الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ونسأل أصحاب التثليث: أليس هذا النص أوضح دليل على نفي إلهية المسيح، ونفي التثليث؟
فأولًا: لو كان المسيح إلها متجسدًا؛ لما احتاج لروح القدس ليهبط عليه بالرسالة!
وثانيًا: لو كان التثليث حقًّا؛ لكان المسيح متحدًا دائمًا وأزلًا مع روح القدس، فما احتاج أن يهبط عليه كحمامة! ولما قال الله تعالى عند اعتماده وابتداء بعثته: هذا ابني الحبيب؛ لأنه من المفروض أنه كان جزء اللاهوت بزعمهم من البداية؛ ولأن الله لا يمكن أن تنفصل عنه إحدى صفاته.
القسم السابع: المسيح يُعرِّف نفسه بأنه نبيٌّ ورسولٌ لله، ويؤكد أنه عبدٌ مأمورٌ لا يفعل إلا ما يأمره به الله تعالى، ولا يتكلم إلا بما يسمعه من الله تعالى:
البديهي أن المسيح عليه السلام لو كان هو الله تعالى نفسه الذي تجسَّد وصار بشرًا وجاء لعالم الدنيا بنفسه -كما استقر عليه دستور الإيمان المسيحي- لما صح أن يطلق عليه لقب نبيّ؛ لأن "النَّبيّ" اسم لشخص منفصل عن الله يُنبىء عن الله تعالى، أي يخبر عنه، بما يسمعه من الله: إما بواسطة الكلام المباشر، أو الوحي الخفي، أو ملكٍ رسول، كذلك لا يصح أن يطلق عليه اسم "رسول"؛ لأن الرسول اسم لشخص منفصل عن الله، يبعثه الله تعالى لأداء مهمة ما، أما الله تعالى لو تجسد فعلًا وصار بنفسه إنسانًا ونزل لعالم الدنيا؛ ليعلن الدين الجديد بنفسه، فلا يكون عندئذٍ رسولًا، إذ ليس ثمة مرسل له، بل في هذه الحالة يكون هو نفسه، وبدون واسطة، قد أخذ على عاتقه مهمة الاتصال بمخاطبيه. وحاصله: أنه لو صح أن المسيح كان الله نفسه متجسدًا، لما صح أن يسمى رسولًا ولا نبيًّا. ولكن الحقيقة أن الأناجيل طافحة بالنصوص التي يعرِّف المسيح عليه السلام فيها نفسه بأنه "نبيّ" وبأنه "رسول" أرسله الله تعالى للنَّاس، وأن ما يقوله للنَّاس ليس من عند نفسه بل من عند الله الذي أرسله، فتعليمه ليس لنفسه بل للآب الذي أرسله، فهل هناك أصرح من هذا في بيان الغيرية بين عيسى والله تعالى؟ ، وأنهما اثنان: مُنبىء ونبي، ومُرسل ورسول؟ !
وفيما يلي بعض ما جاء في هذا المعنى: (1) في إنجيل متى (13/ 54 - 58): "وَلمَّا جَاءَ إِلَى وَطَنِهِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ فِي مَجْمَعِهِمْ حتَّى بُهِتُوا وَقَالوا: "مِنْ أَيْنَ لهِذَا هذه الحكْمَةُ
وَالْقُوَّاتُ؟ أَليْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَليْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟ فَمِنْ أَيْنَ لهِذَا هذه كُلُّهَا؟ " فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَال لهمْ:"لَيْسَ نَبِيٌّ بِلَا كَرَامَةٍ إِلَّا فِي وَطَنِهِ وَفِي بَيْتِهِ". وَلَمْ يَصْنَعْ هُنَاكَ قُوَّاتٍ كَثِيرَةً لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ" والشاهد في قوله" ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه" حيث عبر عن نفسه بأنه نبي، وهذه الجملة وردت في الأناجيل الأربعة جميعًا.
(2)
وفي إنجيل متى كذلك (10/ 40 - 41) في ذكره لما قاله السيد المسيح عليه السلام للحواريين الاثني عشر حين أرسلهم لدعوة بني إسرائيل وتبشيرهم بالإنجيل: "من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني ومن يقبل نبيًّا باسم نبي فأجر نبيٍ يأخذ."
(3)
في إنجيل لوقا (10/ 16) في آخر الخطبة التي قالها السيد المسيح عليه السلام للتلاميذ السبعين الذي أرسلهم اثنين اثنين للوعظ والبشارة بالإنجيل في قرى فلسطين، أنه قال لهم:"الَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي، وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي، وَالَّذِي يُرْذِلُنِي يُرْذِلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي".
(4)
وفي إنجيل لوقا (4/ 42 - 43): "وَلما صَارَ النَّهَارُ خَرَجَ وَذَهَبَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلَاءٍ، وَكَانَ الجمُوعُ يُفَتِّشُونَ عَلَيْهِ. فَجَاءُوا إِلَيْهِ وَأَمْسَكُوهُ لِئَلَّا يَذْهَبَ عَنْهُمْ. فَقَال لَهُمْ: "إِنَّهُ يَنْبَغِي لِي أَنْ أُبَشِّرَ المُدُنَ الأُخَرَ أيضًا بِمَلَكُوتِ الله، لأنَي لهِذَا قَدْ أُرْسِلْتُ".
(5)
وفي إنجيل يوحنا (7/ 28 - 29): "فَنَادَى يَسُوعُ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ قِائِلًا: "تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أنَّا، وَمنْ نَفْسِي لَمْ آتِ، بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَق، الَّذِي أنتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. أنَّا أَعْرِفُهُ لأنِّي مِنْهُ، وَهُوَ أَرْسَلَنِي".
