الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن يسر الإسلام وسماحته في إنفاذ العقوبة على الزاني أنه طلب شهادة أربعة أشخاص على الفاحشة، وهذا من باب التحدي الزائد، وتجنبًا لتطبيق العقوبة، وحتى لا يقع الناس في أعراض غيرهم، وليس هذا فحسب وإنما حدد عقوبة للذي يقذف الآخرين ويتهمهم بالزنا من غير أن يحضروا أربعة أشخاص فحينها ينال عقوبة القذف يقول الله تعالى:{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)} (النور: 4).
ومن أجل إقرار هذا المبدأ لدى الأمة كان الرسولُ صلى الله عليه وسلم يحاول تجنب تطبيق حد الزاني، أو يوجد للمعترف بالزنا أعذارًا لعله يتراجع عن اعترافه كما ثبت في حديث ماعز بن مالك.
وقد عمل الإسلام على تخفيف وقوع الزنا ومحاولة الستر على مرتكبها وأن تتم التوبة بينه وبين الله تعالى فالأمر يرجع إلى الله تعالى يوم القيامة إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه.
القواعد الشرعية المستنبطة من النصوص الواردة في اليسر:
استنبط علماء الأصول من النصوص الواردة في سماحة الإسلام ويسره بعض القواعد وجعلوها معالم لعلم الأصول، ونذكر منها قاعدتين أساسيتين.
الأولى: المشقة تجلب التيسير. وهذه قاعدة عظيمة تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدرها وبيان منزلتها في الفقه الإسلامي وأجمعت عليها كتب القواعد الفقهية وهي من الدعائم والأسس التي يقوم عليها صرح الفقه الإسلامي وأصوله (1).
معنى القاعدة: لغة: أن الصعوبة والعناء تصبح سببًا للتسهيل.
اصطلاحًا: أن الأحكام التي ينشأ عن تطبيقها حرج على المكلف ومشقة في نفسه أو ماله فالشريعة تخففها بما يقع تحت قدرة المكلف دون عسر أو إحراج (2).
الأدلة الشرعية على هذه القاعدة.
(1) القواعد الفقهية الكبرى، تأليف/ صالح بن غانم السدلان (216).
(2)
المصدر السابق (219 - 220).
دل على هذه القاعدة أدلة كثيرة من القرآن والسنة نشير إلى شيء منها على سبيل المثال لا الحصر.
فمن القرآن الكريم قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185). وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (البقرة: 286). وقد تضمن ذلك أن جميع ما كلفهم به أمرا ونهيا فهم مطيقون له قادرون عليه وأنه لم يكلفهم ما لا يطيقون وفي ذلك رد صريح على من زعم خلاف ذلك. والله تعالى أمرهم بعبادته وضمن أرزاقهم فكلفهم من الأعمال ما يسعونه وأعطاهم من الرزق ما يسعهم فتكليفهم يسعونه وأرزاقهم تسعهم فهم في الوسع في رزقه وأمره: وسعوا أمره ووسعهم رزقه ففرق بين ما يسع العبد وما يسعه العبد. وتأمل قوله عز وجل: {إِلَّا وُسْعَهَا} وكيف تجد تحته أنهم في سعة ومنحة من تكاليفه؛ لا في ضيق وحرج ومشقة؛ فإن الوسع يقتضي ذلك فاقتضت الآية أن ما كلفهم به مقدور لهم من غير عسر لهم ولا ضيق ولا حرج (1).
وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (النساء: 28)، وغيرها من الآيات الكثير.
ومن أدلة هذه القاعدة في السنة النبوية:
1) قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلجةِ"(2).
أي: دين الإسلام ذو يسر، أو سمى الدين يسرا مبالغة بالنسبة إلى الأديان قبله؛ لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم. ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم
(1) فتاوى ابن تيمية (14/ 137، 138).
(2)
البخاري (39).
كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم (1).
2) قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا"(2).
