الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الشوكاني: قوله: {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} أي: الذين اتبعوا ما جئت به، وهم خلص أصحابه الذين لم يبلغوا في الغلوّ فيه إلى ما بلغ من جعله إلهًا، ومنهم المسلمون، فإنهم اتبعوا ما جاء به عيسى عليه السلام ووصفوه بما يستحقه من دون غلوّ، فلم يفرّطوا في وصفه، كما فرطت اليهود، ولا أفرطوا كما أفرطت النصارى. وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم. وقيل: المراد بالآية: أن النصارى الذين هم أتباع عيسى لا يزالون ظاهرين على اليهود غالبين لهم قاهرين لمن وجد منهم، فيكون المراد بالذين كفروا هم اليهود خاصة، وقيل: هم الروم لا يزالون ظاهرين على من خالفهم من الكافرين، وقيل: هم الحواريون لا يزالون ظاهرين على من كفر بالمسيح، وعلى كل حال فغلبة النصارى لطائفة من الكفار، أو لكل طوائف الكفار لا ينافي كونهم مقهورين مغلوبين بطوائف المسلمين، كما تفيده الآيات الكثيرة، بأن هذه الملة الإسلامية ظاهرة على كل الملل قاهرة لها مستعلية عليها (1).
الشبهة الرابعة: يقولون: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على كتابنا، وفي هذا دليل على أنها لم تحرف
.
ويستندون إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمسك التوراة وقال: (آمنت بكِ وبمن أنزلك).
والجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: قوله (آمنت بك وبمن أنزلك) زيادة شاذة في الحديث الصحيح لا يحتج بها
.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَال: أَتَى نَفَرٌ مِنْ يَهودَ فَدَعَوْا رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْقُفِّ، فَأَتَاهُمْ فِي بَيْتِ المدْرَاسِ فَقَالوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! إِنَّ رَجُلًا مِنَّا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ. فَوَضَعُوا لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَال "ائْتُونِي بِالتَّوْرَاةِ". فَأُتِيَ بِهَا فَنَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ،
(1) فتح القدير 1/ 514.
فَوَضَعَ التَّوْرَاةَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَال: "آمَنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ". ثُمَّ قَال "ائْتُونِي بِأَعْلَمِكُمْ". فَأُتِيَ بِفَتًى شَابٍّ ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الرَّجْمِ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ (1).
(1) أخرجه أبو داود (4449) من طريق هِشَام بْن سَعْدٍ أَنَّ زَيْدَ يْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَر بِه، بهذه الزيادة. وقد خالف هشام بن سعد في روايته عن زيد بن أسلم عن ابن عمر، نافع وعبد الله بن دينار كلاهما عن ابن عمر بدون الزيادة.
أما طريق نافع عن ابن عمر فأخرجه مالك في الموطأ في كتاب الحدود، باب مَا جَاءَ فِي الرَّجْمِ، وأخرجه البخاري (1329)، مسلم (1699) من طريق موسى بن عقبة، وأخرجه أحمد في المسند 6: 1، والبخاري (7543) من طريق أيوب، وأخرجه مسلم (1699) من طريق عبيد الله، كلهم (مالك، موسى، أيوب، عبيد الله) عن نافع عن ابن عمر. بدون هذه الزيادة ولفظه: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: جَاءَتِ الْيَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فَقَال لهمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا تَجِدُونَ في التَّوْرَاةِ في شَأْنِ الرَّجْمِ؟ ". فَقَالوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. فَقَال عَبْدُ اللهَّ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ. فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ ثُمَّ قَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَال لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَام رضي الله عنه: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ يَدَهُ. فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَقَالوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَا. فَقَال عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ رضي الله عنه: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى المرْأَةِ يَقِيهَا الحجَارَةَ.
أما طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر فأخرجه البخاري (6819) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر. بدون هذه الزيادة ولفظه. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَال: أُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ أَحْدَثَا جَمِيعًا. فَقَال لَهُمْ: "مَا تَجِدُونَ في كِتَابِكُمْ؟ ". قَالوا: إِنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيمَ الْوَجْهِ وَالتَّجْبِيَةَ. قَال عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ رضي الله عنه: ادْعُهُمْ يَا رَسُولَ الله بِالتَوْرَاةِ. فَأُتِيَ بِهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَال لَهُ ابْنُ سَلَامٍ رضي الله عنه. ارْفَعْ يَدَكَ. فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَحْتَ يَدِهِ، فَأَمَرَ بِهِما رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَا. قَال ابْنُ عُمَر رضي الله عنه: فَرُجِمَا عِنْدَ الْبَلَاطِ، فَرَأَيْتُ الْيَهُودِيَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا.
فتبين من خلال ذلك أن هشام بن سعد في روايته عن ابن عمر قد تفرد بهذه الزيادة.
وهشام بن سعد تكلم فيه أهل العلم بالجرح والتعديل كالآتي:
من جرحه:
1 -
أحمد بن حنبل قال: لم يكن هشام بن سعد بالحافظ. وقال أيضًا: هشام بن سعد كذا وكذا، كان يحيى بن سعيد لا يروي عنه. وقال أيضًا: ليس هو محكم الحديث.
2 -
وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: هشام بن سعد ضعيف. وقال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: ليس بذاك القوي.
3 -
يحيى بن سعيد القطان نقل عنه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل أنه كان لا يحدث عنه. =