الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ببعض المعجزات "فَالجمُوعُ لمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ بُولُسُ، رَفَعُوا صَوْتهمْ بِلُغَةِ لِيكَأُونَيَّةَ قَائِلِينَ: "إِنَّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنَّاسِ وَنَزَلُوا إِلَيْنَا" (أعمال الرسل 14/ 11)، فقد كان من عادة الرومان تسمية من يفعل شيئًا فيه نفع للشعب: إلهًا، ولا تغير التسمية في الحقيقة شيئًا، ولا تجعل من الخلوق إلهًا، ولا من العبد الفاني ربًا وإلهًا.
2 -
وقد سمي إسماعيل بهذا الاسم العبراني، ومعناه:"الله يسمع"، ومثله يهوياقيم أي:"الله يرفع"، ويهوشع "الرب خلص"، وغيرهم. . . ولم تقتض أسماؤهم ألوهيتهم.
3 -
وجاء في سفر الرؤيا: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلَا يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الجْدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الجْدِيدَ."(الرؤيا 3/ 12).
4 -
وجاء في التوراة: "فَيَجْعَلُونَ اسْمِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ"(العدد 6/ 27)، ومع ذلك فليسوا آلهة. (1)
الوجه الثاني: هل سمي المسيح الرب والإله؟ وعلى فرض صدور التسمية، فهي لا تعني إلهًا معبودًا، وإنما تعني السيد المعلم:
فكلمة "الرب" التي ترد كثيرًا في التراجم العربية كلقب للمسيح هي في التراجم الأجنبية بمعنى: "السيد" أو "المعلم"، فالمقابل لها في الترجمة الإنجليزية هو كلمة lord ومعناها: السيد، وفي الترجمة الافرنسية: monsier"، ومعنا ها: المعلم، وهكذا في سائر التراجم كالألمانية، والإيطالية، والأسبانية.
وما أتت به الترجمة العربية ليس بجديد، بل هو متفق مع طبيعة اللغة التي نطق بها المسيح ومعاصروه، فكلمة:"رب" عندهم تطلق على المعلم، وتفيد نوعًا من الاحترام والتقدير.
1 -
ففي إنجيل يوحنا أن المسيح كان يخاطبه تلاميذه: يا رب، ومقصودهم: يا معلم، فها هي مريم المجدلية" فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالتْ لَهُ:"رَبُّوني! " الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ" وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب"(يوحنا 20/ 16 - 17).
(1) وانظر دعوة الحق بين المسيحية والإسلام 1/ 484.
2 -
وخاطبه اثنان من تلاميذه: "رب الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ"(يوحنا 1/ 38). ولم يخطر ببال أحد من التلاميذ المعنى الاصطلاحي لكلمة الرب حين أطلقوها على المسيح، فقد كانوا يريدون: المعلم والسيد، ولذلك شبهوه بيوحنا المعمدان حين قالوا له:"يَا رَبُّ، عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا عَلَّمَ يُوحَنَّا أيضًا تَلَامِيذَهُ"(لوقا 11/ 1).
3 -
واستعمال لفظة الرب بمعنى: السيد، شائع في اللغة اليونانية، يقول ستيفن نيل:"إن الكلمة اليونانية الأصلية التي معناها: "رب" يمكن استعمالها كصيغة للتأدب في المخاطبة، فسجان فلبي يخاطب بولس وسيلة بكلمة: "سيدي" أو "رب"، يقول سفر الأعمال: "ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا وَقَال: "يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟ " فَقَالا: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ المُسِيحِ فَتَخْلُصَ أنتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ"(أعمال الرسل 16/ 30). . . وكانت اللفظة لقبًا من ألقاب الكرامة. . .".
4 -
ومما يؤكد صحة هذا التأويل قول بولس، وهو يصف المسيح بالرب، ولا يمنعه ذلك أن يجعله عبدا لله "كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ المُسِيحِ، أَبُو الْمجْدِ، رُوحَ الحكْمَةِ وَالإِعْلَانِ فِي مَعْرِفَتِهِ"(أفسس 1/ 17).
