الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بداية الأمر بيئة شرك وكفر وأوثان وأنصاب وأزلام، ونشؤوا رضي الله عنهم فيها، إلا أن ذلك لم يمنعهم من أن يكونوا حملة لواء الدعوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، بل إن الوضع جعلهم يتبنون الإصلاح ويتحملون أعباء ومشاق الدعوة، هذا فيما يخص البيئة الفاسدة. أما البيئة الصالحة فهي بيئة تنشئ دعاة وتربيهم، وهو ما كان من بيئة المدينة المنورة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، واجتماعهم حوله في مسجده، وسماع حديثه صلى الله عليه وسلم، وتناقله بينهم، وخصوصاً فيما له علاقة بفضل الدعوة، فقد أنشأ ذلك دعاة يرجون ما عند الله مقابل الفوز بهداية الناس، فمنهج الصحابة رضي الله عنهم دليل على أن البيئة المحيطة أياً كان وضعها هي سبب في صناعة ونشأة الدعاة.
الفائدة الرابعة: أنه على الداعية تزويد نفسه بما يحتاج من علم قبل أن يدعو:
إن طلب العلم أساس من أساسيات الدين الإسلامي بشكل عام، وقد فضَّل الله أهل العلم على غيرهم، قال تعالى:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}
(1)
، وقال تعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}
(2)
، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل يسلك طريقاً يطلب فيه علماً إلا سهَّل الله له به طريق الجنة"
(3)
، وإذا كان هذا فضل العلم لعامة الناس، فكيف لمن يدعو به؛ لذلك وجب على الداعية التعلم والتزود
(1)
سورة المجادلة، الآية:11.
(2)
سورة الزمر، الآية:9.
(3)
سنن أبي داود، أول كتاب العلم، باب فضل العلم، رقم 3643، ص 523. حديث صحيح (الألباني، صحيح الجامع، رقم 5715، 2/ 996).
بالعلم من مصادره الأساسية الموثوقة؛ لأن ما يدعو إليه هو منسوب لرب العالمين، فلا يحتمل الخطأ، وقد طلب الأنبياء عليهم السلام العلم من قبل؛ فهذا نبي الله موسى عليه السلام ذهب إلى العبد الصالح وطلب العلم منه، قال تعالى:{فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}
(1)
.
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم حريصين على تلقي العلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعوا به، فلازموه في سفره وإقامته، وفي سلمه وحربه، ولم يفارقوه لا في مكة ولا في المدينة، بل كانوا يتناقلون ما يفوتهم بين بعضهم، فتزودوا من علمه صلى الله عليه وسلم وارتووا من نبع فهمه، وحرصوا على ذلك ومن ثم دعوا إلى الله سبحانه، فكانوا قدوة لجميع الدعاة.
لذا كان على الداعية تزويد نفسه بالعلم الذي يحتاجه في دعوته، فعليه أن يتعلم ما يدعو إليه وأن يتعلم حال المدعو وكيفية دعوته، بالإضافة إلى أنه عليه أن يعلم أنما علمه ذلك ما كان إلا لينفع به الناس؛ لأن مهمته نقل العلم وتعليمه، "فالعلم قبل القول والعمل"، كما ذكر البخاري في صحيحه، والعلم هو سلاح الداعية، ونجاح دعوته مرهون بقدر علمه، ونسبة إصابته من خطئه مرتبط برصيده من العلم، فكم من داعية ترك المدعوين في حيرة واضطراب بسبب قلة علمه وعدم تزوده بما يحتاجه وتصدره للدعوة بغير علم فَضلّ وأضلّ.
(1)
سورة الكهف، الآيتان: 65 - 66.