الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يمينك، والآخر عن اليسار في ملكوتك. فأجاب يسوع، وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعد لهم من أبي" (متى 20/ 20 - 22).
3 -
وإن أصر النصارى على أن الدينونة من أعمال المسيح عليه السلام فإن آخرين يشاركونه فيها، وهم تلاميذه الاثنا عشر، بما فيهم الخائن يهوذا الأسخريوطي "فقال لهم يسوع: الحق أقول لكم: إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده؛ تجلسون أنتم أيضًا على اثني عشر كرسيًا، تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر" (متى 19/ 28)، (وانظر لوقا 22/ 30).
4 -
وبولس أيضًا وغيره من القديسين سيمارسون الدينونة حتى للملائكة، حيث يقول: "ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟
…
ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة" (كورنثوس (1) 6/ 2 - 3). فهو وغيره من القديسين سيدينون الملائكة والعالم، وليسوا آلهة.
5 -
ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن دينونة المسيح للبشر - إن صحت - قد دفعها الله للمسيح الإنسان، فهو يصنعها بمقتضى إنسانيته "وأعطاه سلطانا أن يدين أيضًا، لأنه ابن الإنسان"(يوحنا 5/ 27).
ج. غفران المسيح الذنوب
. ومما يستدل به النصارى على ألوهية المسيح عليه السلام ما نقلته الأناجيل من غفران ذنب المفلوج والخاطئة على يديه، والمغفرة - كما يرون - من خصائص الألوهية، وعليه فالمسيح إله يغفر الذنوب، فقد قال للخاطئة مريم المجدلية:"مغفورة لك خطاياك"(لوقا 7/ 48)، كما قال للمفلوج:" ثق يا بني، مغفورة لك خطاياك"، وقد اتهمه اليهود لما سمعوا ذلك منه بالتجديف فقالوا:" قالوا في أنفسهم: هذا يجدف"(متى 9/ 3)، أي أنه يدعي الإلهية حين يغفر للناس.
والجواب ما يلى:
1 -
إذا رجعنا إلى قصتي الخاطئة والمفلوج؛ فإنا سنرى وبوضوح أن المسيح السلام ليس هو من غفر ذنبيهما، ففي قصة المرأة لما شك الناس بالمسيح وكيف قال لها:"مغفورة خطاياك"، وهو مجرد بشر، أزال المسيح عليه السلام اللبس، وأخبر المرأة أن إيمانها هو الذي
خلصها، ويجدر أن ننبه إلى أن المسيح لم يدع أنه هو الذي غفر ذنبها، بل أخبر أن ذنبها قد غفر، والذي غفره بالطبع هو الله تعالى.
والقصة بتمامها كما أوردها لوقا: " وَأَمَّا هِيَ فَقَدْ دَهَنَتْ بِالطِّيبِ رِجْلَيَّ. 47 مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ، لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيرًا. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلًا". 48 ثُمَّ قَال لهَا: "مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ". 49 فَابْتَدَأَ المُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: "مَنْ هذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضًا؟ ". 50 فَقَال لِلْمَرْأَةِ: "إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ، اِذْهَبِي بِسَلَامٍ"(لوقا 7/ 46 - 50)، فقد غفر الله لها بإيمانها، والمسيح أخبرها برحمة الله التي وسعتها، وأفهم الحاضرين بوضوح أنه لم يجدف ولم يدع لنفسه مغفرة الخطايا. وإذا كان يغفر الخطايا فلم لم يغفر الله خطيئة آدم لأن الإنسان يقدر أن يغفر والله لا يقدر وأيضًا لماذا لم يغفرها المسيح من غير قتل أو صلب يزيد الخطيئة ولا يمحوها؟ . (1)
2 -
وكذا في قصة المفلوج لم يدع المسيح أنه الذي يغفر الذنوب، فقد قال للمفلوج:"ثق يا بني، مغفورة لك خطاياك" فأخبر بتحقق الغفران، ولم يقل: إنه هو الغافر لذنوب المفلوج.
3 -
ولما أخطأ اليهود، ودار في خلدهم أنه يجدف، وبخهم المسيح على الشر الذي في أفكارهم، وصحح لهم الأمر، وشرح لهم أن هذا الغفران ليس من فعل نفسه، بل هو من سلطان الله، لكن الله أذن له بذلك، كما سائر المعجزات والعجائب التي كان يصنعها، وقد فهموا منه المراد، وزال اللبس من صدورهم، "فلما رأى الجموع تعجبوا، ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانا مثل هذا". (متى 9/ 8). والقصة بتمامها كما أوردها متى تقول: "قَال لِلْمَفْلُوجِ: "ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ". 3 وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَدْ قَالوا فِي أَنْفُسِهِمْ: "هذَا يجدِّفُ! " 4 فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، فَقَال: "لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟ 5 أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَال: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَال: قُمْ وَامْشِ؟ 6 وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الخطَايَا". حِينَئِذٍ قَال لِلْمَفْلُوجِ: "قُمِ احْمِلْ
(1) وانظر مناظرة بين الإسلام والنصرانية 193 و 274.
فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ! " 7 فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ. 8 فَلمَّا رَأَى الجُمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَجَّدُوا اللهَ الَّذِي أَعْطَى النَّاسَ سُلْطَانًا مِثْلَ هذَا."(متى 9/ 3 - 8).
فاتضح من هذا النص النص أمران: الأول: أن المسيح لم يقل للمفلوج: ثق يا بني لقد غفرتُ لك خطاياك! بل أنبأه قائلًا: مغفورة لك خطاياك. والفرق واضح بين الجملتين، فالجملة الثانية لا تفيد أكثر من إعلام المفلوج، بأن الله تعالى قد غفر ذنوبه، وليس في هذا الإعلام أي دليل على ألوهية المسيح، لأن الأنبياء والرسل المؤيدين بالوحي والمتصلين بجبريل الأمين، يطلعون بإطلاع الله تعالى لهم، على كثير من المغيبات والشؤون الأخروية ومنها العاقبة الأخروية لبعض الناس، كما أخبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن بعض صحابته فبشرهم أنهم من أهل الجنة وعن آخرين فبشرهم أنهم من أهل النار.
ثانيًا: قد يشكل على ما قلناه قول المسيح فيما بعد، ولكن لتعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا، فنسب غفران الخطايا لنفسه.
قلنا: آخر النص يجعلنا نحمل هذه النسبة على النسبة المجازية، أي على معنى أن ابن الإنسان (المسيح) خوله الله أن يعلن غفران خطايا، وذلك لأن الجملة الأخيرة في النص السابق تقول:"فلما رأى الجموع ذلك تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطانا مثل هذا"، فالغافر بالأصل والأساس هو الله تعالى، ثم هو الذي منح هذا الحق للمسيح وأقدره عليه؛ لأن المسيح فنى في الله تعالى وكان على أعلى مقام من الصلة بالله والكشف الروحي ولا يتحرك إلا ضمن حكمه وإرادته فلا يبشر بالغفران إلا من استحق ذلك.
ومما يؤكد أن غفران المسيح للذنوب هو تخويل إجمالي من الله تعالى له بذلك، وليس بقدرة ذاتيه له عليه السلام، هو أن المسيح، في بعض الحالات كان يطلب المغفرة للبعض من الله تعالى فقد جاء في إنجيل لوقا (23/ 34):" فقال يسوع: يا أبتاه! اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون". فانظر كيف طلب من الله غفران ذنبهم ولو كان إلهًا يغفر الذنوب
بذاته ومستقلًا، كما ادعوا، لغفر ذنوبهم بنفسه. (1)
4 -
وهذا السلطان دفع إليه، كما دفع كثير غيره من الله تبارك وتعالى:"التفت إلى تلاميذه وقال: كل شيء قد دفع إلي من أبي"(لوقا 10/ 22)، وإلا فهو لا حول له ولا قوة، قد قال في موضع آخر:"دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض"(متى 28/ 18)، لكنه ليس سلطانه الشخصي، بل هو قد دفع إليه من الله، ولو كان إلهًا لكان هذا من خصائصه وقدراته الذاتية، لكنه يعجز عنه عليه السلام، لأنه عبد الله، وكما يقول عن نفسه:" أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا"(يوحنا 5/ 30)، فلولا دفع الله بهذا السلطان إليه لما قدر على غفران ذنب أو خطيئة.
5 -
وسأل اليهود المسيح عليه السلام" وكلموه قائلين: قل لنا: بأي سلطان تفعل هذا؟ أو من هو الذي أعطاك هذا السلطان؟ " فلم يزعم المسيح أنه سلطان ذاتي امتلكه بموجب لاهوته الأزلي، بل سألهم عن السلطان الذي كان ليوحنا المعمدان في معمودية غفران الذنوب من أين هو؟ فقال:" وأنا أيضًا أسألكم كلمة واحدة، فقولوا لي: معمودية يوحنا المعمدان، من السماء كانت أم من الناس؟ "(لوقا 20/ 2 - 4)، أي أنه يصنع الغفران وغيره بذات السلطان الذي كان للمعمدان، إنه سلطان النبوة فحسب.
6 -
وسلطان غفران الخطايا دفع أيضًا إلى غير المسيح عليه السلام، فقد دفع إلى التلاميذ، وأصبح بمقدورهم غفران الذنوب التي تتعلق بحقوقهم الشخصية، بل وكل الذنوب والخطايا، ومغفرتهم للذنوب الشخصية بحقهم يقول عنه المسيح:"إن غفرتم للناس زلاتهم؛ يغفر لكم أيضًا أبوكم السماوي، هان لم تغفروا للناس زلاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاتكم"(متى 6/ 14 - 15). فيما يعطيهم يوحنا صكًا مفتوحًا في غفران أي ذنب وخطيئة، فيقول:"من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت"(يوحنا 20/ 23)، فهم كالمسيح عليه السلام، ومع ذلك فإن أحدًا من النصارى لا يقول بألوهيتهم!
(1) الأناجيل الأربعة ورسائل بولس ويوحنا تنفي ألوهية المسيح كما ينفيها القرآن (105).