الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول
المبحث الأول: الصراع بين الحق والباطل
إن الصراع بين الحق والباطل سنة ربانية جارية كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)} [الفرقان: 31].
فالأنبياء وهم أكرم الخلق وأعدل الخلق وُجدَ لهم أعداء ومضادون، يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق.
وقد أمر الله المؤمنين بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله، وتضعف شوكة الباطل وتنكسر، وحتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، قال تعالى:{الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)} [النساء: 76]. ففي هذه الآية وآية سورة الفرقان التي ذكرناها قبل إشارة إلى ضعف الباطل وأهله إذا قام أهل الحق بواجبهم في مدافعتهم وقتالهم، لأن الله مع الذين اتقوا. فقوله في الآية الأولى:{وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} وفي الآية الثانية: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} إشارة إلى ضعف كيد الشيطان الذي يتولاه الكفار والمشركون، فإذا كان وليهم ضعيفًا فهم أضعف وأذل، وهذا يعطي المؤمن قوة على العمل بما أوجبه الله عليه من مدافعة الباطل وأهله، كما يعطيه ثقة في نصر الله له، ومن ثم يعتز بدينه ويتمسك به، وهذا هو الذي قام به الصحابة رضي الله عنهم في العهد المكي، فقد وقع عليهم الاضطهاد الشديد من المشركين في مكة، ولم يكن بمقدورهم المواجهة العسكرية ولم يؤمروا بالجهاد بعد، وإنما أمروا بالصبر والتحمل، فصبروا رضي الله عنهم وتحملوا تلك المرحلة، ولكن مع الصبر والتحمل كانوا يسعون لإزالة هذا الواقع وعدم استمراره، فجاءت الهجرة الأولى إلى الحبشة، ثم ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، ثم العرض على القبائل في المواسم، كلها بحث عن مخرج من ذلك الواقع حتى قيض الله طائفة من الأوس والخزرج لقبول دعوة الحق، ثم المبايعة على النصرة ليلة العقبة، وأعقب ذلك الهجرة إلى
المدينة، فخرج المسلمون من الاضطهاد ونصرهم الله بإخوانهم في المدينة عندما قاموا بالأسباب الموجبة لذلك. والملاحظ أن الصحابة تحملوا مرحلة الاضطهاد وواجهوها بالصبر ولكن مع عدم الاستكانة والرضى بالواقع، فأخذوا يعملون لإزالة ذلك الواقع حتى تمكنوا من رفعه (1).
فيعلم كل مسلم أن أهل الكفر والضلال ضد أهل الإسلام في كل زمان ومكان وذكر الله في أول سورة البقرة الناس وقسمهم إلى ثلاثة أقسام: مؤمنون وكفار ومنافقون فلا بد من العداوة بين أهل الإسلام وبين أعداء الله وإن لم تحصل العداوة فالأمر خطير.
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].
وقال تعالى: {وَلَا يَزَالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].
وقال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109]. ولا شك أن عداوة الكفار للمسلمين ليست لأجل دنيا بل هي لأجل الدين قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].
فالصراع بين الحق والباطل قائم إلي يوم القيامة؛ ولكن مآل الباطل الزهوق والذهاب، والحق مآله الانتصار والغلبة إن شاء الله تعالى كما قال تعالى:{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)} [الإسراء: 81].
وقال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)} [الأنبياء: 18].
(1) مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها. مسائل في منهج دراسة السيرة النبوية د/ محمد بن صامل السلمي العدد 24. ربيع الأول 1423 هـ/ مايو (آيار) 2002 م.
وهذه السنة أيضًا من أهم السنن الربانية التي يجب الوقوف عندها، وعدم نسيانها أو الغفلة عنها، لأن الصراع والمدافعة بين الحق والباطل وُجِدا منذ أن أهبط آدم عليه الصلاة والسلام على هذه الأرض ومعه إبليس -الملعون- أعاذنا الله منه. واقتضت حكمة الله عز وجل أن يستمر هذا الصراع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بين حزب الله عز وجل وحزب الشيطان. وليس بالضرورة أن تكون المدافعة أو أن يكون الصراع بالقتال والسلاح. بل إنه يكون بغير ذلك، وما القتال إلا مرحلة من مراحل هذا الصراع، فإقامة الحجة على الباطل وأهله مدافعة، وإزالة الشبه عن الحق وأهله مدافعة، والأمر بالعروف والنهي عن المنكر مدافعة، والصبر على ابتلاء الأعداء من الكفرة والظلمة والثبات على الدين مدافعة وصراع. ويأتي الجهاد والقتال في سبيل الله عز وجل على رأس وذروة هذه المدافعة والصراع، فيقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق. وما دام هناك حق وباطل فالصراع موجود والمدافعة حتمية. وهذا الصراع لصالح البشرية وخيرها، ولو كان فيه من العناء والشدة والمكاره، فإن هذه المشقات كلها تهون وتصغر عند المفاسد العظيمة التي تنشأ فيما لو لم يكن هناك دفع للفساد وصراع مع الباطل. كما في قوله تعالى:{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251]، وهذا يفرض على أهل الحق السير على هذه السنة، وبذل الجهد الجهيد في مدافعة الباطل وأهله، وإحقاق الحق وتمكين أهله، ورد البشرية الشاردة إلى عبودية الله عز وجل وتوحيده، وإنقاذها من الشرك ومفاسده، فإن الصراع بين الحق والباطل قديم، فيحاول أهل الباطل اتهام أهل الحق، وتشكيكهم به، حتى يتركوه قال تعالى:{وَلَا يَزَالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)} [البقرة: 217]، وهذا التقرير الصادق من العليم الخبير يكشف عن الإصرار الخبيث على الشر؛ وعلى فتنة المسلمين عن دينهم، بوصفها الهدف الثابت المستقر لأعدائهم. وهو الهدف الذي لا يتغير لأعداء الجماعة المسلمة في كل أرض وفي كل جيل. إن وجود الإسلام في الأرض هو بذاته
غيظ ورعب لأعداء هذا الدين؛ ولأعداء الجماعة المسلمة في كل حين إن الإسلام بذاته يؤذيهم ويغيظهم ويخيفهم. فهو من القوة ومن المتانة بحيث يخشاه كل مبطل، ويرهبه كل باغ، ويكرهه كل مفسد. إنه حرب بذاته وبما فيه من حق أبلج، ومن منهج قويم، ومن نظام سليم. إنه بهذا كله حرب على الباطل والبغي والفساد. ومن ثم لا يطيقه المبطلون البغاة المفسدون. ومن ثم يرصدون لأهله ليفتنوهم عنه، ويردوهم كفارًا في صورة من صور الكفر الكثيرة.
