الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فمن علمهم أن الناس صائرون إلى جنة أو نار أرادوا أن يذكروا عبدالله بن عمرو بن حرام بالنار ويخوفوه منها، ومن أن يكون لها حطباً بعد موته، فكان لهذا الأسلوب دور في إسلام عبدالله بن عمرو بن حرام رضي الله عنهم أجمعين.
ثالثاً: أسلوب المدح:
"المدح هو حسن الثناء"
(1)
، وقيل "هو وصف المحاسن بكلام جميل"
(2)
، يقول الفيومي:"مدحته مدحاً: أثنيت عليه بما فيه من الصفات الجميلة خلقية كانت أو اختيارية"
(3)
، ويقول الكفوي في "الكليات":"والمدح هو الثناء باللسان على الجميل مطلقاً سواء كان من الفواضل أو من الفضائل، وسواء كان اختيارياً أو غير اختياري"
(4)
.
ويقول الراغب الأصفهاني: "الحمد أخص من المدح وأعم من الشكر، فإن المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره، ومما يقال منه وفيه بالتسخير، فقد يمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه، كما يمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه، والحمد يكون في الثاني دون الأول، والشكر لا يقال إلا في مقابل نعمة، فكل شكر حمد، وليس كل حمد شكراً، وكل حمد مدح، وليس كل مدح حمداً"
(5)
.
(1)
العين، الفراهيدي، حرف الحاء، باب الثلاثي الصحيح، باب الحاء والدال والميم معهما، 3/ 188.
(2)
معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، كتاب الميم، باب الميم والدال وما يثلثهما، 5/ 308.
(3)
المصباح المنير، الفيومي، كتاب الميم، ص 292.
(4)
الكليات، الكفوي، فصل الميم، 4/ 277.
(5)
المفردات في غريب القرآن، الأصفهاني، كتاب الحاء، ص 131.
والمدح نوعان: مدح مباح، ومدح مذموم، فالمدح المباح هو ما توافرت فيه الأمور الآتية:
1 -
الصدق بما مدحه به.
2 -
عدم المبالغة ومجاوزة الحد.
3 -
الأمن من فتنة الممدوح.
أما المدح المذموم فهو ما انعدمت فيه ضوابط المدح المباح، فانعدم فيه الصدق أو صاحبَه النفاق أو اتخذه مهنة للتكسب، وزاد الممدوح بطراً وتكبراً وظلماً ورياءً
(1)
، وهو ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر عنده رجل فقال رجل: يا رسول الله، ما من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه في كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويحك، قطعت عنق صاحبك"، مراراً يقول ذلك
(2)
.
أما المدح المباح فقد مَدَح الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في كثير من المواقف، فذَكَرَ فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وموقف الشيطان من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال عن عثمان "ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم" وغيرها.
لقد جبل الله سبحانه وتعالى الأنفس على حب المدح، يذكر الإمام الغزالي أن حب القلوب للمدح يقع لأربعة أسباب
(3)
:
(1)
انظر: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للأعراب، حمود بن جابر الحارثي، ص 241 - 243، 245.
(2)
صحيح مسلم، كتاب الزهد، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح، رقم 7502، ص 1296.
(3)
انظر: إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، ص 1242 - 1243.
السبب الأول: شعور النفس بالكمال، وهو الأقوى، فإن الكمال محبوب وإدراكه لذيذ، وتندفع هذه اللذة إذا علم الممدوح أن المادح كاذب.
السبب الثاني: أن المدح يدل على أن قلب المادح مملوك للممدوح، وملك القلوب محبوب، والشعور بحصوله لذيذ، وتذهب هذه اللذة إذا كان يعلم أن المادح لا يعتقد ما يقول.
السبب الثالث: أن ثناء المُثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه، وهذا مختص بثناء يقع على الملأ، فإن كان على انفراد تسقط هذه اللذة.
السبب الرابع: أن المدح يدل على حشمة الممدوح، واضطرار المادح إلى إطلاق اللسان بالمدح سواء عن طوع أو عن قهر، فإن الحشمة لذيذة لما فيها من القهر والقدرة، وتبطل هذه اللذة إن كان ذلك عن طريق اللعب وليس عن طريق الخوف.
