الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَقْضُونَ جَوْرًا وَتَرْفَعُونَ وُجُوهَ الأَشْرَارِ؟ " (المزمور 82/ 1)، وكما سمي به أشراف اليهود في قول داود: "أحمدك من كل قلبي، قدام الآلهة أرنم لك" (المزمور 138/ 1)، وقد قال الله لموسى عن هارون: " وهو يكون لك فما، وأنت تكون له إلهًا" (الخروج 4/ 16).
وغيرهم كما سبق بيانه.
رابعها: قوله: "والكلمة كان عند الله"، والعندية لا تعني المثلية، ولا المساواة. إنما تعني أن الكلمة خلقت من الله كما في قول حواء:"اقتنيت رجلًا من عند الرب"(التكوين 4/ 1)، فقايين ليس مساويًا للرب، ولا مثله، وإن جاءها من عنده، وجاء في موضع آخر" وأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب"(التكوين 19/ 24). (1) وما نبه عليه العلامة ديدات إلى أن هذا النص، قد انتحله كاتب الإنجيل من فيلون الإسكندراني (ت 40 م)، وأنه بتركيباته الفلسفية غريب عن بيئة المسيح وبساطة أقواله وعامية تلاميذه، وخاصة يوحنا الذي يصفه سفر أعمال الرسل بأنه عامي عديم العلم، فيقول:"فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديمًا العلم وعاميان تعجبوا"(أعمال 4/ 13). (2)
خامسًا: نصوص نسبت أفعال الله إلى المسيح:
أ. إسناد الخالقية لله بالمسيح:
كما أسندت بعض النصوص الخالقية لله بالمسيح، فتعلق النصارى بها، ورأوها دالة على ألوهيته ومنها قول بولس عن المسيح:"فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلَاطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ"(كولوسي 1/ 16 - 17)، وفي موضع آخر يقول:"الله خالق الجميع بيسوع المسيح"(أفسس 3/ 9)، ومثله ما جاء في مقدمة يوحنا "كان في العالم، وكون العالم به، ولم يعرفه العالم"(يوحنا 1/ 15)، ومثله في (عبرانيين 1/ 2) وغيرها.
(1) الله جل جلاله واحد أو ثلاثة 1/ 55.
(2)
نقلًا عن كتاب الله جل جلاله واحد أو ثلاثة 53، وانظر كتاب الأناجيل والعقيدة 1/ 17، 18.
والجواب من وجوه:
1 -
أننا نلحظ ابتداء أن الخلق في كافة النصوص الكتابية مسند لله تعالى فقط، فقد قال سفر التكوين "في البدء خلق الله السماوات والأرض"(التكوين 1/ 1)، ولم يذكر خالقا شارك الله بالخلق أو كان واسطة تم الخلق من خلاله، وفي سفر إشعياء "هكذا يقول الله الرب خالق السموات"(إشعيا 42/ 5)، كما وقد قال بولس وبرنابا لأهل مدينة لسترة:"نبشركم أن ترجعوا من هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها"(أعمال 14/ 15)، فلم يذكر الكتاب خالقا سوى الله العظيم.
وما بين أيدينا من أقوال بولس ويوحنا؛ فإنها إنما تتحدث عن الله الذي خلق بيسوع كما صنع المعجزات بيد يسوع (انظر أعمال 2/ 22)، ولا تذكر أنه هو الخالق أبدا، فغاية ما تحتمله هذه النصوص - لو سلم بصحتها - أن يقال بأن الله خلق بالمسيح ما خلق من الكائنات والمخلوقات. يقول القس جيمس أنس متحدثًا عن الأقانيم وأعمالها المختلفة:"ومن أمثلة التميز في الأعمال أن الآب خلق العالم بواسطة الابن"(1).
وهذا المعنى جد غريب لم تنطق به أنبياء العهد القديم، ولا ذكره المسيح علية السلام، إنما ورد من كلام بولس ومقدمة يوحنا الفلسفية، المستمدة من الفكر الأفلوطيني والفلسفات الغنوصية؛ التي ترى أن الله أشرف من يخلق بنفسه، لذا ينيط هذا الفعل بالعقل الكلي أو الملائكة.
2 -
ولا يمكن أن يكون المسيح علية السلام خالقًا للسماوات والأرض وما بينهما؛ إذ هو ذاته مخلوق، وإن زعمت النصارى أنه أول المخلوقين، لكنه على كل حال مخلوق، والمخلوق غير الخالق" الذي هو صورة الله غير المنظور، بكر كل خليقة"(كولوسي 1/ 15).
3 -
ثم إن الذي عجز عن رد الحياة لنفسه عندما مات؛ لهو أعجز من أن يكون خالقًا للسماوات والأرض، أو أن تخلق به "فيسوع هذا أقامه الله"(أعمال 2/ 32)، ولو لم يقمه الله لما عاد من الموتى، وفي موضع آخر:"ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات"
(1) علم اللاهوت النظامي، القس الدكتور جيمس أنس، ص (178).
(أعمال 3/ 15)، ومثله قول بولس:"والله الآب الذي أقامه من الأموات"(غلاطية 1/ 1).
