الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(1)
، ففي هذه الآية أمر من الله سبحانه وتعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يذكر بالقرآن ويجعل قراءته دعوة بذاتها، فقوله تعالى:{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} "أي: بلغ أنت رسالة ربك فإنما يتذكر من يخاف الله وعيده ويرجو وعده"
(2)
.
فالدعوة بالقرآن أصل من أصول الدعوة التي اعتمد عليها الصحابة رضي الله عنهم من خلال ما غرسه الرسول صلى الله عليه وسلم في أصحابه.
ومن الشواهد أيضاً في هذا المجال إسلام ثابت بن قيس رضي الله عنه، حيث ما كاد أن يستمع إلى ترتيل مصعب بن عمير رضي الله عنه حتى أسر القرآن قلبه وشرح صدره للإسلام
(3)
.
ب) الشاهد الثاني: تكسير الأصنام وإهانتها:
قال تعالى: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ}
(4)
، إن بيان خطأ المعتقد بإيقاظ العقل وحثه على التفكير أمر ورد في كتاب الله في قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه، وطبقه الصحابة رضي الله عنهم. وذلك كما في قصة إسلام عمرو بن الجموح رضي الله عنه بسبب ما فعله ابنه معاذ ومعاذ بن جبل وفتيان من الأنصار. حيث كان عمرو بن الجموح سيداً من سادات بني سلمة وشريفاً من أشرافهم وكان له صنم في داره يقال له "مناة" يتخذه إلهاً ويطهره،
(1)
سورة ق، الآية:45.
(2)
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 13/ 206.
(3)
انظر: موارد الظمآن لدروس الزمان، عبدالعزيز محمد السلمان، 6/ 191.
(4)
سورة الأنبياء، الآية:63.
وكان ابنه معاذ ومعاذ بن جبل وفتيان من بني سلمة قد أسلموا فيدلجون بالليل على صنم عمرو فيحملونه فيطرحونه منكس الرأس في بعض حفر بني سلمة فيها عذر الناس، وإذا أصبح قال: ويلكم! من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يذهب يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطهره وطيبه وأعاده مكانه، فإذا نام فعلوا به مثلها، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه وغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال: إني والله لا أعلم من يفعل بك هذا، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك، فلما أمسى ونام عدوا عليه وأخذوا السيف من عنقه وقرنوه مع كلب ميت وألقوه في بئر من أبيار بني سلمة فيها عذرة من عذر الناس، فلما أصبح عمرو غدا إلى إلهه فلم يجده مكانه فبحث عنه فوجده في تلك البئر منكساً على رأسه مقروناً بكلب ميت فلما رآه وأبصر شأنه عرف أنه على ضلال، وكلمه من كلمه من قومه فأسلم وحسن إسلامه رضي الله عنه وقال في هذا الصنم:
والله لو كُنت إلها لم تكن
…
أنت وكلب وسط بئر في قرن
أُف لمِلقاك إلهاً مستدنْ
…
الآن فَتشناك عن سوء الغُبن
(1)
إن ما قام به معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ومن معهم رضي الله عنهم في دعوة عمرو بن الجموح رضي الله عنه له أصل وأساس في كتاب الله من قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه عند تحطيم الأصنام، قال تعالى:{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ}
(2)
،
(1)
انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، 1/ 411.
(2)
سورة الأنبياء، الآيتان: 57 - 58.
وقال تعالى: {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ}
(1)
، ففي تحطيم الأصنام رجوع للعقل والتمييز، وهذا ما قام به معاذ وأصحابه من إلقاء إله عمرو بن الجموح في حفرة القذارة ليبينوا له أن إلهه لا يستطيع أن ينقذ نفسه أو ينفعها مما جعله يعلق سيفه عليه ليرى هل يدافع هذا الإله عن نفسه أم لا، كذلك ما قال إبراهيم عليه السلام لقومه:{قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ}
(2)
، "فذكروا حين قال لهم إبراهيم عليه السلام:{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} في أنفسهم ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا: إنكم معشر القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقولكم له: من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ وهذه آلهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرتكم فاسألوها"
(3)
.
