الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النظر واجبًا لكان أول ما يجب على الرسل دعوة قومهم إليه، وهذا مما علم فساده من دين الإسلام، فالفطرة تعرف الخالق بدون الآياتِ والأدلة العقلية، لأن معرفة الدليل تستلزم تصور المدلول عليه قبل ذلك.
كما أن معرفة الاسم تقتضي تصور المسمى من قبل حتى تمكن المطابقة وتتم المعرفة، والقلوب مفطورة على الإقرار به سبحانه أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات؛ كما قالت الرسل:{أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (إبراهيم: 10)(1)، ولذلك قال كثير من العلماء والعقلاء: إن العلم بالخالق ضروي لا يحتاج إلى نظر، وإنما إلى تذكر يوقظ من سنة الغفلة كالموت الذي يغفل عنه كثير من الناس وهو ضروري، وقد قال تعالى في مخاطبة العقلاء به:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)} (الزمر: 30)؛ فالألسنة تنطلق بذكره تعالى عند الكوارث، والنفوس تلجأ إليه عند دفع المضار، ولو قيَّد لسان المضطر لنطق جنانه وأفصحت إشاراته وأركانه، ووجد حرارة تدفعه إلى بارئه وتضطره إلى مُنْشِئه وهذا الشعور لا صنع فيه للبشر ولا كسب لهم فيه لا بتقليد ولا نظر بل هو لازم من لوازم الإنسانية وصفة من صفاتها الذاتية:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} (الروم: 30)(2). فما أصبحت مسألة توحيد الربوبية من النظريات التي يقام عليه برهان فإن الفطرة السليمة الإنسانية تشهد بضرورة فطرتها وبديهة فكرتها على صانع حكيم عالم قدير، ولهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشرك.
دلالة العقل على وجود الله تعالى:
يجب أن يعلم: أنَّ العَالمَ مُحدَث، وهو عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى، والدليل على حدوثه: تغيره من حال إلى حال، ومن صفة إلى صفة، وما كان هذا سبيله ووصفه كان مُحَدَثًا، وقد بيَّن نبيُنا صلى الله عليه وسلم هذا بأحسن بيان يتضمن
(1) فتاوى ابن تيمية 16/ 330، درء تعارض العقل والنقل 1/ 37 - 41، مناهج الأدلة لابن رشد ص 43.
(2)
دلائل التوحيد للقاسمي ص 12 - 14.
أن جميع الموجودات سوى الله محدثة مخلوقة، لما قالوا له: يا رسول الله: أخبرنا عن بدء هذا الأمر؟ فقال: نعم. كان الله تعالى ولم يكن شيء، ثم خلق الله الأشياء.
فأثبت أن كل موجود سواه محدث مخلوق. وكذلك الخليل عليه السلام، إنما استدل على حدوث الموجودات بتغيرها وانتقالها من حالة إلى حالة؛ لأنه لما رأى الكوكب قال: هذا ربي، إلى آخر الآياتِ فعلم أن هذه لما تغيرت وانقلت من حال إلى حال دلت على أنَّها محدثة مفطورة مخلوقة، وأن لها خالقًا، فقال عند ذلك {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (الأنعام: 79).
وإذا صح حدوث العالم؛ فلا بد له من محدث أحدثه، ومصور صوره، والدليل على ذلك: أنَّ الكتابة لا بد لها من كاتب كتبها، والصورة لا بد لها من مصور صورها، والبناء لا بد له من بأن بناه. فإنا لا نشك في جهل من أخبرنا بكتابة حصلت بنفسها لا من كاتب، وصناعة لا من صانع، وحياكة لا من ناسج. وإذا صح هذا وجب أن تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع صنعها، ومحدث أحدثها، إذ كانت ألطف وأعجب صنعًا من سائر ما يتعذر وجوده إلا من صانع.
