الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الموانع والمؤثرات التي تمنعهم من دخول الإسلام، مما جعل الصحابة رضي الله عنهم يركزون على هذه الفئة من الناس؛ لذلك لو نظرنا إلى نسبة الذين أسلموا في أول الأمر من العامة مقارنة بالملأ لوجدنا تفاوتاً كبيراً، وذلك ما جعل المشركين يتجرؤون على تعذيبهم؛ لأنه لا يوجد لهم من يحميهم من الناس؛ لهوانهم عليهم، إلا أن هؤلاء العامة أصبحوا هم قوة الإسلام، وأصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم المقربين. والصحابة هم أصحاب هذا المنهج، لذلك كانوا أعلم الناس بحال العامة، ومدى قابليتهم للإسلام، فكم من مملوك أسلم على يديهم، وكم من فقير اهتدى بدعوتهم، وكان ذلك أسهل عليهم وأسرع استجابة من فرد واحد من الملأ.
فهنا نجد أن مما نستفيده من دعوة الصحابة هو عدم إهمال دعوة المستضعفين؛ لأنهم أقرب للاستجابة وأحرى بالهداية من غيرهم؛ لأن الإسلام لا يفرق بين البشر إلا بالتقوى.
الفائدة الثامنة: أن أصحاب المعتقدات الباطلة هم أعلم الناس بخطأ معتقدهم بعد تبيينه لهم:
مما يتضح من منهج الصحابة رضي الله عنهم في الدعوة أن المدعوين من أصحاب المعتقدات الشركية الباطلة هم أكثر الناس معرفة ببطلان ما يدينون به، وقد اتضح ذلك في كثير من المواقف الدعوية، وقد استثمر الصحابة ذلك فذكَّروا المشركين بها، لكي يبينوا لهم عوار آلهتهم التي يعبدون، وهم أعلم بذلك العوار من غيرهم، فعندما خطب أبو طلحة قبل إسلامه أم سليم رضي الله عنهما وهي
مسلمة قالت له: ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد نبت من الأرض؟ قال: بلى، قالت: أفلا تستحي أن تعبد شجرة؟ ففي قولها: "ألست تعلم" بيان أنها تعلم أنه يعلم عيب إلهه، ورده عليها بقوله:"بلى" دليل على اقتناعه بأن إلهه ليس بشيء سوى خشبة من الأرض، فكان أسهل شيء يقنع به هو تحريك ما هو مقتنع به في قرارة نفسه، فما احتاج إلا إلى إثارته وبعثه وإيجاد بديل له وهو الإسلام.
وهذا الاقتناع الداخلي بمعرفة الحق وجحده هو قديم أزلي لدى البشر، فقد جحد ابن آدم فضل أخيه عليه، وهو مقتنع بتقبُّل الله قربانه، كما جحد قوم موسى آياته وهم مستيقنون بصدقها، قال الشاطبي رحمه الله: "قد يحصل العلم مع التكذيب؛ فإن الله قال عن قوم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ}
(1)
(2)
(3)
، فأثبت لهم المعرفة بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم بين أنهم لا يؤمنون"
(4)
، يقول الشيخ السعدي:"ليس جحدهم مستنداً إلى الشك والريب، وإنما جحدهم مع علمهم ويقينهم بصحتها"
(5)
.
(1)
سورة النحل، الآية:14.
(2)
سورة البقرة، الآية:146.
(3)
سورة الأنعام، الآية:20.
(4)
الموافقات، الشاطبي، 1/ 84.
(5)
تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 705.