ويقول الإمام الرازي: "إنه عندما لم يستطع إقناعهم بالدلالة العقلية لجأ إلى الدلالة الفعلية وهي قوله: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} وأراهم عليه السلام عدم الفائدة من عبادتها، وفي قوله تعالى:{فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ} أن إبراهيم عليه السلام لما نبههم بما أورده عليهم وعلى قبح طريقتهم تنبهوا فعلموا أن عبادة الأصنام
(1)
سورة الصافات، الآية:93.
(2)
سورة الأنبياء، الآيات: 62 - 64.
(3)
جامع البيان، الطبري، 8/ 53.
باطلة وأنهم على غرور وجهل في ذلك"
(1)
. يقول الإمام القرطبي: "إن إبراهيم بيَّن أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} ليقولوا: إنهم لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون فيقول لهم: لم تعبدونهم؟ فتقوم عليهم الحجة"
(2)
(3)
.
وفي قوله: {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} قال السيوطي: "كايدهم بذلك لعلهم يتذكرون أو يبصرون"
(4)
، "كما كايد معاذاً عمرو بن الجموح لعله يرجع ويبصر، وأراد إبراهيم عليه السلام أن يبين لقومه أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله"
(5)
، فكذلك أراد معاذ ومن معه.
وفي قصة إسلام أبي الدرداء على يد عبد الله بن رواحة رضي الله عنهما مثال آخر لما سبق، وذلك عندما كان أبو الدرداء متعلقاً بصنم له، وقد وضع عليه منديلاً، وكان عبدالله بن رواحة يدعوه إلى الإسلام فيأبى، وكان له أخاً في الجاهلية قبل الإسلام، فلما رآه قد خرج من بيته خالفه فدخل بيته، وأعجل امرأته، وأنها
(1)
التفسير الكبير، الرازي، المجلد الحادي عشر، الجزء الثاني والعشرون، ص 157 - 159 (بتصرف).
(2)
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، الجزء الثاني، المجلد السادس، ص 152.
(3)
سورة الأنبياء، الآيتان: 65 - 66.
(4)
الدر المنثور، السيوطي، 4/ 578.
(5)
فتح القدير، الشوكاني، 3/ 91.
لتمشط رأسها فقال: أين أبو الدرداء؟ فقالت: خرج أخوك آنفاً فدخل بيته الذي فيه الصنم ومعه القدوم فأنزله، وجعل يقدده فلذاً فلذاً
(1)
، وهو يرتجز سراً من أسماء الشياطين كلها ويقول:"ألا كل ما يدعى مع الله باطل"، ثم خرج وسمعت المرأة صوت القدوم وهو يضرب ذلك الصنم فقالت: أهلكتني يا ابن رواحة، فخرج على ذلك فلم يكن شيء حتى أقبل أبو الدرداء إلى منزله فوجد المرأة قاعدة تبكي شفقاً منه، فقال: ما شأنك؟ قالت: أخوك عبد الله بن رواحة دخل عليَّ فصنع ما ترى، فغضب غضباً شديداً ثم فكر في نفسه فقال: لو كان عند هذا خير لدفع عن نفسه، فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ابن رواحة فأسلم
(2)
.
وفي تكسير صنم أبي الدرداء مشابهة لما قام به إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} ، وقوله تعالى:{فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} ، إلا أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان أكثر عقلاً وبصيرة من قوم إبراهيم عليه السلام الذين عرفوا الحق وأنكروه، {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} ، يقول الشيخ أبو بكر الجزائري:"أي قلبهم الله رأساً على عقب فبعد أن عرفوا الحق ولاموا على أنفسهم عادوا إلى الجدال الباطل"
(3)
.
(1)
الفِلْذَة بالذال المعجمة: القطعة من الشيء، والجمع فِلَذ، مثل: سِدْرَة وسِدَر، وفَلَذْت له من الشيء فَلْذاً من باب ضرب: قَطَعْتُ. (انظر: المصباح المنير، الفيومي، كتاب الفاء، ص 249).
(2)
انظر: المستدرك على الصحيحين، الحاكم، كتاب معرفة الصحابة، رقم 5532، 4/ 52.
(3)
أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، 3/ 424.