وغيرها كثير من الأحاديث النبوية الشريفة.
الثانية: الضرورات تبيح المحظورات. إن من مسلمات المبادئ لدى جمهور المسلمين أن الشريعة الإسلامية قد التزمت في أحكامها مبدأ رعاية مصالح الناس دنيويًا وأخرويًا، فأحكامها مبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد، والمتأمل في نصوصها يجد ذلك واضحًا في جميع ما قررته من أحكام، وفي كل ميدان تناولته من ميادين الحياة، ومن هنا حصل تقسيم الأقوال والأفعال والعقود والتصرفات إلى مأمور بها لما فيها من المصالح، ومنهي عنها لما فيها من مفاسد على المتصف بها أو غيره
…
غير أن الإسلام يحسب حساب الضرورات فيبيح فيها المحظورات، ويحل فيها المحرمات بقدر ما تنتفي هذه الضرورات بغير تجاوز لها ولا تعد لحدودها وهذا ما يعرف عند جمهور العلماء بقاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"(3).
والتعريف الاصطلاحي لهذه القاعدة هو: أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال، ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعًا للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع.
2) الأدلة الشرعية على هذه القاعدة:
من القرآن الكريم: أ) قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (البقرة: 173).
ب) قال تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ
(1) فتح الباري (1/ 116).
(2)
البخاري (69)، مسلم (1734)، عن أنس رضي الله عنه.
(3)
انظر: القواعد الفقيهة الكبرى وما تفرع منها (247 - 250).
دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (الأنعام: 145). ففي هذه الآيات أباح الله تعالى الأكل من المحرمات في حال الاضطرار وكذلك أبيح الفعل المحرم حال الضرورة مثل التلفظ بكلمة الكفر عند إلاكراه عليه بالقتل أو بقطع عضو من الأعضاء مع اطمئنان القلب بالإيمان بدليل قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} (النحل: 106)(1).
وأيضًا ذكر الله تعالى الضرورة في هذه الآيات، وأطلق الإباحة في بعضها بوجود الضرورة من غير شرط ولا صفة، وهو قوله:{وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} فاقتضى ذلك وجود الإباحة وبوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها (2).
من السنة النبوية: أ) فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رضي الله عنه قَال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّا بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا بِهَا مَخْمَصَةٌ فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ الميْتَةِ قَال:"إِذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنُكُمْ بِهَا"(3).
ومعنى الحديث: إذا لم تجدوا ألبنة - تشربونها أول النهار - أو شرابًا تغتبقونه - أي تشربونه آخر النهار - ولم تجدوا بعد ذلك بقلة تأكلونها حلَّت لكم الميتة (4).
ب) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتٍ كَانُوا بِالْحَرَّةِ مُحْتَاجِينَ قَال فَمَاتَتْ عِنْدَهُمْ نَاقَةٌ لَهُمْ أَوْ بعير لهم فَرَخَّصَ لَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي أَكْلِهَا قَال: "فَعَصَمَتْهُمْ بَقِيَّةَ شِتَائِهِمْ أَوْ سَنَتِهِمْ"(5).
ومن الأحاديث التي تثبت هذه القاعدة أيضًا الأحاديث المروية في الدفاع عن النفس أو
(1) القواعد الفقيهة الكبرى (257).
(2)
أحكام القرآن للجصاص (1/ 126).
(3)
أحمد (5/ 218)، والدارمي (2/ 120/ 1996)، وقال ابن كثير: وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين (تفسير ابن كثير سورة المائدة آية 3).
(4)
الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد (17/ 83)، نقلًا عن أبي عبيد.
(5)
أحمد (5/ 88). وفي إسناده شريك بن عبد الله القاضي وهو سيء الحفظ وكذا فيه سماك بن حرب وقد تغير بأخرة فكان ربما يلقن كما قال الحافظ في التقريب فالحديث (إسناده ضعيف).