الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابٌ: الرَّجُلُ يَنْعَى إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ بِنَفْسِهِ
.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رحمه الله:
1245 -
حَدَّثَنَا إسماعيل: قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا.
قَالَ الشَّارِحُ رحمه الله:
(بَابٌ) بالتنوين (الرَّجُلُ) مبتدأ، وقوله:(يَنْعَى) على صيغة البناء للفاعل، ومفعوله محذوف، أي: ينعى الميتُ خبرَه (إِلَى أَهْلِ المَيِّتِ) أي: يُظهر خبر موته إليهم، يقال: نعاه ينعاه نعيًا ونعيانًا، وهو من باب فعَل يفعَل بفتح العين فيهما، وفي "المحكم" النعي: الدعاء بموت الميت، والإشعار به
(1)
، وفي "الصحاح": النعي خبر الموت، وكذلك النعي على فعيل كنبي
(2)
، وفي "الواعي": النعي على فعيل هو نداء الناعي، والنعي أيضًا هو الرجل الذي ينعى، ويقال للميت أيضًا
(3)
.
[91 أ/ص]
والضمير في قوله: (بِنَفْسِهِ) للناعي أي: ينعى بنفسه، ولا يستنيب أحدًا غيره، ولو كان رفيعًا، كذا في أكثر الروايات، /ووقع عند الكشميهني -بحذف الموحدة- في بنفسه أي: ينعى نفس الميت
(1)
المحكم والمحيط الأعظم، أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي، تحقيق عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، 2000 م، بيروت، (2/ 255)
(2)
ينظر الصحاح: مادة (نعا)، (6/ 2512).
(3)
العين للفراهيدي، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق د مهدي المخزومي / د إبراهيم السامرائي
الناشر دار ومكتبة الهلال، باب العين والنون، (2/ 256). وتهذيب اللغة للأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي، 2001 م، بيروت، باب: العين والنون (3/ 138)
إلى أهله، فضمير نفسه للميت، وهو مفعول ينعى، وفي رواية الأصيلي سقط ذكر الأهل، وليس لها وجه
(1)
.
وأشار المهلب إلى أن في الترجمة خللًا، قال: والصواب أنْ يقول: باب الرجل ينعى إلى الناس الميت بنفسه، وإليه مال ابن بطال؛ فقال: في الترجمة خلل
(2)
.
ومقصود البخاري: باب الرجل ينعى إلى الناس الميت بنفسه، بنصب الميت على أنه مفعول ينعى.
وقال الكرماني: لا خلل فيه لجواز حذف المفعول عند القرينة
(3)
، وقال الحافظ العسقلاني: والتعبير بالأهل لا خلل فيه؛ لأن مراده به ما هو أعم من القرابة وأخوة الدين وهو أولى من التعبير بالناس؛ لأنه يخرج من ليس له به أهلية كالكفار
(4)
.
وفيه: أن الأهل لا يُستعمل عرفًا في أخوة الدين، والظاهر أنَّ المراد من هذه الترجمة دفع توهم أن هذا من إيذاء أهل الميت وإدخال الكرب والمصاب والمساءة عليهم، والإعلام بأنه أمر مباح؛ وذلك لأنه وإن كان فيه ما ذكر؛ لكنَّ فيه مصالح جمة، مما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وغير ذلك
(5)
، بل صرح النووي في المجموع باستحبابه؛ لحديث الباب: ولنعيه صلى الله عليه وسلم للناس جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم
(6)
.
نعم يُكرَه نعي الجاهلية، وكانت عادتهم إذا مات منهم شريف بعثوا راكبًا إلى القبائل يقول: يا نعاء العرب، أي: هلكت العرب بهلاك فلان، ويكون مع النعي ضجيج، وبكاء، ونياحة؛ وسيأتي تتمة لذلك إن شاء الله -تعالى-.
(1)
إرشاد الساري (2/ 378).
(2)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/ 243).
(3)
الكواكب الدراري (7/ 56).
(4)
ينظر فتح الباري: (3/ 116).
(5)
الفتح الباري (3/ 117).
(6)
المجموع (5/ 170).
(حَدَّثَنَا إسماعيل
(1)
) هو ابن أبي أُوَيس عبد الله الأصبحي المدني، ابن أخت مالك بن أنس (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ
(2)
) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَعَى النَّجَاشِيَّ) أي: أخبر أصحابه بموته.
[91 أ/س م]
[40 ب/ص]
والنجاشي، /بفتح النون، وكسرها: كلمة حبشية تسمى بها ملوكها
(3)
، والمتأخرون يلقبونهم الآن بالأبجري، وقال ابن قتيبة: هو بالنبطية، ذكره ابن سيده
(4)
، وفي الجامع للقزاز: هو بكسر النون، يجوز أن يكون من نجش إذا أوقد، وفي الفصيح: النجاشي، بالفتح، /والمشهور تشديد الياء، قيل: والصواب تخفيفها، كذا قاله أبو الخطاب؛
(5)
وفي "سيرة ابن إسحاق" اسمه: أصحمة، ومعناه عطية
(6)
، وقال أبو الفرج: أصحمة بفتح الهمزة، وسكون الصاد، وفتح الحاء المهملتين
(7)
.
ووقع في مسند ابن أبي شيبة في هذا الحديث: صَحْمة، بفتح الصاد وإسكان الحاء، قال: هكذا قال لنا يزيد بن هارون، وإنما هو صمحة، بتقديم الميم على الحاء، قال: وهذان شاذان
(8)
.
(1)
هو: إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد الله بن أبي أويس المدني. تهذيب الكمال (3/ 124)، (459).
(2)
هو: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث، إمام دار الهجرة، تهذيب الكمال (27/ 91)، (57/ 28).
(3)
لسان العرب، حرف الشين، فصل النون (6/ 351).
(4)
المخصص ـ لابن سيده، أبو الحسن علي بن إسماعيل النحوي اللغوي الأندلسي المعروف بابن سيده، دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1417 هـ 1996 م، الطبعة: الأولى، تحقيق: خليل إبراهم جفال (1/ 323).
