الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا يزال في توراة اليهود بقايا من بشارات خاتم النبيين مثل قول الرب لموسى: "أقيم لهم نبيًّا من وسط إخوتهم مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به.
ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه (انتقم منه" (تثنية 18: 18/ 19).
القرآن يقرر إذن أن توراة موسى، أي التوراة الأصلية هي هدى ونور، وهذا حق لا مرية فيه، وأما توراة اليهود فهي توراة محرفة، فلا شك في ذلك على الإطلاق.
فكيف يثني القرآن على توراة حرفها أهلوها؟ . (1)
ثانيًا: إنجيل عيسى عليه السلام أم الإنجيل المحرف
؟
يقصد بإنجيل المسيح ذلك الكتاب الذي أوحاه الله إلى عبده المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام والذي ألقاه مواعظ وحكمًا على حوارييه، ومن سار خلفه من بني إسرائيل، وأكد فيه على التزامه بتوراة موسى أولًا وأخيرًا، يقول الله في القرآن عن إنجيل المسيح الحق:{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (المائدة 46: 47).
أ - ولقد كان مما في إنجيل المسيح: المسيح عبد الله ورسوله إلى بني إسرائيل، التخفيف على الإسرائيليين من شدة الشريعة، والتخفيف على المرضى والضعفاء، صنع المعجزات بإذن الله، والتنبؤ بالغيب القريب الذي يمكن التحقق من صدقه ليكون دليلًا على صدق تنبؤ المسيح بالغيب البعيد، فالقرآن قال في شأن المسيح وإنجيله:{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)} (مريم 27: 31).
(1) القرآن لا يشهد لتوراة اليهود (43: 37) بتصرف، وانظر: حديث القرآن عن التوراة (156: 166).
لكن الأناجيل
…
لا، بل مجموعة الأناجيل التي يتداولها الناس الآن قد حُرفت نصوصها مما دفع علماء المسيحية إلى تقرير الحقيقة الخطيرة الآتية: "القارئ في عصرنا وهو حريص على الدّقة، لا ينفكّ يبحث عن الأحداث التي تم إثباتها والتحقّق منها، يقع في حيرة أمام تلك المؤلفات التي تبدو له مفكّكة يخلو تصميمها من التنسيق، ويستحيل التغلب على تناقضاتها، ولا يُمكنها أن تردّ على الأسئلة التي تُطرح عليها
…
لقد جمع الإنجيليون ودونوا وفقًا لنظراتهم الخاصة ما أتاهم من التقاليد الشفوية".
1 -
فهذه الأناجيل التي نسميها (أناجيل النصارى) أو (أناجيل المسيحيين) جعلت المسيح ابنًا لله، فها هو كاتب إنجيل مرقس يبدأ بقوله:"بدأ إنجيل يسوع المسيح ابن الله"(مرقس 1: 1).
ويقول كاتب إنجيل يوحنا: "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد"(يوحنا 3: 16)، "وآيات أخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب. وأما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله" (يوحنا 20/ 30: 31).
وذلك على الرغم مما هو باق في سفر أعمال الرسل إلى اليوم من شهادة تلاميذ المسيح أنه عبد الله تمامًا كما كان داود عبدًا لله: "رفعوا أصواتهم إلى الله بقلب واحد فقالوا: يا سيد أنت صنعت السماء والأرض والبحر وكل شيء فيها، أنت قلت على لسان أبينا داود عبدك بوحي الروح القدس، تحالف حقًّا في هذه الدينة هيرودس وبنطيوس بيلاطس والوثنيون وشعوب إسرائيل على عبدك القدوس الذي مسحته"(أعمال الرسل 4/ 27: 25).
ولقد اختارت ترجمة البرتستانت العربية كلمة (فتى) بدلًا من (عبد) كنوع من التشويش على فكر القارئ العادي، وإن كان ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئًا، فالمسيح في عقيدة تلاميذه المقربين هو عبد الله ورسوله.
2 -
بل إن إنجيل يوحنا كان هو الوحيد بين الأناجيل الذي تحدث عن حلول الإله في المسيح فقال: "لكن الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال"(يوحنا 14: 10).
إن عقيدة حلول الإله في الإنسان هي من العقائد الوثنية القديمة، فقد كانت معروفة لدى الهنود والمصريين واليونان وغيرهم، بل إن قدماء المصريين توسعوا فيها حتى جعلوا روح الإله تحل في الحيوان، فكان ذلك مدعاة لعبادة الحيوان، بزعمهم.
3 -
وحسبما يقول القرآن جاء المسيح ليخفف عن بني إسرائيل بعض قيود الشريعة، لكن هذه الأناجيل تجعل المسيح يشدد عليهم في أمور تتصل بحياتهم المعتادة مما يوقعهم في العنت أو الخطيئة، إن توراة موسى تسمح بالطلاق وتعدد الزوجات بلا حدود لكن المسيح شدد في موضوع الطلاق وجعله أقرب إلى المستحيلات مما تسبب عنه - إلى اليوم - مآسي وخطايا وانفلات اجتماعي.