4 -
ويرى المحققون أن المقصود من هذه النصوص؛ أن المسيح خلقت به الخلائق خلقة الهداية والإرشاد، لا الإيجاد والتكوين، فتلك خلقة الله فحسب، والخلقة التي خلقها الله بالمسيح عليه السلام هي الخلقة الجديدة، خلقة الهداية، التي تحدث عنها داود، وهو يدعو الله بقوله:"قلبًا نقيًّا اخلق في يا الله، وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي"(المزمور 51/ 10). ومثله قال بولس عن المؤمنين بالمسيح: "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة"(كورنثوس (2) 5/ 17). وقال: "لَيْسَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلَا الْغُرْلَةُ، بَلِ الخلِيقَةُ الجدِيدَةُ."(غلاطية 6/ 15). وفي موضع آخر يقول: "تلبسوا الإنسان المخلوق الجديد بحسب الله في البر"(أفسس 4/ 24). وعلى هذا الأساس؛ اعتبر يعقوب التلاميذ باكورة المخلوقات فقال: "شاء فولدنا بكلمة الحق، لكي نكون باكورة من خلائقه"(يعقوب 1/ 18) أي أوائل المهتدين الذين تلبسوا بالخليقة الجديدة. وعليه؛ فإن المقصود من خلق المسيح للبشر هو الخلق الروحي، إذ جعله الله محييا لموات القلوب وقاسيها.
5 -
لكن قائلًا قد يرد استدلالنا وتأولنا للنصوص بما يقرأه فيها من حديث عن خلق السماوات والأرض وما فيهما بالمسيح، فيرى أن النصوص التي يتعلق بها النصارى لا تتعلق بالبشر فقط؛ إذ فيها أن الله خلق به ما في السماوات والأرض، وهذا قد يراه البعض - ممن لم يعتد طريقة الأسفار في التعبير- مانعًا من صرف النص إلى الخليقة الجديدة.
أما الذين اعتادوا على طريقة الأسفار في التعبير، فإنهم يرون في هذه النصوص مبالغة معهودة، حملتها مرارا الأسفار التوراتية والإنجيلية، ومن ذلك وصف العهد الجديد المسيح عليه السلام والتلاميذ أنهم نور العالم، يقول يوحنا:"مَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلًا: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلَا يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الحيَاةِ" (يوحنا 8/ 12)، وقال لتلاميذه: "أنتم نور العالم" (يوحنا 5/ 14). ومن المعلوم أنهم جميعًا كانوا نورًا استنار به المؤمنون، وأعرض عنه غيرهم، فأظلمت قلوبهم، ولا يمكن أن يدعى ظهور النور في الجماد والحيوان
الموجودين في العالم، فكما وصف النص يوحنا الإنجيلي المسيح وتلاميذه بنور العالم من غير أن يكون لهم أثر في إنارة غير قلوب المؤمنين من الكافرين أو الجمادات، فإنه وصف المسيح بأنه كان واسطة الخليقة الجديدة للعالم، والمقصود المؤمنون في العالم فحسب.
ومثله أيضًا، قول بولس عن المصالحة التي تمت بدم المسيح فإنه يقول:"وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كلانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّماوَاتِ."(كولوسي 1/ 20)، مع أن المصالحة كما يجزم القس جيمس أنس خاصة بشعبه المفديين دون الجمادات والكائنات الكافرة التي في السماوات والأرض، فهؤلاء لا حظ لهم في المصالحة، التي قد يفهم من النص شمولها إياهم، كما قد يفهم من نصوص الخلق شموله غير المؤمنين. وقال بولس أيضًا عن الذين أرسل الله المسيح لفدائهم:" لِتَدْبِيِر مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي المسِيحِ، مَا فِي السَّماوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ"(أفسس 1/ 10).
يقول القس جيمس أنس: " لا يمكن أن يكون معنى (كل شيء) العالمين، حيها وجمادها، كالشمس والقمر والنجوم، لأنها ليست قابلة للمصالحة مع الله؛ ولهذا السبب عينه لا يمكن أن يقصد جها كل الحيوان، ولا يمكن أن يقصد بها كل الخلائق العاقلة الساقطة؛ لأن المسيح لم يأت ليفتدي الملائكة الساقطين (عبرانيين 2/ 16) ولا يقصد بها جميع البشر، لأن الكتاب يعلم أن ليس كل البشر يتصالحون مع الله"(1).
ومثله أيضًا قوله: "لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع"(كورنثوس (1) 15/ 22)، فلئن كان الموت يشمل جميع البشر بسبب خطية آدم؛ فإن الذين يحيون جميع المؤمنين فحسب، لا جميع البشر الأموات الذين ماتوا بسبب خطيئة آدم. لكن النص كما رأينا يفهم من ظاهره ما لا يقصد، يفهم منه العموم ويراد به الخصوص، ومثل هذه المبالغات في التعبير -كما أسلفنا- معهودة ومألوفة في الكتاب، إذ يقول موسى لبني إسرائيل: " هوذا أنتم اليوم كنجوم السماء في الكثرة، الرب إلهكم يزيد عليكم مثلكم
(1) علم اللاهوت النظامي، جيمس أنس، ص (724).