(5)
لم أجده في الفصيح.
(6)
سيرة ابن إسحاق، محمد بن إسحاق بن يسار، تحقيق: محمد حميد الله، الناشر معهد الدراسات والأبحاث للتعريف (4/ 201).
(7)
كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 487).
(8)
لم أقف عليه في "مسند، ومصنف" ابن أبي شيبة، شرح صحيح مسلم للنووي:(7/ 23) وعمدة القاري (8/ 19) وفتح الباري (3/ 203).
وفي "التلويح": أخبرني غير واحد من نبلاء الحبشة أنهم لا ينطقون بالحاء على صرافتها، وإنما يقولون في اسم الملك أضمخة بتقديم الميم على الخاء المعجمة
(1)
. وذكر السهيلي: أن اسم أبيه بجري بغير همزة
(2)
.
وفي كتاب "الطبقات" لابن سعد: لما رجع النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الحديبية سنة ست؛ أرسل إلى النجاشي سنة سبع في المحرم عمرو بن أمية الضمري، فأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض تواضعًا، ثم أسلم، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأنه أسلم على يدي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وتوفي في رجب سنة تسع، منصرفه من تبوك
(3)
.
فإن قيل: وقع في صحيح مسلم كتب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، وهو غير النجاشي الذي صلى عليه، فالجواب أنه يحتمل على أنه لما توفي قام مقامه آخر فكتب إليه صلى الله عليه وسلم
(4)
.
(فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى) مع أصحابه، وذكر السهيلي: من حديث سلمة بن الأكوع "أنه صلى عليه بالبقيع"
(5)
.
(فَصَفَّ بِهِمْ) صف هنا لازم، والباء في بهم بمعنى مع، ويحتمل أن يكون متعديًا، والباء زائدة للتأكيد، أي: صفهم؛ لأن الظاهر أنَّ الإمام متقدم؛ فلا يوصف بأنه صاف معهم، وليس في هذا الحديث ذكر كم صفًّا صفهم.
(1)
عمدة القاري: (8/ 19).
(2)
الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (المتوفى: 581 هـ)، المحقق: عمر عبد السلام السلامي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1، 1421 هـ/ 2000 م. قال (واسم هذا النجاشي: أصحمة بن أبجر وتفسيره عطية. (3/ 120)
(3)
الطبقات الكبرى، محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله البصري الزهري، إحسان عباس،، دار صادر - بيروت، ط 1 - 1968 م، (1/ 208 و 259).
(4)
صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله عز وجل (3/ 1397)(1774).
(5)
الروض الأنف (3/ 159).
وفيه: دليل على أن سنة هذه الصلاة الصف كسائر الصلوات، وروى الترمذي من حديث مالك بن هبيرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب"
(1)
، أي: وجب له الجنة أو المغفرة.
[91 أ/ص م]
وروى النسائي من رواية الحكم بن فروخ قال: "صلى بنا أبو المليح على جنازة، فظننا أنه كبر فأقبل علينا بوجهه، وقال: أقيموا صفوفكم، وليحسن
(2)
شفاعتكم، قال أبو المليح: حدثني عبد الله عن أحدى أمهات المؤمنين -وهي ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "ما من ميت يصلي عليه أمة من الناس، إلا شفعوا فيه، /فسألت أبا المليح عن الأمة قال أربعون"
(3)
.
(وَكَبَّرَ أَرْبَعًا) منها تكبيرة الإحرام، ومطابقة الحديث للترجمة من حيث النظر إلى مجرد النعي، كذا قال العيني
(4)
، وقال الكرماني: المؤمنون أهل النجاشي من حيث أخوة الإسلام
(5)
، وتعقبه العيني: بأن الأهل لا يستعمل عرفًا في أخوة الإسلام كما مر؛ اللهم إلا إذا ارتكب المجاز فيه
(6)
.
وقال الحافظ العسقلاني: إن النجاشي كان غريبًا في ديار قومه، فكان للمسلمين أخًا، فكانوا أخص به من قرابته، ويحتمل أن يكون بعض أقرباء النجاشي كان بالمدينة حينئذ- ممن قدم مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من الحبشة، كذي مخمر ابن أخي النجاشي، والله أعلم
(7)
.
(1)
سنن الترمذي: كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الجنازة والشفاعة للميت (3/ 347)، (1028). وقال: حديث مالك بن هبيرة حديث حسن هكذا رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق.
(2)
[ولتحسن] في المجتبى.
(3)
السنن الصغرى للنسائي، كتاب الجنائز، باب: فضل من صلى عليه مائة (4/ 76)، (1993)، من طريق أبي المليح، عن عبد الله وهو ابن سليط، عن إحدى أمهات المؤمنين وهي ميمونة، إسناده حسن رجاله ثقات وصدوقيين عدا عبد الله بن سليط الحجازي وهو مقبول. وله شاهد من حديث عائشة عند مسلم (2/ 654)(947).
(4)
عمدة القاري (8/ 18).
(5)
الكواكب الدراري للكرماني (7/ 56).
(6)
عمدة القاري (8/ 18).
(7)
فتح الباري (3/ 117).
وقد أخرج هذا الحديث مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، في "الجنائز" أيضًا
(1)
.
وفي الحديث: إباحة النعي، وهو أن يُنادَى في الناس أن فلانًا مات؛ ليشهدوا جنازته، قال بعض أهل العلم: لا بأس أن يُعلِم الرجل قرابته وإخوانه، وروى ذلك إبراهيم، وقال الشيخ زين الدين: إعلام أهل الميت، وقرابته، وأصدقائه استحسنه المحققون، والأكثرون من أصحابنا وغيرهم.
وذكر صاحب "الحاوي" من الشافعية وجهين في استحباب النداء بالميت، وإشاعة موته بالنداء؛ فاستحب ذلك بعضهم للغريب والقريب؛ لما فيه من كثرة المصلين عليه، والداعين له، وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب، ولا يستحب لغيره
(2)
.
