الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله صلى الله عليه وسلم الدَّجَّال ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ
…
فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ الله المسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ فَيَنْزِلُ عِنْدَ المنارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ فَلَا يحلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمْ الله مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيحدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتهمْ فِي الجنَّةِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى الله إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ وَيَبْعَثُ الله يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيرة طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذه مَرَّةً مَاء وَيُحْصَرُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَأَصحَابه حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَأَصحَابه فَيُرْسلُ الله عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَأَصحَاُبهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ الله عِيسَى وَأَصحَابه إِلَى الله فَيُرْسِلُ الله طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فتحْمِلُهُمْ فتطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ الله ثُمَّ يُرْسِلُ الله مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ ثُمَّ يُقَال لِلْأَرْضِ أنبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنْ الرُّمَّانَةِ وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقْحَةَ مِنْ الْإِبِلِ لَتكفِي الْفِئَامَ مِنْ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْبقَرِ لَتكفِي الْقَبِيلَةَ مِنْ النَّاسِ وَاللِّقْحَةَ مِنْ الْغَنَمِ لَتكفِي الْفَخِذَ مِنْ النَّاسِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ الله رِيحًا طَيبةً فتأْخُذُهُمْ تَحْتَ آباطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تهَارُجَ الحمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ". (1)
الدليل السادس: وهو متعلق بنزول عيسى في آخر الزمان، وما هي مهمته بعد قتل الدجَّال
؟
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل
(1) مسلم (2937).
فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال؛ حتى لا يقبله أحد". (1)
زاد عند مسلم: وفي رواية ابن عيينة: "إمامًا مقسطًا، وحكمًا عدلًا".
ووجه الدلالة من الحديث: قوله: ليوشكن بكسر المعجمة: أي ليقربن، أي لا بد من ذلك سريعًا.
وقوله: أن ينزل فيكم، أي في هذه الأمة؛ فإنّه خطاب لبعض الأمة ممن لا يدرك نزوله.
وقوله: حكمًا أي حاكمًا، والمعنى أنه ينزل حاكمًا بهذه الشريعة؛ فإن هذه الشريعة باقية لا تنسخ، بل يكون عيسى حاكمًا من حكام هذه الأمة، وفي رواية الليث عن بن شهاب عند مسلم: حكَمًا مقسطًا، وله من طريق بن عيينة عن بن شهاب إمامًا مقسطًا والمقسط العادل بخلاف القاسط فهو الجائر، وقوله فيكسر الصليب ويقتل الخنزير أي: يبطل دين النصرانية بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه، ووقع في رواية عطاء بن ميناء عن أبي هريرة عند مسلم ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وقوله ويضع الحرب في رواية الكشميهني الجزية والمعنى أن الدين يصير واحدًا فلا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية وقيل معناه أن المال يكثر حتى لا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له فتترك الجزية استغناء عنها وقال عياض يحتمل أن يكون المراد بوضع الجزية تقريرها على الكفار من غير محاباة ويكون كثرة المال بسبب ذلك وتعقبه النووي وقال الصواب أن عيسى لا يقبل إلا الإسلام قلت: ويؤيده أن عند أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة وتكون الدعوى واحدة، قال النووي: ومعنى وضع عيسى الجزية مع أنها مشروعة في هذه الشريعة أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى لما دل عليه هذا الخبر وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية بل نبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين للنسخ بقوله هذا، وقوله: ويفيض المال بفتح أوله وكسر الفاء وبالضاد المعجمة أي يكثر، وفي رواية عطاء بن ميناء المذكورة وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد، وسبب كثرته نزول البركات،
(1) البخاري (1109 و 2344 و 2264)، ومسلم (155).