5 -
وأما قول توما للمسيح "ربي وإلهي" فهو لم يقع منه في مقام الخطاب للمسيح، بل لما رأى المسيح حيًّا، وقد كان يظنه ميتا استغرب ذلك، فقال متعجبا:"ربي وإلهي"(يوحنا 20/ 28)، ومما يؤكد صحة هذا الفهم أن المسيح أخبر في نفس السياق بأنه سيصعد إلى إلهه. (انظر يوحنا 20/ 17)، وعليه فالألوهية هنا لو أريد بها المسيح فهي مجازية غير حقيقية. وقد يشكل على البعض في قوله:"أَجَابَ تُومَا وَقَال لَهُ: "رَبِّي وَإِلهِي! "."(يوحنا 20/ 28)، فيرى أن هذه الصيغة لم ترد في باب الاستغراب، بل في باب الخطاب المباشر للمسيح بلقب الألوهية، والحق أن (له) في النص إنما هي بمعنى لأجله أو لأجل ما رأى منه، ولها مثيل في الكتاب، في سفر صموئيل، حيث دعا النبي يوناثان الله من أجل داود، فيما يفهم من ظاهر السياق أن الحديث موجه إليه، وهو في الحقيقة دعاء لله من أجل داود،
يقول سفر صموئيل: "وَقَال يُونَاثَانُ لِدَاوُدَ: "يَا رَبُّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ، مَتَى اخْتَبَرْتُ أَبِي مِثْلَ الآنَ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، فَإِنْ كانَ خَيْرٌ لِدَاوُدَ وَلَمْ أُرْسِلْ حِينَئِذٍ فَأُخْبِرَهُ" (صموئيل الأول 20/ 12)، فهو نداء لله، والسياق يقول: "وقال يوناثان لداود"، أي لأجله.
ثم لو فهم المسيح من كلام توما أنه أراد ألوهيته لما سكت عليه السلام، فقد رفض عليه السلام حتى أن يدعى صالحا، إذ لما ناداه بعض تلاميذه:"أيها المعلم الصالح. . . لمَاذَا تَدْعُوني صَالحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ الله."(متى 19/ 17) فكيف يقبل أن يدعى ربا وإلها على الحقيقة؟ .
6 -
وبخصوص الاستدلال بالمزمور "قَال الرَّبُّ لِرَبِّي: "اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" (المزمور 110/ 1)، فهو لا يُراد به المسيح بحال من الأحوال، بل المراد منه المسيح المنتظر، الذي وعد به بنو إسرائيل، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقد أخطأ بطرس حين فهم أن النص يراد به المسيح، فقال: "لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتِ. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَال الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي 35 حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. 36 فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ الله جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبًّا وَمَسِيحًا. فَلَمّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ" (أعمال الرسل 2/ 34 - 37). ودليل الخطأ في فهم بطرس، وكذا فهم النصارى، أن المسيح أنكر أن يكون هو المسيح الموعود على لسان داود، "وَفِيمَا كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ مجُتمِعِينَ سَأَلَهُمْ يَسُوعُ 42 قَائلَا: "مَاذَا تَظُنُّونَ فِي المُسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟ " قَالوا لَهُ: "ابْنُ دَاوُدَ". 43 قَال لَهُمْ: "فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبًّا؟ قَائِلَا: 44 قَال الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِيني حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. 45 فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟ " 46 فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمنْ ذلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلهُ بَتَّةً." (متى 22/ 41 - 46). فالمسيح سأل اليهود عن المسيح المنتظر الذي بشر به داود وغيره من الأنبياء، "ماذا تظنون في المسيح، ابن من هو؟ "فأجابوه:"ابن داود"، فخطأهم، وقال:"فإن كان داود يدعوه ربا فكيف يكون ابنه! ".
7 -
وفي مرقس: "كَيْفَ يَقُولُ الْكَتبَةُ إِنَّ المسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ 36 لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَال بِالرُّوحِ
الْقُدُسِ: قَال الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي، حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. 37 فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنه؟ " (مرقس 12/ 37). وهو ما ذكره لوقا أيضًا" وَقَال لهمْ:"كَيْفَ يَقُولُونَ إِنَّ الْمسِيحَ ابْنُ دَاوُدَ؟ 42 وَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَقُولُ فِي كِتَابِ الْمزَامِيرِ: قَال الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي 43 حَتَى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. 44 فَإِذًا دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبًّا. فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟ "(لوقا 20/ 40 - 44)، فالمبشر به ليس من ذرية داود الذي سماه ربًا له أو سيدًا، فيما لا يختلف النصارى في أن المسيح كان من ذرية داود كما جاء في نسبيه في متى ولوقا.