وقال النووي: والمختار استحبابه مطلقًا إذا كان مجرد إعلام
(3)
، وفي التوضيح: وقال صاحب البيان من أصحابنا: يكره نعي الميت، وهو أن يُنادَى عليه في الناس إن فلانًا قد مات؛ ليشهدوا
(1)
* صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه (2/ 72) (1245). * صحيح مسلم: كتاب الجنائز، باب في التكبير على الجنازة (2/ 652)، (951). * سنن الترمذي: كتاب الجنائز، باب ما جاء في التكبير على الجنازة ((3/ 342) (1022). *سنن أبي داود: كتاب الجنائز، باب في الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك (2/ 212)، (3204). * سنن الكبرى للنسائي: كتاب الجنائز، الصفوف على الجنازة (1/ 642)، (2098). *سنن ابن ماجة: كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على النجاشي (1/ 490)، (1534).
(2)
الحاوي الكبير، علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري الشافعي، تحقيق الشيخ علي محمد معوض - الشيخ عادل أحمد عبد الموجود
، دار الكتب العلمية، 1419 هـ -1999 م، بيروت - لبنان (3/ 5).
(3)
شرح النووي على صحيح مسلم (7/ 21).
جنازته
(1)
، وفي وجه حكاه الصيدلاني: لا يكره، وفي حلية الروياني من أصحابنا الاختيار أن ينادي به؛ ليكثر المصلون
(2)
.
وقال ابن الصباغ
(3)
: قال أصحابنا يكره النداء عليه، ولا بأس أن يعلم أصدقاءه
(4)
، وبه قال أحمد
(5)
، وقال أبو حنيفة: لا بأس به
(6)
.
ونقله العبدري عن مالك أيضًا، ونقل ابن التين عن مالك: كراهة النداء بالجنائز على أبواب المساجد والأسواق؛ لأنه من النعي
(7)
، قال علقمة بن قيس: النداء بالجنائز من النعي، وهو من أمر الجاهلية
(8)
.
وقال البيهقي: وروى النهي أيضًا عن ابن عمر، وابن سعيد، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، وإبراهيم النخعي، والربيع بن خيثم؛ انتهى
(9)
.
(1)
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة،، أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520 هـ)، حققه: د محمد حجي وآخرون،، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، ط الثانية، 1408 هـ - 1988 م (2/ 217).
(2)
التوضيح (9/ 412).
(3)
ابن الصباغ (400 - 477 هـ)، هو عبد السيد محمد بن عبد الواحد، أبو نصر، المعروف بابن الصباغ. ولد وتوفي ببغداد. من تصانيفه:" تذكرة العالم "، و " العدة "، و " الكامل "، و " الشامل ". طبقات الشافعية الكبرى، تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي، تحقيق د. محمود محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، 1413 هـ (4/ 85). ووفيات الأعيان وإنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، سنة الولادة 608 هـ/ سنة الوفاة 681 هـ، تحقيق احسان عباس،، دار الثقافة، لبنان (3/ 217).
(4)
المجموع (5/ 170).
(5)
الفروع وتصحيح الفروع، محمد بن مفلح المقدسي أبو عبد الله، تحقيق أبو الزهراء حازم القاضي،، دار الكتب العلمية، 1418، بيروت (2/ 192).
(6)
المحيط البرهانى، (3/ 101_102).
(7)
الذخيرة للقرافي (2/ 457).
(8)
رواه بنحوه عبدالرزاق في مصنفه: كتاب الجنائز، باب النعي على الميت (3/ 390)، (6053). وابن أبي شيبة في مصنفه: ما قالوا في الأذان بالجنازة من كرهه (2/ 475)، (11212).
(9)
سنن البيهقي الكبرى: كتاب الجنائز، باب من كره النعي والإيذان والقدر الذي لا يكره منه (4/ 74)، (6971).
وروى أيضًا عن أبي وائل وأبي ميسرة، وعلي بن الحسين، وسويد بن غفلة، ومطرف بن عبد الله، ونصر بن عمران أبي حمزة
(1)
.
[92 أ/س]
/وروى الترمذي من حديث حذيفة رضي الله عنه أنه قال: إذا مت فلا تُؤذِنوا بي أحدًا؛ فإني أخاف أن يكون نعيًا، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذنَيَّ هاتين ينهى عن النعي. وقال: هذا حديث حسن
(2)
، وروى أيضًا من حديث عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والنعي؛ فإن النعي من أمر الجاهلية
(3)
". وقال حديث غريب.
والمجوزون احتجوا بحديث الباب، وبما ورد في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى للناس زيدًا وجعفرًا
(4)
، وفي الصحيح أيضًا: قول فاطمة رضي الله عنها حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم: "وا أبتاه، من ربه ما أدناه، وا أبتاه، إلى جبرئل ينعاه
(5)
".
وفي الصحيح أيضًا في قصة الرجل الذي مات ودُفِن ليلًا؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفلا كنتم آذنتموني
(6)
"، فهذه الأحاديث دالة على جواز النعي، والمنهي إنما هو نعي الجاهلية الذي يشتمل على ذكر المفاخر والمناقب، كما مر.
(1)
رواه عنهم ابن أبي شيبة في (مصنفه): ما قالوا في الأذان بالجنازة من كرهه (2/ 475)(11205 - 11216).
(2)
سنن الترمذي: كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية النعي (3/ 313)، (986) من طريق، حبيب بن سليم العبسي، عن بلال بن يحيى العبسي، عن حذيفة بن اليمان، وقال حديث حسن.
(3)
سنن الترمذي: كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية النعي (3/ 312)، (984) من طريق عنبسة، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله،. ومن طريق سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال: حدثنا عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان الثوري، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله نحوه، ولم يرفعه، ولم يذكر فيه والنعي أذان بالميت. وقال:«وهذا أصح من حديث عنبسة، عن أبي حمزة» -ومعلوم أنه لفظ لا يقتضي الصحة- وأبو حمزة هو ميمون الأعور وليس هو بالقوي عند أهل الحديث ": «حديث عبد الله حديث غريب» هذا موقوف ضعيف.