(6)
وفيه أيضًا (8/ 16 - 18): "وَإِنْ كُنْتُ أنَا أَدِينُ فَدَيْنُونَتِي حَق، لأني لَسْتُ وَحْدِي، بَلْ أنَّا وَالآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي. وَأيضًا فِي نَامُوسِكُمْ مَكْتُوبٌ أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حَق: أنَّا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي" وفيه كذلك (12/ 44 - 49) فنادى يسوع، وقال الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني. والذي يراني يرى الذي أرسلني، أنا قد جئت نورًا إلى العالم حتى كل من يؤمن بي لا يمكث في الظلمة، وإن
سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير؛ لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول وبماذا اتكلم.
قلت: استشهاد المسيح عليه السلام بحكم التوراة "شهادة رجلين حق" تصريح منه بالغيرية بينه وبين الله تعالى الذي يشهد له، فهما إذن اثنان: مرسِل ورسول، وهذا ينفي بوضوح قضية أن المسيح هو الله نفسه متجسدًا.
والآن إليكم هذه العبارة التي قد تفاجئكم بشدة وضوحها وصراحتها في نفي إلهية عيسى:
(7)
ففي إنجيل يوحنا (8/ 40): "وَلكِنَّكمُ الآنَ تَطلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنا إِنْسَان قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالحقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ الله" أقول: لو لم يكن في الإنجيل سوى هذه الآية لكفى بها دلالة على نفي إلهية عيسى عليه السلام.
(8)
وفيه أيضًا (8/ 26 - 29): "لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَق. وَأَنا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ، فَهذَا أقولُهُ لِلْعَالمِ". وَلَمْ يَفْهَمُوا إنَّهُ كَانَ يَقُولُ لهمْ عَنِ الآبِ. فَقَال لَهُمْ يَسُوعُ: "مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أنا هُوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتكلَّمُ بِهذَا كما عَلَّمَنِي أَبِي. وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأني فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ".
(9)
وفيه أيضًا: (10/ 36): "فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالمِ، أتقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجدِّفُ، لأنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ الله؟ "
(10)
وفيه أيضًا: (20/ 21): "فَقَال لهمْ يَسُوعُ أيضًا: "سَلَام لَكُمْ! كما أرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أنَّا".
قلت: ففي العبارة الأخيرة يماثل سيدنا المسيح عليه السلام بين إرسال الآب له وإرساله هو لتلاميذه للدعوة والتبشير، وبالتالي فكما أن تلاميذه وحوارييه ليسوا عيسى بعينه! فبمقتضي التماثل لا يكون عيسى عليه السلام هو الله بعينه، بل يكون رسوله ومبعوثه.
(11)
قوله: "أنتم تدعونني معلّمًا وسيّدًا، وحسنًا تقولون، لأني أنا كذلك" (يوحنا
13/ 13)، فقد أكد المسيح صحة اعتقاد التلاميذ به، إنهم يرونه معلمًا وسيدًا لهم، وقد شاع تسميته عندهم بالمعلم، "وقال له: يا معلم" (مرقس 10/ 20)، أفكان من حسن الأدب أن يترك التلاميذ نداءه بالألوهية وأن ينادوه بهذا النداء المتواضع: معلم.
(12)
وقد بدأت نبوته، وهو في سن الثلاثين "ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة"(لوقا 3/ 23)، وقد كان ثمة وقت لم ينزل عليه الروح القدس "لأَنَّ الرّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ."(يوحنا 7/ 39).
(13)
وشهد المسيح عليه السلام لربه بالوحدانية، ولنفسه بالرسالة، فقال:"أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته"(يوحنا 17/ 3):
(14)
ولما خوفه الفريسيون من هيرودس قال لهم: "يَنْبَغِي أَنْ أَسِيرَ الْيَوْمَ وَغَدًا وَمَا يَلِيهِ، لأنه يُمْكِنُ أَنْ يَهْلِكَ نَبِيٌّ خَارِجًا عَنْ أُورُشَلِيمَ! 34 يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأنبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ المرسَلِينَ"(لوقا 13/ 33 - 34)، فشهد لنفسه بالنبوة، وخاف من مصرعه في أورشليم كما صرع فيها غيره من الأنبياء، فغادر أورشليم، وناداها:"يَا قَاتِلَةَ الأنبِيَاءِ" ولم يقل لها: يا قاتلة الإله.
ولما أظهر المعجزات لقومه قرنها بدعوى نبوته قائلًا وهو يناجي الله: "ولكن أسألك من أجل هذه الجماعة، ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني"(يوحنا 11/ 26).
(15)
وهو في كل ما يقوله عن الله معصوم لأنه ينطق بالوحي، فقد قال:"وَالْكَلام الَّذِي تَسْمَعُونه لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَني"(يوحنا 14/ 28)، وفي موضع آخر:"تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَني. (يوحنا 7/ 16). وقال: "وَلَا رَسُول أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ" (يوحنا 13/ 16).
وفيما يلي بعض النصوص التي يبين فيها المسيح عليه السلام أنه لا يتكلم من نفسه بل هو حامل لرسالة من الله مأمور بتبليغها للناس، وأنَّه لا يعلم إلا ما يوحى إليه:
(1)
في إنجيل يوحنا (14/ 24): "الَّذِي لَا يحبُّنِي لَا يَحْفَظُ كَلَامِي. وَالْكَلَامُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي".
(2)
وفيه أيضًا: (15/ 15)"لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتكمْ أَحِبَّاءَ لأني أَعْلَمْتكمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْته مِنْ أَبِي".