8 -
وأما ما جاء في إشعيا من التنبؤ بقدوم عمانوئيل، فهي ليست عن المسيح، الذي لم يتسم بهذا الاسم أبدًا، ولم يناد به إطلاقًا. والقصة في سفر إشعيا تتحدث عن قصة قد حصلت قبل المسيح بقرون، حين تآمر "راصين" ملك أدوم مع ملك مملكة إسرائيل الشمالية "فقح بن رمليا" على مملكة يهوذا الجنوبية وملكها آحاز، وقد جعل الله من ميلاد الطفل عمانوئيل علامة على زوال الشر عن مملكة يهوذا، وإيذانا بخراب مملكة راصين وفقح على يد الآشوريين، وموت الملكين المتآمرين، يقول إشعيا: "ثم عاد الرب فكلم آحاز قائلا: . . ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنا، وتدعو اسمه عمانوئيل. زبدا وعسلا يأكل.
متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير، لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير، تخلى الأرض التي أنت خاش من ملكيها (راصين وفقح)، يجلب الرب عليك وعلى شعبك وعلى بيت أبيك أياما لم تأت منذ يوم اعتزال أفرايم عن يهوذا أي ملك أشور.
ويكون في ذلك اليوم أن الرب يصفر للذباب الذي في أقصى ترع مصر وللنحل الذي في أرض أشور. . . لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يدعو: يا أبي ويا أمي تحمل ثروة دمشق وغنيمة السامرة قدام ملك أشور" (إشعياء 7/ 1 - 8/ 4)، فالنص يتعلق بأحداث حصلت قبل المسيح بقرون، وذلك إبان الغزو الآشوري لفلسطين. وهذا النص الذي ذكره لوقا، وكذا النص الذي في إشعيا، قد تم تحريفهما عن الأصل ليصبحا نبوءة عن
المسيح وأمه العذراء، وكانت الترجمات القديمة للتوراة مثل ترجمة أيكوئلا، وترجمة تهيودوشن، وترجمة سميكس والتي تعود للقرن الثاني الميلادي، قد وضعت بدلا من العذراء: المرأة الشابة، وهو يشمل المرأة العذراء وغيرها، وذلك أن اللفظ المستخدم بالعبرانية هو (علما)، بمعنى: الصبية أو الشابة، وليس (بتولا)، التي تعني: العذراء.
ويذكر العلامة أحمد ديدات أن النسخة المنقحة (R.S.V) والصادرة عام 1952 م قد استبدلت كلمة العذراء في إشعيا بـ"الصبية"، ولكن هذا التنقيح لا يسري سوى على الترجمة الإنجليزية. (1)
9 -
وبخصوص نبوءة النبي إشعيا "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَا وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَديًا، رَئيسَ السَّلَامِ. 7 لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَللسَّلَامِ لَا نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ."(إشعيا 9/ 6)، فإن أبًا من هذه الأسماء لم يتسم به المسيح عليه السلام وبيان ذلك فيما يلي:
أ- أين سمي عجيبًا أو مشيرًا أو قديرًا أو أبًا أو رئيس السلام؟ فليس في الكتاب المقدس نص يذكر أنه سمي بأي من هذه الأسماء.
ب- فإن قالوا: المراد أن هذه صفات هذا الابن الموعود، فهي أيضًا لا تنطبق على المسيح بحال، فهي تتحدث عن نبي غالب منتصر يملك على قومه، ويكون وارثًا لملك داود، وكل هذا ممتنع في حق المسيح، ممتنع بدليل الواقع والنصوص.
فالمسيح عليه السلام يملك على قومه يومًا واحدًا، بل كان فارًا من بني إسرائيل، خائفا من بطشهم، كما هرب من قومه حين أرادوه أن يملك عليهم. "وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُّوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكًا، انْصَرَفَ أيضًا إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ."(يوحنا 6/ 15).
لقد هرب منهم، وذلك لأن مملكته ليست دنيوية زمانية، ليست على كرسي داود، بل هي مملكة روحية في الآخرة "أَجَابَ يَسُوعُ: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالمِ. لَوْ كَانَتْ
(1) انظر: هل الكتاب المقدس كلمة الله؟ أحمد ديدات، ص (24 - 25).