(4)
صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه (2/ 72)، (ر 1246).
(5)
نفس المصدر: كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته (6/ 15)، (ر 4462).
(6)
نفس المصدر: كتاب الجنائز، باب الإذن بالجنازة (2/ 72)، (ر 1247). بلفظ " مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فَمَاتَ بِاللَّيْلِ، فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي؟» قَالُوا: كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا، وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ"
فإن قيل: إن حديث النجاشي /لم يكن نعيًا، وإنما كان مجرد إخبار بموته، فسمى نعيًا؛ لشبهه به في كونه إعلامًا، وكذا القول في زيد وجعفر.
[41 ب/س]
والجواب: أن الأصل هو الحقيقة؛ على أن حديث النجاشي أصح من حديث حذيفة رضي الله عنه وعبد الله رضي الله عنه، فإن قيل قال ابن بطال: إنما نعى النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي وصلى عليه؛ لأنه كان عند بعض الناس على غير الإسلام، فأراد إعلامهم بصحة إسلامه
(1)
، والجواب أن نعيه صلى الله عليه وسلم زيدًا وجعفر وغيرهما رضي الله عنهم يرد ذلك.
وفي الحديث أيضًا أنه لا يصلى على الجنازة في المسجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بموته في المسجد، ثم خرج مع المسلمين إلى المصلى؛ وهذا مذهب أبي حنيفة: أنه لا يُصلَّى على ميت في مسجد جماعة، وبه قال مالك وابن أبي ذئب
(2)
، وعند الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور- لا بأس بها إذا لم يخف تلويثه
(3)
، واحتجوا بما روى ابن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عنه:"أنه لما توفي أمرت عائشة رضي الله عنها بإدخال جنازته المسجد حتى صلى عليها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قالت: هل عاب الناس علينا ما فعلنا؟ فقيل لها: نعم، فقالت: ما أسرع ما نسوا، ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة سهيل بن البيضاء إلا في المسجد" رواه مسلم
(4)
.
(1)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/ 243).
(2)
الدر المختار (2/ 227). وشرح فتح القدير، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي، دار الفكر، بيروت (2/ 128). وبداية المجتهد ونهاية المقتصد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الشهير بابن رشد الحفيد (المتوفى: 595 هـ)، دار الحديث - القاهرة، 1425 هـ - 2004 م (1/ 257).
(3)
المهذب، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، دار الكتب العلمية (1/ 245). ومغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، دار الكتب العلمية، ط: الأولى، 1415 هـ - 1994 م، (2/ 50). والمغني، عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد، دار الفكر، 1405، بيروت (2/ 185).
(4)
صحيح مسلم: كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد، (2/ 668)، (973).
[92 أ/ص]
واحتج أصحابنا الحنفية بحديث ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى على ميت في المسجد؛ فلا شيء له
(1)
". رواه /أبو داود بهذا اللفظ
(2)
، ورواه ابن ماجة، ولفظه:"فليس له شيء"
(3)
، وقال الخطيب: المحفوظ "فلا شيء له"، ورُوِي:"فلا شيء عليه"، ورُوِيَ:"فلا أجر له"، وقال ابن عبد البر رواية:"فلا أجر له" خطأ فاحش، والصحيح: "فلا شيء له
(4)
"، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ "فلا صلاة له"
(5)
.
(1)
مسند أبي داود الطيالسي، أبو داود سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي البصرى (المتوفى: 204 هـ) تحقيق: الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي، دار هجر - مصر، الطبعة: الأولى، 1419 هـ - 1999 م، ما أسند أبو هريرة، صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة (4/ 72)(2429).
(2)
سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد (3/ 207) (3191) من طريق: مسدد، حدثنا يحيى، عن ابن أبي ذئب، حدثني صالح، مولى التوأمة، عن أبي هريرة، ولكن بلفظ:"من صلى على جنازة في المسجد؛ فلا شيء عليه"، وهو ضعيف فيما انفرد به، لا سيما أنه خالف في رواية هذه حديثَ عائشة الصحيح السابق، وقد ضعف هذا الحديثَ الامامُ أحمد فيما حكاه النووي في "شرح مسلم (7/ 40). وقال ابن حجر في "التقريب" (ص: 274) (2892): صدوق اختلط [بآخره] قال ابن عدي لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج.
(3)
سنن ابن ماجه: كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على الجنائز في المسجد (1/ 486) (1517) من طريق: وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن صالح، مولى التوأمة، عن أبي هريرة إسناده ضعيف. صالح مولى التوأمة قد اختلط، وهو ضعيف فيما انفرد به، لا سيما أنه خالف في رواية هذه حديثَ عائشة الصحيح السابق، وقد ضعف هذا الحديثَ الامامُ أحمد فيما حكاه النووي في "شرح مسلم (7/ 40).
(4)
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد،، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463 هـ)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، 1387 هـ (21/ 221).
(5)
مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الجنائز، من كره الصلاة على الجنازة في المسجد (3/ 44)، (11972) وفي بعض النسخ " فلا شيء له" من طريق: ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة أيضًا. إسناده ضعيف. صالح مولى التوأمة قد اختلط، وهو ضعيف فيما انفرد به، لا سيما أنه خالف في رواية هذه حديثَ عائشة الصحيح السابق، وقد ضعف هذا الحديثَ الامامُ أحمد فيما حكاه النووي في "شرح مسلم (7/ 40).
فإن قيل: روى ابن عدي في (الكامل) هذا الحديث، وعده من منكرات صالح، ثم أسند إلى شعبة أنه كان لا يروي عنه، وينهى عنه، وإلى مالك لا تأخذوا منه شيئًا؛ فإنه ليس بثقة، وإلى النسائي أنه قال فيه: ضعيف
(1)
.
وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: اختلط في آخره، ولم يتميز حديثه من قديمه، فاستحق الترك، ثم ذكر له هذا الحديث، وقال: إنه باطل، وكيف يقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى على سهيل بن البيضاء في المسجد
(2)
؟.
وقال البيهقي: صالح مختلف في عدالته، كان مالك يجرحه
(3)
، وقال النووي: إنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به
(4)
، قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف؛ تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف
(5)
، وقال النووي أيضًا: إن الذي في النسخ المشهورة المسموعة من سنن أبي داود: "فلا شيء عليه"، فلا حجة فيه، وإن اللام فيه يجوز أن تكون بمعنى على، كما في قوله تعالى:{وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء:، 7] أي: فعليها؛ جمعًا بين الأحاديث
(6)
.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن أبا داود روى هذا الحديث وسكت عنه، وهذا دليل رضاه به، وأنه صحيح عنده.
(1)
الكامل في ضعفاء الرجال (4/ 56).
(2)
المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354 هـ) المحقق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي - حلب، الطبعة: الأولى، 1396 هـ (1/ 366)، (485).
(3)
السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، المحقق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنات، الطبعة: الثالثة، 1424 هـ - 2003 م (4/ 86)(7040).
(4)
شرح النووي على صحيح مسلم (7/ 40).
(5)
العلل ومعرفة الرجال، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241 هـ)، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، دار الخاني، الرياض، الطبعة: الثانية، 1422 هـ - 201 م.
(6)
شرح النووي على صحيح مسلم (7/ 40).
الثاني: أن يحيى بن معين، وهو فيصل في هذا الباب قال: صالح ثقة؛ إلا أنه اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة، وممن سمع منه قبل الاختلاط ابن أبي ذئب
(1)
.
الثالث: أنه قال ابن عبد البر منهم من يقبل عن صالح ما رواه ابن أبي ذئب خاصة
(2)
.
الرابع: أن غالب ما ذكر فيه تحامل، ومن ذلك قول النووي: إن الذي في النسخ المشهورة المسموعة من سنن أبي داود: "فلا شيء عليه"، فإنه يرده قول الخطيب المحفوظ:"فلا شيء له"، وقول السروجي
(3)
في الأسرار "فلا صلاة له"، وفي المرغيناني
(4)
: "فلا أجر له
(5)
".
ومن تحاملهم جعل اللام بمعنى على بالتحكم من غير دليل، ولا داع إلى ذلك، ولا سيما أن المجاز عندهم ضروري، لا يصار إليه إلا عند الضرورة ولا ضرورة ههنا، وأقوى ما يرد كلامه هذا رواية ابن أبي شيبة:"فلا صلاة له"، فلا يمكن له أن يقول: اللام بمعنى على لفساد المعنى.
[93 أ/س]
الخامس: أن قول ابن حبان هذا باطل جرأة منه على تبطيل /الصواب، فكيف يقول هذا القول، وقد رواه أبو داود، وسكت عنه؟ فأقل الأمر أنه عنده حسن؛ لأنه رضي به، وحاشاه من أن يرضى بالباطل.
السادس: ما قاله الجهبذ النَّقَّاد الإمام أبو جعفر الطحاوي: ملخصًا أن الروايات لما اختلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، يحتاج إلى الكشف؛ ليعلم المتأخر منها، فيُجعل ناسخًا لما تقدم؛ فحديث عائشة رضي الله عنها إخبار عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال الإباحة التي لم يتقدمها شيء،
(1)
نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي،، جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد، المحقق: محمد عوامة، مؤسسة الريان للطباعة والنشر - بيروت -لبنان/ دار القبلة للثقافة الإسلامية- جدة - السعودية، الطبعة: الأولى، 1418 هـ/1997 م (2/ 275).
(2)
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. (21/ 221).
(3)
هو: أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي، أبو العباس، شمس الدين: فقيه، كان حنبليا وتحول حنفيا. وأشخص من دمشق إلى مصر، فولي الحكم الشرعي فيها مدة ونعت بقاضي القضاة (ت: 710 هـ). الأعلام للزركلي (1/ 86).
(4)
الهداية في شرح بداية المبتدي (1/ 91).
(5)
نصب الراية (2/ 275).
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه إخبار عن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تقدمته الإباحة فصار ناسخًا لحديث عائشة رضي الله عنها، وإنكار الصحابة عليها مما يؤكد ذلك، وهذا النسخ من قبيل النسخ بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد النصين موجبًا للحظر، والآخر موجبًا للإباحة، ففي مثل هذا يتعين المصير إلى النص الموجب للحظر؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، والحظر طارئ عليها، فيكون متأخرا عنها، ولم يجعل الأمر بالعكس لئلا يلزم النسخ مرتين وهو ظاهر
(1)
.
فإن قيل: ليس بين الحديثين مساواة؛ فلا تعارض فلا يحتاج إلى التوفيق.
فالجواب: أنه ظهر لك صحة حديث أبي هريرة رضي الله عنه من الوجوه التي ذكرت، فثبت التعارض.
فإن قيل: قد أخرج مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، ولم يخرج حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
فالجواب: أنه لا يلزم من ترك مسلم تخريجه عدم صحته؛ لأنه لم يلتزم باخراج كل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك البخاري ولئن سلمنا بذلك، وأن حديث أبي هريرة رضي الله عنه لا يخلو عن كلام، فكذلك حديث عائشة رضي الله عنها لا يخلو عن كلام؛ لأن جماعة من الحفاظ مثل: الدارقطني وغيره- عابوا مسلمًا على تخريجه إياه مسندًا لأن الصحيح أنه مرسل، كما رواه مالك والماجشون عن أبي النضر عن عائشة مرسلًا، والمرسل ليس بحجة عندهم.
[41 ب/ص]
وقد أوَّل بعض أصحابنا حديث عائشة /بأنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى في المسجد بعذر المطر، وقيل بعذر الاعتكاف، وعلى كل تقدير: الصلاة على الجنازة خارج المسجد أولى وأفضل؛ بل أوجب للخروج عن الخلاف، لا سيما في باب العبادات، ولأن المسجد بُنِي لأداء الصلاة المكتوبة؛ فيكون غيرها في خارج المسجد أولى وأفضل
(2)
.
