الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهكذا كان للصحابة اهتمام في استعمال القصة للتذكير بالله تعالى ومخاطبة العقول بتشويقها وتحميسها للاستماع للحق وتقريبها إلى الله وحثها على اتباع الإسلام.
المحور الثاني: الأساليب العاطفية:
1 - مفهوم الأساليب العاطفية:
العاطفة لا تتعدى (البر والشفقة والرقة والميل والحنان والمحبة والغضب والحزن والرحمة)، هذه الكلمات مجتمعة داخل النفس البشرية، وهي أيضاً "استعداد نفسي ينزع بصاحبه إلى الشعور بانفعالات وجدانية خاصة، والقيام بسلوك معين حيال شخص أو جماعة أو فكرة معينة"
(1)
، "وهي مصدر الانفعالات"
(2)
، وفي علم الاجتماع تعرف العاطفة بأنها "حالة نفسية قائمة تشتمل على مركب من المشاعر والأحاسيس، وتتميز بأن مصدرها داخلي"
(3)
.
والأساليب العاطفية هي تلك الأساليب التي تستخدم لإثارة الحالة النفسية لدى الفرد لتحرك أحاسيسه ومشاعره تجاه موضوع معين، أو فكرة معينة، يترتب عليها القيام بسلوك معين.
(1)
معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، 2/ 1516.
(2)
المعجم الفلسفي، مراد وهبة، ص 406.
(3)
قاموس علم الاجتماع، محمد عاطف غيث، ص 140.
"وبهذا تكون هذه الأساليب موجهة إلى الحس الداخلي للأشخاص، فهو منشط للسلوك وموجه للأحكام التي يتخذها الشخص تجاه الأشخاص والجماعات والأفكار والأشياء"
(1)
.
ومن هذا نجد أن العاطفة لها دور كبير وفعال في تصرفات البشر، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عواطف البشر في مواضع عدة، فمنها العاطفة الأبوية لدى نبي الله نوح عليه السلام عندما نادى ابنه ليركب معهم في السفينة، قال تعالى:{وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ}
(2)
.
يقول الإمام الشوكاني: "قيل: حملته شفقة الأبوة على ذلك"
(3)
، أي على دعائه ابنه، وهو يعلم أنه كافر، ويقول ابن عاشور:"إن استخدام كلمة "يا بني" وهي تصغير لكلمة "ابن" هو تصغير شفقة ورحمة"
(4)
، والشفقة هي من العاطفة التي جعلت نوحاً عليه السلام يخاف على ابنه من الغرق كافراً.
كذلك أم موسى عليه السلام فقد وصف الله سبحانه وتعالى عاطفتها على ولدها فقال تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}
(5)
، "ففراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق"
(6)
،
(1)
معجم المصطلحات الحديثة، سمير سعيد حجازي، ص 219، (بتصرف).
(2)
سورة هود، الآية:42.
(3)
فتح القدير، الشوكاني، 2/ 363.
(4)
التحرير والتنوير، ابن عاشور، المجلد الخامس، الجزء الثاني عشر، ص 76.
(5)
سورة القصص، الآية:10.
(6)
التفسير الكبير، الرازي، المجلد الثاني عشر، الجزء الرابع والعشرون، ص 196.
وهذا من العاطفة التي كادت أن تتسبب بالقيام بفعل وهو قوله تعالى: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} ، "أي كانت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد"
(1)
.
وقد ظهرت عاطفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين وكان ظفراً لإبراهيم عليه السلام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: (يا ابن عوف إنها رحمة (، ثم أتبعها بأخرى فقال صلى الله عليه وسلم: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون (
(2)
، فعاطفة الرسول صلى الله عليه وسلم برزت هنا لتدلل على أن الإسلام دين رحمة وعاطفة، وأنها مقبولة في مناسبتها ووقتها.
إن استخدام الأسلوب العاطفي في الدعوة هو من الأساليب المهمة للداعي لتأثيره في الناحية الذهنية للمدعو مما يستثير المدعو لإصدار الأحكام والقيام بسلوك معين، فمتى وظَّف الداعي هذا الجانب التوظيف الصحيح والأمثل بما يوافق الأخلاق الإسلامية كان لهذا الأسلوب تأثير أكبر وأقوى من الأسلوب العقلي.
(1)
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 10/ 445.
(2)
صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا بك لمحزونون (، رقم 1303، ص 208.