الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فمن رحمته رضي الله عنه بالناس تقديمه هدايتهم على الغنيمة في الدنيا، وإظهار هذه الرحمة للمدعوين، مما كان له أثر في قبولهم الإسلام، فما سبق أصحابه إلا لكي لا يقتلوا أهل الحي، ويأخذوا أموالهم، فقوله لهم:"قولوا لا إله إلا الله وحده" لكي يعصم دماءهم وأموالهم فكان ذلك.
و) لقي أبو عامر الأشعري رضي الله عنه يوم أوطاس عشرة من الإخوة فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه للإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر ثم حمل عليه الآخرون واحداً تلو الآخر وهو يدعوهم للإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، حتى قتل تسعة منهم، وعندما حمل عليه العاشر دعاه للإسلام وقال: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل: اللهم لا تشهد عليَّ، فكف عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم فحسن إسلامه، وأسماه الرسول صلى الله عليه وسلم "شريد أبي عامر". فكانت رحمة أبي عامر معه حتى في القتال، فمن رحمته بهؤلاء من أن يموتوا على الشرك أخذ يدعوهم حتى استجاب له أحدهم فتركه رحمة به من النار فأسلم.
المحور الثالث: الأساليب الحسية:
-
مفهوم الأساليب الحسية:
"الحس أو الحاسة هي القوة التي بها ندرك الأعراض الحسية، وأحسسته فحقيقته أدركته بحاستي، وقوله تعالى:{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ}
(1)
(1)
سورة آل عمران، الآية:52.
فتنبيه أنه قد ظهر منهم الكفر ظهوراً بان للحس فضلاً عن الفهم، وكذا قوله تعالى:{فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ}
(1)
، وقوله تعالى:{هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ}
(2)
، أي: هل تجد بحاستك أحداً منهم"
(3)
.
"والإحساس: العلم بالحواس، وهي مشاعر الإنسان كالعين والأذن والأنف واللسان واليد"
(4)
.
"والإحساس: الوجود، ومعنى أحس: علم ووجد، ويقال: أحسست صاحبك؟ أي: هل رأيته؟ وهل أحسست الخبر؟ أي: هل عرفته وعلمته"
(5)
.
ومن التعريفات السابقة نجد أن الأساليب الحسية هي كل ما يستخدمه الداعي من أدوات تثير الحس الطبيعي لدى المدعو إلى ما حوله من محسوسات وأخبار ومعلومات على أرض الواقع سواء حاضرة أو غائبة، وهذه لا تكون إلا إذا كان لدى المدعو تجارب وخبرات قديمة أو أخبار منقولة له يقوم بواسطة حواسه بمقارنتها وتحكيمها فيما يطرح إليه، وهذه الأساليب قد تكون أقوى من الأساليب العقلية والعاطفية؛ لأنها تعتمد على شيء يعايشه المدعو بحواسه، وبذلك تؤثر على العقل والعاطفة حتى يؤيدان الحس.
(1)
سورة الأنبياء، الآية:12.
(2)
سورة مريم، الآية:98.
(3)
المفردات في غريب القرآن، الأصفهاني، كتاب الحاء، ص 116.
(4)
النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، حرف الحاء، باب الحاء والسين، ص 206.
(5)
لسان العرب، ابن منظور مادة: حسس، 6/ 50.
وقد خاطب القرآن الكريم الحس البشري في مواضع عدة، منها قوله تعالى:{وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ}
(1)
. وقد استخدم الأنبياء عليهم السلام الأسلوب الحسي في دعوتهم وذلك بكثير من المعجزات، كعصا موسى عليه السلام، وإحياء الموتى وإبراء الأعمى والأكمه لعيسى عليه السلام، وانشقاق القمر للنبي صلى الله عليه وسلم، كلها آيات حسية تدل على صدق دعوتهم.
ومن المعجزات للنبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه الأعرابي فدعا له "السمرة"
(2)
فأقبلت تخدُّ الأرض خدَّاً حتى كانت بين يديه
(3)
، وفي دعوته لعذق النخلة حتى نزل وسقط بين يديه
(4)
، وغير ذلك من المعجزات الحسية.
وتستخدم هذه الأساليب مع الأشخاص الذين يعتدُّون بقولهم، المعاندين بعواطفهم، فلا يستمعون إلا لما هو واقع أمامهم من أمور محسوسة متجاهلين ما غير ذلك، فاستخدام الأساليب الحسية مع هؤلاء مدعاة لتسليمهم وتصديقهم، إلا من عاند وأبى تكبراً على الحق، كما أن هذا الأسلوب له تأثير
(1)
سورة الذاريات، الآيات: 20 - 23.
(2)
السمر: ضرب من شجر الطلح الواحدة سمرة. (انظر: العين، الفراهيدي، حرف السين، باب السين والراء والميم معهما، 7/ 255).
(3)
انظر الحديث في صحيح ابن حبان، المجلد السادس، الجزء الثالث والتاسع، باب المعجزات، ذكر شهادة الشجر للمصطفى صلى الله عليه وسلم بالرسالة، رقم 6514، ص 117. حديث صحيح (الألباني، المشكاة، رقم 5925، 3/ 1666).
(4)
انظر الحديث في جامع الترمذي، أبواب المناقب، باب في حنين الجذع، رقم 3628، ص 827. حديث صحيح (الألباني، المشكاة، رقم 5926، 3/ 1666).