(1)
شرح معاني الآثار، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321 هـ)، حققه وقدم له:(محمد زهري النجار - محمد سيد جاد الحق) من علماء الأزهر الشريف، راجعه ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: د يوسف عبد الرحمن المرعشلي -، عالم الكتب، الطبعة: الأولى - 1414 هـ، 1994 م، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة هل ينبغي أن تكون في المساجد أو لا؟ (1/ 492)(2824).
(2)
عمدة القاري (8/ 21).
[93 أ/ص]
وفي الحديث أيضًا: جواز الصلاة على الغائب، كما ذهب إليه الشافعي وأحمد، /قال النووي: فإن كان الميت في البلد، فالمذهب أنه لا يجوز أن يُصَلَّى عليه حتى يحضر عنده، وقيل: يجوز، وفي الرافعي ينبغي ألا يكون بين الإمام والميت أكثر من مائتي ذراع أو ثلثمائة تقريبًا
(1)
.
قال الخطابي: النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق نبوته، إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه، إلا أنه كان بين ظهراني أهل الكفر، ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك؛ إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به، فهذا -والله أعلم- هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب، فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان، وقد قضى حقه من الصلاة عليه؛ فإنه لا يصلي عليه من كان ببلد آخر غائبًا عنه، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع عذر؛ كانت السنة أن يصلي عليه، ولا يترك ذلك؛ لبعد المسافة، فإذا صلوا عليه، استقبلوا القبلة، ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهة القبلة.
وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الصلاة على الميت الغائب، وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصًا بهذا الفعل؛ إذ كان في حكم المشاهد للنجاشي؛ لما رُوِي في بعض الأخبار: أنه قد سويت له الأرض؛ حتى يبصر مكانه، وهذا تأويل فاسد؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فعل شيئًا من أفعال الشريعة كان علينا اتباعه، والايتساء به، والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، ومما يبين ذلك أنه صلى الله عليه وسلم خرج بالناس إلى المصلى، فصف بهم، وصلوا معهم، فعلم أن هذا التأويل فاسد. انتهى ما قاله الخطابي
(2)
.
(1)
المجموع (5/ 205) وفتح العزيز بشرح الوجيز، الشرح الكبير: وهو شرح لكتاب الوجيز في الفقه الشافعي لأبي حامد الغزالي (المتوفى: 505 هـ)، عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (المتوفى: 623 هـ)، دار الفكر (5/ 191). .
(2)
معالم السنن، وهو شرح سنن أبي داود، أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (المتوفى: 388 هـ)، المطبعة العلمية - حلب، الطبعة: الأولى 1351 هـ - 1932 م (1/ 310_311).
وأنت خبير بأنه تشنيع على الحنفية _أيدهم الله_ من غير توجيه ولا تحقيق، ودفعه أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع له سريره على طريق خرق العادة فرآه، فيكون الصلاة عليه كالصلاة على الميت، رآه الإمام ولا يراه المأموم، وليس ذلك مجرد احتمال؛ بل له بينة
(1)
، وهي ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث عمر ابن الحصين رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخاكم النجاشي توفي، فقوموا عليه"، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصفُّوا خلفه، فكبر أربعًا، وهم لا يظنون أن جنازته بين يديه"
(2)
.
[94 أ/س]
وجواب آخر: أنه من باب الضرورة؛ لأنه مات بأرض لم يقم فيها عليه فريضة الصلاة، فتعين /فرض الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم؛ لعدم من يصلي عليه ثمة، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على غائب غيره، وقد مات من الصحابة خلق كثير وهم غائبون عنه صلى الله عليه وسلم، وسمع بهم فلم يصل عليهم إلا غائبًا واحدًا ورد أنه طويت له الأرض حتى حضره، وهو معاوية بن معاوية المزني، روى حديثه الطبراني في معجمه الأوسط، وكتاب مسند الشاميين قال: حدثنا علي بن سعيد المرازي، ثنا نوح بن عمير السكسكي، ثنا بقية بن الوليد، عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول صلى الله عليه وسلم بتبوك؛ فنزل عليه جبريل عليه السلام، فقال: يا رسول الله، إن معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة، أتحب أن تُطوى لك الأرض؛ فتصلي عليه؟ قال: "نعم، فضرب بجناحه الأرض، ورفع له سريره، فصلى
(3)
عليه، وخلفه صفان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك، ثم رجع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: عليه السلام بم أدرك هذا؟ قال: بحبه سورة قل هو الله أحد، وقراءته إياها جائيًا، وذاهبًا، وقائمًا، وقاعدًا، وعلى كل حال".
(4)
انتهى.
(1)
عمدة القاري (8/ 22).
(2)
صحيح ابن حبان، ذكر البيان بأن المصطفى صلى الله عليه وسلم نعى إلى الناس النجاشي في اليوم الذي توفي فيه (7/ 369). (3102) من طريق: يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو قلابة، عن عمه، عن عمران بن حصين، إسناده صحيح رجاله ثقات. عم أبي قلابة: هو المهلب الجرمي البصري، روى له مسلم وأصحاب السنن.
(3)
[وصلى] في ب.
(4)
إسناده فيه متهم بالوضع، وهو نوح بن عمرو السكسكي وهو متهم بالكذب، وقال الذهبي في"ميزان الاعتدال" (4/ 278) (9139 قال ابن حبان: يقال إنه سرق هذا الحديث، هذا حديث منكر. وأخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"، من اسمه علي (4/ 163) (3874) وقال: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن زياد إلا بقية، تفرد به: نوح بن عمر الحمصي،. ومسند الشاميين، محمد بن زياد عن أبي أمامة الباهلي (2/ 12)(831). وعمدة القاري (8/ 22).