ذلك أنهم لا يأمنون على باطلهم وبغيهم وفسادهم، وفي الأرض جماعة مسلمة تؤمن بهذا الدين، وتتبع هذا المنهج، وتعيش بهذا النظام.
وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواته، ولكن الهدف يظل ثابتًا، على أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا. وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحًا غيره، وكلما كلت في أيديهم أداة شحذوا أداة غيرها. والخبر الصادق من العليم الخبير قائم يحذر الجماعة المسلمة من الاستسلام، وينبهها إلى الخطر؛ ويدعوها إلى الصبر على الكيد، والصبر على الحرب، وإلا فهي خسارة الدنيا والآخرة؛ والعذاب الذي لا يدفعه عذر ولا مبرر: قال تعالى: {وَلَا يَزَالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)} [البقرة: 217].
ومن يرتدد عن الإسلام وقد ذاقه وعرفه؛ تحت مطارق الأذى والفتنة -مهما بلغت- هذا مصيره الذي قرره الله له حبوط العمل في الدنيا والآخرة. ثم ملازمة العذاب في النار خلودًا (1).
وعندما ظهر الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان، لم يتوقف سيل الشبهات التي يثيرها المشككون من خصوم هذا الدين، تشكيكًا في مصادره، أو في نبيه، أو في مبادئه وتعاليمه. ولا تزال الشبهات القديمة تظهر حتى اليوم في أثواب جديدة يحاول مروجوها أن يضيفوا عليها طابعًا علميًّا زائفًا.
(1) في ظلال القرآن لسيد قطب 1/ 227 - 228.
ومن المفارقات الغريبة في هذا الصدد، أن يكون الإسلام - قد اختص من بين كل الديانات التي عرفها الإنسان سماوية كانت أم أرضية بأكبر قدر من الهجوم وإثارة الشبهات حوله.
ووجه الغرابة في ذلك يتمثل في أن الإسلام في الوقت الذي جاء فيه يعلن للناس الكلمة الأخيرة لدين الله لم ينكر أيًّا من أنبياء الله السابقين ولا ما أنزل عليهم من كتب سماوية، ولم يجبر أحدًا من أتباع الديانات السماوية السابقة على اعتناق الإسلام. ولم يقتصر الأمر على عدم الإنكار، وإنما جعل الإسلام الإيمان بأنبياء الله جميعًا وما أنزل عليهم من كتب عنصرًا أساسيًّا من عقيدة كل مسلم، بحيث لا تصح هذه العقيدة بدونه.
ومن شأن هذا الموقف المتسامح للإسلام إزاء الديانات السابقة أن يقابل بتسامح مماثل؛ وأن يقلل من عدد المناهضين للإسلام، ولكن الذي حدث كان على العكس من ذلك تمامًا. فقد وجدنا الإسلام -على مدى تاريخه- يتعرض لحملات ضارية من كل اتجاه. وليس هناك في عالم اليوم دين من الأديان يتعرض لمثل ما يتعرض له الإسلام في الإعلام الدولي من ظلم فادح وافتراءات كاذبة.
وهذا يبين لنا أن هناك جهلًا فاضحًا بالإسلام، وسوء فهم لتعاليمه، سواء كان ذلك بوعي أو بغير وعي، وأن هناك خلطًا واضحًا بين الإسلام كدين وبعض التصرفات الحمقاء التي تصدر من بعض أبناء المسلمين باسم الدين وهو منها براء (1).
إن أعداء الجماعة المسلمة لم يكونوا يحاربونها في الميدان بالسيف والرمح فحسب؛ ولم يكونوا يؤلبون عليها الأعداء ليحاربوها بالسيف والرمح فحسب؛ إنما كانوا يحاربونها أولًا في عقيدتها. كانوا يحاربونها بالدس والتشكيك، ونثر الشبهات وتدبير المناورات!
كانوا يعمدون أولًا إلى عقيدتها الإيمانية التي منها انبثق كيانها، ومنها قام وجودها، فيعملون فيها معاول الهدم والتوهين. ذلك أنهم كانوا يدركون كما يدركون اليوم تمامًا - أن هذه الأمة لا تؤتى إلا من هذا المدخل، ولا تهن إلا إذا وهنت عقيدتها، ولا تهزم إلا إذا
(1) حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين صـ 5 - 6.