يقول إنجيل النصارى على لسان المسيح: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن. وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه. فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم. وقيل: من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني ومن يتزوج مطلقة فإنه يزني"(متى 5/ 27: 32).
ويذكر هذا الإنجيل قول المسيح في بدء رسالته "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل"(متى 5: 17)، ولما كان الناموس يسمح بالطلاق بلا قيود، فإن علماء المسيحية يقولون: إن هذا يعتبر أكبر نقض صريح للناموس.
4 -
ولم يذكر أي من الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى المسيحيين شيئًا عن معجزات المسيح في طفولته مثل التي ذكرها القرآن، ولقد وجدت هذه المعجزات في كتب مسيحية أخرى نشرت تحت اسم (الكتب المفقودة) وقد جاء فيها" عندما كان الرب يسوع في السابعة من عمره، كان يلعب مع بعض رفاقه الذين نحو سنة
…
وقد صنع أشكالًا من الطيور والعصافير، وعندما أمرها بالطيران فإنها طارت، وعندما أمرها بالتوقف فإنها توقفت".
5 -
بل إن أناجيل النصارى هذه تنسب للمسيح تنبؤات باطلة، من أخطرها أن نهاية العالم وانهيار النظام الكوني سوف تحدث قبل نهاية القرن الميلادي الذي عاش فيه المسيح وتلاميذه: "وفيما هو جالس على جبل الزيتون تقدم إليه التلاميذ على انفراد قائلين قل لنا متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر؟ فأجاب يسوع
…
للوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماوات تتزعزع وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء
…
ويبصرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير
…
الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله" (متى 24/ 30: 34).
نهاية العالم -حسب هذه النبوءة- تحدث قبل أن يهلك الجيل الذي عاصر المسيح، ولقد هلكت عشرات الأجيال بعد المسيح ولا يزال النظام الكوني قائمًا ولا تزال الحياة مستمرة.
ب - ولقد كان في إنجيل المسيح الحق نبوءات صريحة عن خاتم النبيين الذي يبعثه الله مباشرة بعد المسيح: {وَإِذْ قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)} [الصف: 6].
ولا تزال إلى الآن بقية من هذه النبوءات مثلما نجده في إنجيل يوحنا، فعندما ظهر يوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا) كان اليهود يعلمون يقينًا من نبوءات كتبهم أنه لا يزال هناك في عالم الأنبياء ثلاثة لم يظهروا بعد، ولذلك أرسلوا يسألونه: "وهذه هي شهادة يوحنا حين أرسل اليهود من أورشليم كهنة ولاويين ليسألوه من أنت؟ فاعترف ولم ينكر وأقر: إني لست أنا
المسيح. فسألوه إذًا ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لست أنا، أنبي أنت؟ فأجاب لا. فقالوا له: ماذا تقول عن نفسك؟ قال: أنا صوت صارخ في البرية
…
فسألوه وقالوا له: فما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟ " (يوحنا 1/ 25: 19).
من الواضح تمامًا أن لكل واحد من الثلاثة الذين كان ينتظرهم اليهود اسمًا يُعرف به، وأن أسمائهم وترتيب ظهورهم هكذا: إيليا ثم المسيح ثم النبي، وأن ذلك النبي المرتقب يأتي بعد المسيح، ولما كان اليهود قد اشتهروا بظهور الأنبياء فيهم، فإن تسمية هذا المرتقب الأخير باسم (النبي) يعني ولا شك أنه نبي، ولكنه ليس ككل الأنبياء، إنه نبي أمره جلل وشأنه عظيم، إنه نبي الزمان.
وحتى بعد ظهور المسيح، استمر اليهود يخلطون بينه وبين النبي المرتقب، فقد حدث "في اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلًا إن عطش أحد فليقبل إليَّ ويشرب
…
فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا هذا بالحقيقة هو النبي. وآخرون قالوا هذا هو المسيح
…
فحدث انشقاق في الجمع لسببه" (يوحنا 7/ 24: 34).
النبي المرتقب إذن يأتي بعد المسيح، هذا حق لا مرية فيه، ولم يأت بعد المسيح إلا محمد رسول الله إلى العالمين، هذا ولقد بين المسيح أن إيليا المنتظر الأول من أولئك الثلاثة قد جاء في شخص يوحنا المعمدان، فقد "ابتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا: ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا؟ أنبيًّا؟ نعم أقول لكم وأفضل من نبي
…
إن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي" (متى 11/ 14: 7).
ومرة أخرى "سأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة: إن إيليا ينبغي أن يأتي أولًا (قبل المسيح)، فأجاب يسوع وقال لهم: إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه؛ بل عملوا به كل ما أرادوا (أي قتلوه)
…
حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان" (متى 17/ 10: 13).
لقد ظهر النبي إيليا (إلياس) في بني إسرائيل في منتصف القرن التاسع قبل الميلاد، وانتهت حياته برفعه إلى السماء حيًّا، وكأنها تمهيد لرفع المسيح حيًّا إلى السماء دون أن يذوق