فإن قيل: قد صلى على اثنين أيضًا وهما غائبان: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، أخرج الواقدي في كتاب المغازي، قال: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة، وحدثني عبد الجبار بن عمارة عن عبد الله بن أبي بكر قالا: لما التقى الناس بمؤته، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وكُشِف له ما بينه وبين الشام، فهو ينظر إلى معركتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: أخذ الراية زيد بن حارثة، فمضى حتى استشهد وصلى عليه ودعا له، وقال: استغفروا له، وقد دخل الجنة وهو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فمضى حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له، وقال: استغفروا له، وقد دخل الجنة؛ فهو يطير فيها بجناحين حيث شاء"
(1)
.
فالجواب: أنه مرسل من الطريقين المذكورين، والمرسل ليس بحجة عندهم، على أنهم يقولون: في الواقدي مقال
(2)
.
[94 أ/ص]
وقال صاحب التوضيح: في معرض التحامل، ومن ادعى أن الأرض طويت له حتى شاهده- لا دليل عليه، وإن كانت القدرة صالحة لذلك
(3)
، فكأنه لم يطلع على ما رواه ابن حبان والطبراني، وقد ذكر آنفًا، ووقع في كلام ابن بطال تخصيص ذلك بالنجاشي، وقال: ولم أجد لأحد من العلماء إجازة الصلاة على الغائب؛ / إلا ما ذكره ابن زيد عن عبدالعزيز بن أبي
(4)
سلمة؛ فإنه قال: إذا
(1)
المغازي للواقدي،، أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الواقدي (المتوفى: 207 هـ) مارسدن جونس، بيروت-عالم الكتب (2/ 762)، وأخرجه أبو نعيم الأصبهانيفي "دلائل النبوة"(1/ 528)(457)، من طريق محمد بن أحمد، ثنا الحسن بن الجهم قال: ثنا الحسين بن الفرج قال: ثنا محمد بن عمر الواقدي، إسناد ضعيف لأن به موضع إرسال، وفيه: الحسين بن الفرج الخياط، وهو متروك الحديث، لسان الميزان (3/ 200)(2592).
(2)
عمدة القاري (8/ 22).
(3)
التوضيح (9/ 416).
(4)
سقط [أبي] في ب.
استؤذن
(1)
أنه غرق أو قتل أو أكلته السباع ولم يوجد منه شيء- صلى عليه كما فعل بالنجاشي، وبه قال ابن حبيب
(2)
. وقال ابن عبد البر: أكثر أهل العلم يقولون: إن ذلك مخصوص به
(3)
.
وأجازه بعضهم إذا كان في يوم الموت أو قريب منه؛ وفي المصنف عن الحسن "أنه دعا له، ولم يصل عليه"
(4)
، والله أعلم؛ وفي الحديث أيضًا أن التكبير على الجنازة يكون أربع تكبيرات، وصرح بذلك في الحديث، وهو آخر ما استقر عليه أمره صلى الله عليه وسلم
(5)
؛ وقال ابن أبي ليلى: يكبر خمسًا
(6)
، وإليه ذهبت الشيعة
(7)
.
[42 ب/س]
وقيل: ثلاث، قاله بعض المتقدمين
(8)
، وقيل: أكثره سبع وأقله ثلاث
(9)
، ذكره القاضي أبو محمد، وقيل: ست، /ذكره ابن المنذر عن علي رضي الله عنه
(10)
، وعن أحمد لا ينقص من أربع، ولا يزاد على سبع
(11)
،
(1)
[استوقن] في شرح ابن بطال.
(2)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/ 244).
(3)
التمهيد لابن عبد البر (6/ 329).
(4)
مصنف ابن أبي شيبة، ما ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته على النجاشي (3/ 43)، (11956)، من طريق حفص، عن أشعث، عن الحسن وابن سيرين. أشعث: هو ابن سوار الكندي، وهو ضعيف وقال أبو زرعة: لين. وقال النسائي: ضعيف. "ميزان الاعتدال"(1/ 263)(996)، والحديث مرسل.
(5)
وهو قول عمر وعلي وابن مسعود والبراء وعقبة بن عامر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة والحسن بن علي وابن عمر وابن سيرين وانب الحنفية وابن مجلز وعبد الله بن أوفي والنخعي وقيس بن أبي حازم وسويد فيما رواه عنهم ابن أبي شيبة، في "مصنفه" كتاب الجنائز، ما قالوا في التكبير على الجنازة من كبر أربعا (2/ 493 - 496)، (11416 - 11446).
(6)
وهو: قول زيد بن أرقم وابن مسعود ومعاذ بن جبل وحذيفة وعلي، مصنف ابنأبي شيبة، كتاب الجنائز، من كان يكبر على الجنازة خمسًا (2/ 496)، (11447_11454).
(7)
المقنعة، فخر الشيعة أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي الملقب بالشيخ المفيد، تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي، الطبعة: الثانية، 1410 هـ. مؤسسة النشر الإسلامي (230).
(8)
مروى عن ابن عباس وانس بن مالك وجابر بن زيد، رواه عنهم ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الجنائز، من كبر على الجنازة ثلاثا (2/ 496)، (11455 - 11457).
(9)
هو قول بكر بن عبد الله، فيما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الجنائز، من كان يكبر على الجنازة سبعًا وتسعًا (2/ 497)، (11464).
(10)
نفس المصدر: (2/ 495 - 497)، (11435، 11454، 11463، 11465).
(11)
المغني لابن قدامة (2/ 196).
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "يكبر ما كبر إمامه"
(1)
.
وروى مسلم من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان زيد بن أرقم يكبر على الجنائز أربعًا، وإنه كبر على جنازة خمسًا؛ فسألته فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها
(2)
، ورواه أيضًا: أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والطحاوي، وقال: ذهب قوم إلى أن التكبير على الجنائز خمس، وأخذوا بهذا الحديث
(3)
، وأراد بالقوم هؤلاء: عبدالرحمن بن أبي ليلى، وعيسى مولى حذيفة، وأصحاب معاذ بن جبل، وأبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة، وإليه ذهبت الظاهرية والشيعة؛ وفي "المبسوط" وهي رواية عن أبي يوسف
(4)
.