وتوالي الخيرات بسبب العدل، وعدم الظلم، وحينئذ تخرج الأرض كنوزها، وتقل الرغبات في اقتناء المال لعلمهم بقرب الساعة قوله: حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها أي: أنهم حينئذ لا يتقربون إلى الله إلا بالعبادة لا بالتصدق بالمال وقيل: معناه أن الناس يرغبون عن الدنيا حتى تكون السجدة الواحدة أحب إليهم من الدنيا، وما فيها، وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري بهذا الإسناد في هذا الحديث حتى تكون السجدة واحدة لله رب العالمين، وقوله: ثم يقول أبو هريرة واقرؤوا إن شئتم {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} هو موصول بالإسناد المذكور قال ابن الجوزي: إنما تلا أبو هريرة هذه الآية للإشارة إلى مناسبتها لقوله: حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها، فإنّه يشير بذلك إلى صلاح الناس، وشدة إيمانهم، وإقبالهم على الخير فهم لذلك يؤثرون الرَّكعة الواحدة على جميع الدنيا، والسجدة تطلق ويراد بها الرَّكعة، قال القرطبي: معنى الحديث أن الصلاة حينئذ تكون أفضل من الصدقة لكثرة المال إذ ذاك وعدم الانتفاع به حتى لا يقبله أحد، وقوله في الآية {وَإِنْ} بمعنى ما أي: لا يبقى أحد من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى إذا نزل عيسى إلا آمن به، وهذا مصير من أبي هريرة إلى أن الضمير في قوله:{إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} وكذلك في قوله قبل موته يعود على عيسى أي إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى وبهذا جزم ابن عباس فيما رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد صحيح ومن طريق أبي رجاء عن الحسن قال قبل موت عيسى والله إنَّه الآن لحي ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون ونقله عن أكثر أهل العلم ورجحه ابن جرير وغيره ونقل أهل التفسير في ذلك أقوالًا أخر وأن الضمير في قوله به يعود لله أو لمحمد وفي موته يعود على الكتابي على القولين وقيل على عيسى وروى ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس لا يموت يهودي ولا نصراني حتى يؤمن بعيسى فقال له عكرمة أرأيت أن خر من بيت أو احترق أو أكله السبع قال لا يموت حتى يحرك شفتيه بالإيمان بعيسى وفي إسناده خصيف وفيه ضعف ورجح جماعة هذا المذهب بقراءة أبي بن كعب إلا ليؤمنن به قبل موتهم أي أهل الكتاب قال النووي معنى
الآية على هذا ليس من أهل الكتاب أحد يحضره الموت إلا آمن عند المعاينة قبل خروج روحه بعيسى، وأنَّه عبد الله وابن أمته ولكن لا ينفعه هذا الإيمان في تلك الحالة كما قال تعالى:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} قال وهذا المذهب أظهر لأن الأول يخص الكتابي الذي يدرك نزول عيسى وظاهر القرآن عمومه في كل كتابي في زمن نزول عيسى وقبله.
قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه فبين الله تعالى كذبهم وأنَّه الذي يقتلهم أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها وقيل: إنَّه دعا الله لما رأى صفة محمد وأمته أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجددًا لأمر الإسلام فيوافق خروج الدجال فيقتله والأول أوجه وروى مسلم من حديث ابن عمر في مدة إقامة عيسى بالأرض بعد نزوله أنها سبع سنين وروى نعيم بن حماد في كتاب الفتن من حديث ابن عباس أن عيسى إذ ذاك يتزوج في الأرض ويقيم بها تسع عشرة سنة، وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة مثله مرفوعًا وفي هذا الحديث ينزل عيسى عليه ثوبان ممصران فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويدعو الناس إلى الإسلام ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام وتقع الامنة في الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل وتلعب الصبيان بالحيات وقال في آخره ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون وروى أحمد ومسلم من طريق حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة ليهلن ابن مريم بفج الروحاء بالحج والعمرة الحديث وفي رواية لأحمد من هذا الوجه ينزل عيسى فيقتل الخنزير ويمحي الصليب وتجمع له الصلاة ويعطي المال حتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما. (1) وعن أبي هريرة
(1) فتح الباري (6/ 493).
- رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم". (1)
وقد أخرجه مسلم، من طريق ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب بلفظ: وأمكم منكم قال الوليد بن مسلم فقلت لابن أبي ذئب إن الأوزاعي حدثنا عن الزهري فقال وإمامكم منكم قال بن أبي ذئب أتدري ما أمكم منكم قلت تخبرني قال فأمكم بكتاب ربكم. (2)
وعن جابر رضي الله عنه في قصة الدجَّال. قال: "فينطلقون؛ فإذا هم بعيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم؛ فتقام الصلاة، فيقال له: تقدم يا روح الله! فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم؛ فإذا صلى صلاة الصبح؛ خرجوا إليه. قال: فحين يرى الكذاب؛ ينماث كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه فيقتله؛ حتى إن الشجرة والحجر ينادي: يا روح الله! هذا يهودي، فلا يترك ممن كان يتبعه أحدًا إلا قتله". (3)
وقال أبو الحسن الأبدي في مناقب الشافعي تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه ذكر ذلك ردًا للحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن أنس وفيه ولا مهدي إلا عيسى، وقال أبو ذر الهروي حدثنا الجوزقي عن بعض المتقدمين قال معنى قوله وإمامكم منكم يعني أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل.
