الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ
.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رحمه الله:
وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ - رضى الله عنهم - ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائِحًا يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا. فَأَجَابَهُ الآخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا.
1330 -
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ شَيْبَانَ عَنْ هِلَالٍ - هُوَ الْوَزَّانُ - عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا» . قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّى أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
قَالَ الشَّارِحُ رحمه الله:
(باب مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ) وسيأتي بعد ثمانية أبواب: باب بناء المسجد على القبر.
وقال ابن رشيد: الاتخاذ أعم من البناء فلذلك أفرده بالترجمة. وقال العيني: إن الترجمتين في الحكم سواء، إلا أنه صرح بالكراهة في ترجمة هذا الباب، واكتفى هناك بدلالة حديث الباب
(1)
.
وقال الحافظ العسقلاني: ولفظها - أي: لفظ ترجمة هذا الباب - يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره، فكأنه يفصل بين ما إذا ترتبت على الاتخاذ مفسدة أو لا. هذا
(2)
وفيه أنه إنما يقتضي ذلك لو كان كلمة "مِن" تبعيضية، وأما إذا كانت بيانية فلا.
(1)
عمدة القاري (8/ 134).
(2)
فتح الباري (3/ 200).
[196 أ/س]
(وَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ) أي: ابن طالب رضي الله عنه وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، وله ولد / يسمى الحسن أيضًا فهم ثلاثة في نسق، وهو أحد أعيان بني هاشم فضلًا وخيرًا، مات سنة سبع وتسعين وكان من ثقات التابعين
(1)
.
(ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ) فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنها وهي ابنة عمه (الْقُبَّةَ
(2)
) بضم القاف.
قال ابن الأثير: القبة من الخيام: بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب
(3)
. وضرب القبة نصبها وإقامتها على أوتاد مضروبة في الأرض. وجاء في رواية المغيرة بن مقسم: "لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره فسطاطًا وأقامت عليه سنة"
(4)
.
قال الجوهري: الفسطاط: بيت من شَعْرٍ
(5)
، وفي المغرب: هو خيمة عظيمة
(6)
، وفي الباهر: هو مضرب السلطان الكبير، وهو السرادق أيضًا وقال الزمخشري: هو ضرب من الأبنية في السفر دون الخيمة
(7)
، وقال ابن قرقول: هو الخباء ونحوه
(8)
.
(سَنَةً) أي: كانت لا تخلو من الصلاة هناك في هذه المدة، فصارت كالمسجد، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبلة في جهة القبر فيزداد الكراهة (ثُمَّ رُفِعَتْ) على البناء للفاعل والمفعول.
قال ابن المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بقرب الميت وتعليلًا للنفس
(9)
، وتخييلًا باستصحاب المألوف من الأنس ومكابرة للحس، كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البالية ومخاطبة المنازل الخالية، فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا
(10)
.
(1)
تقريب التهذيب، (ص: 159) (1226).
(2)
سقط لفظ "عَلَى قَبْرِهِ" من أصل البخاري
(3)
النهاية في غريب الحديث والأثر، حرف القاف، [قَبَبَ](4/ 2).
(4)
تاريخ دمشق، فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم (70/ 20)، وتغليق التعليق على صحيح البخاري، بَاب مَا يكره من اتِّخَاذ الْمَسَاجِد على الْقُبُور (2/ 482).
(5)
الصحاح تاج اللغة، [فسط](3/ 1150).
(6)
المغرب، [بَاب الْفَاء](1/ 360).
(7)
النهاية في غريب الحديث والأثر [فَسَطَ](3/ 445).
(8)
مطالع الأنوار على صحاح الآثار، حرف الفاء (5/ 267).
(9)
[للنفس] سقط من ب.
(10)
فتح الباري (3/ 200).
[86 ب/س]
(فَسَمِعُوا) أي: المرأة ومن معها. وفي رواية: "فسمعت"
(1)
(صَائِحًا) من الملائكة أو من مؤمني الجن (يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟) ويروي "ما طلبوا"
(2)
(فَأَجَابَهُ) صائح (الآخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا) وإذا أنكر الصائح بناء زائلًا وهو الخيمة، فالبناء الثابت أجدر، لكن لا يؤخذ من كلام الصائح حكم؛ لأن مسالك الأحكام الكتابُ والسنةُ والإجماعُ والقياسُ ولا وحي بعده صلى الله عليه وسلم، وإنما هذا أو مثاله تنبيه على انتزاع الأدلة من مواضعها / واستنباطها من مظانها، وهذا معنى قول الحافظ العسقلاني، وإنما ذكره البخاري لموافقته للأدلة الشرعية لا لأنه دليل برأسه
(3)
.
(حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى
(4)
) أبو محمد العبسي (عَنْ شَيْبَانَ
(5)
) بفتح الشين المعجمة هو ابن عبدالرحمن التميمي النحوي.