ولأن النفوس تحب المدح؛ فإن استخدامه كأسلوب من أساليب الدعوة من خلال المدح المباح لمخاطبة مشاعر وعواطف المدعوين، له تأثيرٌ في كسر الحدة والجفوة، وفيه فتح باب للحوار والنقاش وعرض الإسلام؛ لأن النفوس تكون قد اطمأنت وذهب عنها روعها، وأمنت للداعي إذا سمعت الثناء والمدح، يقول الإمام النووي:"إن كان يحصل بذلك -المدح- مصلحة كنشطة للخير والازدياد منه أو الدوام عليه والاقتداء به، كان مستحباً والله أعلم"
(1)
.
(1)
شرح صحيح مسلم، النووي، المجلد الثاني، الجزء الثامن عشر، رقم 3000، ص 417.
"فالعدل في المدح يُعد أسلوباً مؤثراً من أساليب الدعوة، فعندما يذكر المرء أو القوم بصفاتهم الحسنة وخلالهم الجميلة حتى وإن كانوا كفاراً فإنه مما يدعوهم لحب المادح، وقبول المبادئ التي يدعو إليها"
(1)
.
وقد مدح الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الكفار فيما هو من صفاتهم الحميدة، فقد مدح بني شيبان عندما عرض نفسه عليهم وسمع ردهم فقام من عندهم وقال لأبي بكر رضي الله عنه:"أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها، يدفع الله بها بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم"
(2)
.
وقد اتخذ بعض الصحابة رضي الله عنهم هذا الأسلوب في دعوة المشركين إلى الإسلام، ومن هذه النماذج ما يأتي:
أ) عندما ذكر عثمان بن عفان رضي الله عنه قبل أن يسلم قصة خالته وما قالته له عن الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق، فكان رد أبي بكر رضي الله عنه فيه نوع من المدح لعقل عثمان بن عفان رضي الله عنه وحزمه، فقد قال له: (ويحك يا عثمان! إنك رجل حازم ما يخفى عليك الحق من الباطل (.
فوصف أبي بكر لعثمان رضي الله عنهما أنه حازم فيه مدح له في عقله وفي تصرفاته، وقد أسلم عثمان رضي الله عنه في ساعته، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
(1)
دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للأعراب، حمود بن جابر الحارثي، ص 250.
(2)
دلائل النبوة، البيهقي، باب عرض النبي نفسه على قبائل العرب وما لحقه من الأذى في تبليغه رسالة ربه، حديث إبان عن عبدالله البجلي في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على قبائل العرب، رقم 728، 2/ 313.
ب) عندما قابل علي بن أبي طالب رضي الله عنه المشرك عمرو بن عبد ود في غزوة الخندق وقبل أن يعرض عليه الإسلام امتدحه بأنه رجل له كلمة لا يتراجع عنها، وذلك في قول علي رضي الله عنه: (لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلا قبلتها (، وفي هذه إشارة إلى أن عمرو بن عبد ود رجل صاحب كلمة ومبدأ، فتذكير علي رضي الله عنه له بها فيه تقدير لمقالته واحترام له لأنه رجل ممن تحسب كلماتهم، إلا أن ذلك لم يكن له فائدة مع من كُتب عليه الشقاء مثل عمرو بن عبد ود حيث قتله علي كافراً.
جـ) في كتاب الوليد بن الوليد رضي الله عنه الذي أرسله إلى أخيه خالد بن الوليد رضي الله عنه والذي ذكرناه سابقاً، بالإضافة إلى أسلوب الترغيب فيه مدح له ولعقله، فقد قال له في كتابه:"بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحد؟! ".
وفي قوله: "وعقلك عقلك" أي وأنت صاحب العقل الراجح الذي يميز، وهذا مدح له ولما لديه من التمييز والعقل الراجح وكأنه يقول له:"يا صاحب العقل الراجح"، ففيها استمالة لنفس أخيه بمدحه لكي يعلم قدره عند الداعي وأنه له قيمة ومكانة.
د) بعد عودة عمير بن وهب رضي الله عنه إلى مكة من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى صفوان بن أمية في الحجر عند الكعبة وكان قد أرسله صفوان لقتل الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له عمير: "أنت سيد من ساداتنا، أرأيت الذي كنا