وقال ابن التين معنى قوله: "وإمامكم منكم" أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم، وهذا والذي قبله لا يبين كون عيسى إذا نزل يكون إمامًا، أو مأمومًا وعلى تقدير أن يكون عيسى إمامًا فمعناه أنه يصير معكم بالجماعة من هذه الأمة قال الطيبي المعنى يؤمكم عيسى حال كونه في دينكم ويعكر عليه قوله في حديث آخر عند مسلم فيقال له صلِّ لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة. وقال ابن الجوزي: لو تقدم عيسى إمامًا لوقع في النفس إشكال ولقيل أتراه تقدم
(1) أخرجه البخاري (3265)
(2)
أخرجه مسلم (155)
(3)
أخرجه أحمد في المسند (3/ 367) ثنا محمد بن سابق، ثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله به. وهذا إسناد على شرط مسلم.
نائبًا، أو مبتدئا شرعا فصلى مأمومًا لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه قوله: لا نبي بعدي وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأمة مع كونه في آخر الزمان، وقرب قيام الساعة دلالة للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة والله أعلم. (1)
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه رجلًا مربوعًا إلى الحمرة، والبياض عليه ثوبان ممصران كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل فيدق الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون"(2).
فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء أولاد علات"، وفي لفظ إخوة من علات أمهاتهم شتى، ودينهم واحد: قال الجوهري: بنو العلات هم أولاد الرجل من نسوة شتى سميت بذلك لأن الذي تزوجها على أولى كانت قبلها ثم على من الثانية العلل الشرب الثاني يقال له: علل بعد نهل، وعله يعله إذا سقاه السقية الثانية، وقال غيره سموا بذلك لأنهم أولاد ضرائر، والعلات الضرائر وهذا الثاني أظهر وأما وجه التسمية فقال جماعة منهم القاضي عياض وغيره معناه أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم وبعضهم بعيد الوقت من بعض فهم أولاد علات إذ لم يجمعهم زمان واحد كما لم يجمع أولاد العلات بطن واحد وعيسى لما كان قريب الزمان من النبي، ولم يكن بينهما نبي كانا كأنهما في زمان واحد، فقال صلى الله عليه وسلم "أنا أولى الناس بعيسى بن مريم عليه السلام قالوا كيف يا رسول الله فقال الأنبياء إخوة من علات" الحديث.
وفيه وجه آخر أحسن من هذا وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه دين الأنبياء الذين اتفقوا عليه من
(1) فتح الباري (6/ 494).
(2)
أخرجه أبو داود (4324)، وابن ماجه (4078)، وأحمد في مسنده (9270) واللفظ له.
التوحيد وهو عبادة الله وحده لا شريك له والإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله ولقائه بالأب الواحد لاشتراك جميعهم فيه وهو الدين الذي شرعه الله لأنبيائه كلهم فقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} ، وقال البخاري في صحيحه باب ما جاء أن دين الأنبياء واحد وذكر هذا الحديث وهذا هو دين الإسلام الذي أخبر الله أنه دين أنبيائه، ورسله من أولهم نوح إلى خاتمهم محمد فهو بمنزلة الأب الواحد وأما شرائع الأعمال، والمأمورات فقد تختلف فهي بمنزلة الأمهات الشتى التي كان لقاح تلك الأمهات من أب واحد كما أن مادة تلك الشرائع المختلفة من دين واحد متفق عليه فهذا أولى المعنيين بالحديث، وليس في تباعد أزمنتهم ما يوجب أن يشبه زمانهم بأمهاتهم، ويجعلون مختلفي الأمهات لذلك، وكون الأم بمنزلة الشريعة، والأب بمنزله الدين، وأصالة هذا وتذكيره، وفرعية الأم، وتأنيثها، واتحاد الأب، وتعدد الأم ما يدل على أنه معنى الحديث والله أعلم. (1)
وقال ابن تيمية: ولمما كان أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحدًا، وإن تنوعت شرائعه قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة لعلات، وإن أولى الناس بابن مريم لأنا فليس بيني، وبينه نبي فدينهم واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت، وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت. (2)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس بيني وبينه نبي يعني عيسى وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة، والبياض بين ممصرتين كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل فيقاتل الناس على الإسلام فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال فيمكث في الأرض
(1) بدائع الفوائد (3/ 719).
(2)
اقتضاء الصراط المستقيم (455).