دليل ثان: ويدل على ذلك أيضًا: علمنا بتقدم الحوادث بعضها على بعض، وتأخر بعضها عن بعض، مع علمنا بتجانسها وتشاكلها، فلا يجوز أن يكون المتقدم منها متقدمًا لنفسه؛ لأنه لو تقدم لنفسه لوجب تقديم كل ما هو من جنسه معه، وكذلك المتأخر منها، لو تأخر لنفسه وجنسه لم يكن المتقدم منها بالتقدم أولى منه بالتأخر، وفي علمنا بأن المتقدم من المتماثلات بالتقدم أولى منه بالتأخر، دليل على أن له مقدمًا قدمه، وعاجلًا عجله في الوجود، مقصورًا على مشيئته.
ويدل على صحة ما ذكرناه: أنَّ الموجودات لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها، أنا وجدنا منها الموات والأعراض، أعني الجمادات التي لا حياة فيها، لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها ولا لغيرها، لأن من شرط الفاعل أن يكون حيًا قادرًا، فبطل كونها محدثة لنفسها بل لها مُحدِثٌ أحدثها.
ويدل على صحة ذلك أيضًا: أنَّا وجدنا أنفس الموجودات في العالم، الحي القادر العاقل
المحصل، وهو الآدمي، أكمل ما تكون. تعلم وتحقق أنه كان في ابتداء أمره نطفة ميتة، لا حياة فيها ولا قدرة، ثم نقل إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم من حال إلى حال، ثم بعد خروجه حيًّا من الأحشاء إلى الدنيا. تعلم وتحقق أنه كان في تلك الحالة جاهلًا بنفسه وتكييفه، وتركيبه، ثم بعد كمال عقله وتصوره وحذقه وفهمه لا يقدر في حال كماله أن يحدث في بدنه شعرة ولا شيئًا، ولا عرقًا فكيف يكون محدثًا لنفسه ومنقلًا لها في حال نقصه من صورة إلى صورة ومن حالة إلى حالة وإذا بطل ذلك منه في حال كماله كان أولى أن يبطل ذلك منه في حال نقصه، ولم يبق إلا أن له محدثًا أحدثه، ومصورًا صوره ومنقلًا نقله؛ وهو الله سبحانه وتعالى (1).
وتقوم هذه الأدلة على أسس عقلية لا يخالفنا فيها أحد.
1) فالعدم لا يفعل شيئًا: فمن المستحيل أن يوجد فعل بدون فاعل، ومن المستحيل أن يفعل العدم شيئًا لأنه لا وجود للعدم.
2) والفعل مرآة لبعض قدرة فاعله وبعض صفاته:
فإن بين الفعل والفاعل علاقة قوية فالفاعل هو المقدمة والفعل هو النتيجة ولا يكون شيء في الفعل ليس للفاعل قدرة على فعله.
3) وفاقد الشيء لا يعطيه: فنحن إذا شاهدنا مقتولًا في الشارع فإن أحدًا منا لا يدعوا إلى إلقاء القبض على حجرة بجوار القتيل بتهمة القتل لأنَّها لا تملك القدرة على الفعل كما أن الواحد منا لا يزعم بأن حيوانا لا يعقل قد أطلق قمرًا صناعيًا يدور حول الأرض لأن الحيوان لا يملك القدرة على إطلاق ذلك القمر وهكذا يحكم العقل حكمًا جازمًا بأن ليس الفاعل من لا يملك القدرة على الفعل وفاقد الشيء لا يعطيه (2).
4) مبدأ السببية؛ فالواقع والعقول السليمة تشهد أن الإنسان منذ فتح عينيه لم يشاهد أن حادثًا حدث من غير سبب أو أن شيئًا وجد من غير موجد حتى أصبح هذا المعنى
(1) انظر في ذلك الفصل في الملل والنحل (1/ 66)، ودرء تعارض العقل والنقل (3/ 113)، وأضواء البيان (4/ 368).
(2)
توحيد الخالق (29 - 30)، والرياض النضرة (ص 258)، ودرء تعارض العقل مع النقل (3/ 121).