(عَنْ هِلَالٍ
(6)
- هُوَ) أبو الجهم بن حميد وكذا وقع منسوبًا عند ابن أبي شيبة
(7)
والإسماعيلي، ويقال: ابن عبدالله. ولا يصح كما قال البخاري في تاريخه
(8)
.
(1)
عمدة القاري (8/ 135).
(2)
عمدة القاري (8/ 135).
(3)
فتح الباري (3/ 200).
(4)
هو: عبيد الله بن موسى [بن أبي المختار] بن باذام العبسي الكوفي، أبو محمد، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، واستصغر في سفيان الثوري، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين على الصحيح، تهذيب الكمال (19/ 164)(3689)، تقريب التهذيب (ص: 375) (4345).
(5)
هو: شيبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي، أبو معاوية البصري نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى "نحوة" بطن من الأزد لا إلى علم النحو، من السابعة مات سنة أربع وستين ومائة، تقريب التهذيب (ص: 269) (2833).
(6)
هو: هلال بن أبي حميد أو ابن حميد أو ابن مقلاص أو ابن عبد الله الجهني، مولاهم أبو الجهم، ويقال: غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفي الوزان الكوفي، ثقة من السادسة، تهذيب الكمال (30/ 328)(6615)، وتقريب التهذيب (ص: 575) (7333).
(7)
مصنف ابن أبي شيبة، كتاب صلاة التطوع، في الصلاة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم (2/ 151)(7547).
(8)
التاريخ الكبير هِلَال بْن أَبي حُمَيد، أَبو الجَهم، الوَزّان. (8/ 207)(2729).
وقال ابن أبي حاتم: هلال بن مقلاص
(1)
، (الْوَزَّانُ) بتشديد الزاي: وبالنون.
[196 أ/ص]
(عَنْ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها / (عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ فِى مَرَضِهِ الَّذِى توفي فِيهِ) وفي نسخة: "مات فيه" وإنما قال ذلك في مرضه تحذيرًا مما صنعه اليهود والنصارى بعده.
(لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) أي: أبعدهم من رحمته؛ واللعن الطرد والإبعاد، فهو
(2)
مطرودون ومبعدون من الرحمة لكفرهم.
(اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا) بالإفراد على إرادة الجنس، وفي رواية الكشميهني:"مساجد" بصيغة الجمع
(3)
.
(قَالَتْ) أي: عائشة رضي الله عنها (وَلَوْلَا ذَلِكَ) أي: لولا خشية اتخاذ قبره صلى الله عليه وسلم مسجدًا، كما يدل عليه السياق (لأَبْرَز قَبْرَهُ) الشريف وكشف مدفنه المنيف، ولم يتخذ عليه الحائل، ولكن خشية الاتخاذ موجودة فامتنع الإبراز. وفي رواية:"لأبرزوا" بلفظ الجمع أي: لكشفوا قبره كشفًا ظاهرًا من غير بناء شيء عليه يمنع من الدخول إليه
(4)
.
(غَيْرَ أَنِّى أَخْشَى) كذا هنا، وفي رواية أبي عوانة عن هلال الآتية في أواخر الجنائز:"غير أنه خَشِي أو خُشى"
(5)
على الشك هل هو بفتح الخاء المعجمة أو ضمها؟ وفي رواية مسلم: "غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ"
(6)
بالضم لا غير.
(1)
الجرح والتعديل (9/ 75).
(2)
[فَهم].
(3)
عمدة القاري (8/ 135).
(4)
عمدة القاري (8/ 135).
(5)
صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم (2/ 102)(1390).
(6)
صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد، (1/ 376)(529).
فرواية الباب يقتضي أنها هي التي منعت من إبرازه، ورواية الضم مبهمة يمكن أن تفسر بهذه، والهاء ضمير الشأن، وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك، وذلك يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد منهم، بخلاف رواية الفتح؛ فإنها تقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمرهم بذلك
(1)
.
(أَنْ يُتَّخَذَ) على البناء للمفعول (مَسْجِدًا) ثم إن هذا قالته عائشة رضي الله عنها قبل أن يوسع المسجد؛ ولهذا لما وسع المسجد جعلت الحجرة المطهرة- رزقنا الله تعالى زيارتها مرة بعد كرة- مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلى إلى جهة القبر المقدس مع استقبال القبلة، ثم إن ذلك منه صلى الله عليه وسلم من باب قطع الذريعة لئلا يعبد قبرَه الجهالُ، كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم.
وكره مالك المسجد على القبور، وإذا بني مسجد على مقبرة داثرة ليصلى فيه فلا بأس به. وكره مالك الدفن في المسجد
(2)
.
وقال الكرماني: مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجدًا، ومدلول الترجمة منع اتخاذ المسجد على القبر، ومفهومهما متغايران، ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغايرا في المفهوم
(3)
.
(1)
عمدة القاري (8/ 135).
(2)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/ 312).
(3)
الكواكب الدراري (7/ 117).