال المسلمين؛ لأنه في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم كان من ولد له ولد أَتى به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليحنكه، وهذا من مواضع الخلاف لدى المعرفين لمعنى الصحبة.
(1)
الإصابة، ابن حجر، 1/ 7.
(2)
انظر: المرجع السابق، 1/ 7.
ومما سبق يتضح لنا أن هناك صفات متفقاً عليها وصفات أخرى مختلفاً فيها فيمن يطلق عليه اسم الصحبة، ومن الصفات المتفق عليها ما يأتي:
1.
الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويخرج من آمن بغيره من الأنبياء دونه صلى الله عليه وسلم كأهل الكتاب.
2.
رؤيته حقيقة أو ملاقاته، ويشمل ذلك من كان أعمى كابن أم مكتوم، ويخرج منه من رآه في المنام.
3.
عدم الردة، يخرج بهذا من ارتدَّ كعبيد الله بن جحش وربيعة بن أمية بن خلف وغيرهم.
4.
الموت على الإسلام.
أما الصفات التي اختلف عليها الفقهاء والمحدثون فهي ما يأتي:
1.
التمييز والبلوغ.
2.
الإسلام بعد الردة، وذلك بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كالأشعث بن قيس.
3.
الغزو مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
4.
الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
5.
السماع من الرسول صلى الله عليه وسلم.
6.
رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم بعد مماته كأبي ذؤيب الهذلي.
7.
مجالسة الرسول صلى الله عليه وسلم.