وقال الحازمي
(5)
: وممن رأى التكبير على الجنازة خمسًا: ابن مسعود، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم
(6)
، وقالت فرقة: يكبر سبعًا، رُوِي ذلك عن زر بن حبيش
(7)
، وقالت فرقة: يكبر ثلاثًا، رُوِي ذلك عن أنس وجابر بن زيد
(8)
، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنها
(9)
تحية طيبة وبعد
وقال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون
(10)
، وأراد بهم محمد ابن الحنفية، وعطاء بن أبي رباح، وابن سيرين، والنخعي، وسويد بن غفلة، والثوري، وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعي، وأحمد،
(1)
مصنف ابن أبي شيبة (2/ 496)، (11450)، من طريق وكيع، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن علقمة بن قيس، رجاله ثقات، وقد روى الطبراني في الكبير (9/ 321)(9604) قول ابن مسعود.
(2)
صحيح مسلم: كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر (2/ 659)، (957). من طريق: جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى * سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب التكبير على الجنازة (03/ 210)(3197)، وسنن الترمذي: كتاب الجنائز، باب ما جاء في التكبير على الجنازة (3/ 343)، (1023) *سنن ابن ماجة، كتاب الجنائز، باب ما جاء فيمن كبر خمسًا (1/ 482)، (1505) *شرح معاني الآثار للطحاوي، باب التكبير على الجنائز كم هو؟ (1/ 494).
(3)
شرح معاني الآثار للطحاوي، باب: التكبير على الجنائز كم هو؟ (1/ 494).
(4)
المبسوط للسرخسي (3/ 63).
(5)
لم أقف على كلامه في كتبه، وأورده العيني في عمده القاري (8/ 23).
(6)
مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، من كان يكبر على الجنازة خمسا (2/ 496)، (11447 - 11454).
(7)
سقط [وقالت فرقة يكبر سبعًا روى ذلك عن زر بن حبيش] من ب.
(8)
رواه عنهم ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الجنائز، من كبر على الجنازة ثلاثًا (2/ 496)، (11455 - 11457).
(9)
الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (المتوفى: 319 هـ)، أبو حماد صغير أحمد بن محمد حنيف، دار طيبة - الرياض - السعودية، الطبعة: الأولى - 1405 هـ، 1985 م (5/ 429).
(10)
شرح معاني الآثار للطحاوي، باب: التكبير على الجنائز كم هو؟ (1/ 494).
وأبا مجلز لاحق بن حميد، ويحكي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن أبي أوفى، والحسن بن على، والبراء بن عازب، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر رضي الله عنهم
(1)
.
[95 أ/س]
ولم يذكر التسليم هنا في حديث النجاشي، /وذكر في حديث سعيد بن المسيب من رواية ابن حبيب عن مطرف عن مالك، واستغربه ابن عبد البر
(2)
قال: إلا أنه لا خلاف علمته بين العلماء من الصحابة والتابعين؛ فمن بعدهم من الفقهاء في السلام منها، وإنما اختلفوا: هل هي واحدة، أو اثنتان؟ فالجمهور على تسليمه واحدة، وهو أحد قولي الشافعي
(3)
، وقالت طائفة: تسليمتان، وهو قول أبي حنيفة
(4)
والشافعي
(5)
، وهو قول الشعبي أيضًا، ورواية عن إبراهيم
(6)
.
(1)
رواه عنهم ابن أبي شيبة، في "مصنفه" كتاب الجنائز، ما قالوا في التكبير على الجنازة من كبر أربعا (2/ 493 - 496)، (11416 - 11446).
(2)
قال: وهذا غير معروف في هذا الحديث عن مالك من رواية مطرف، وغيره، وإنما أَخَذَ الحديثَ من أصحاب ابن شهابٍ، مالكٌ، وغيرُهُ، وكبر أربع تكبيرات، ولم يَذكر فيه أحدٌ السلامَ غير ابن حبيب، ينظر: الاستذكار، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463 هـ)، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1421 - 2000 (3/ 31). .
(3)
الأم، الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204 هـ)، دار المعرفة - بيروت، 1410 هـ/1990 م (1/ 323)، والبيان والتحصيل (2/ 219)، والشرح الكبير على متن المقنع، عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي الجماعيلي الحنبلي، أبو الفرج، شمس الدين (المتوفى: 682 هـ)، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع (2/ 348).
(4)
المحيط البرهاني،، أبو المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي (المتوفى: 616 هـ)، المحقق: عبد الكريم سامي الجندي،، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2004 م (2/ 179). والفتح القدير (2/ 123).
(5)
الأم (1/ 323)، والمجموع (5/ 195 - 196)، والشرح الكبير على متن المقنع (2/ 348).
(6)
مصنف ابن أبي شيبة، في التسليم على الجنازة كم هو (2/ 500)، (ر 11503 و 11508). والاستذكار، (3/ 31).
وممن رُوِي عنه واحدة: عمر، وابنه عبد الله، وعلي، وابن عباس، وأبو هريرة، وجابر، وأنس، وابن أبي أوفي، وواثلة رضي الله عنهم، وسعيد بن جبير، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن سيرين، والحسن، ومكحول، وإبراهيم في رواية.
(1)
.
وقال ابن التين: وسأل أشهب مالكًا: أتكره السلام في صلاة الجنائز؟ قال: لا، وقد كان ابن عمر رضي الله عنها يسلم، قال: فاستناد مالك إلى فعل ابن عمر دليل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسلم في صلاته على النجاشي، ولا على غيره
(2)
.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رحمه الله:
1246 -
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ؛ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ؛ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ؛ فَأُصِيبَ - وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَتَذْرِفَانِ -، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ -مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ-؛ فَفُتِحَ لَهُ» .
قَالَ الشَّارِحُ رحمه الله:
(حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ
(3)
) -بفتح الميمين بينهما مهملة- عبد الله بن عمرو المقعد (قال
(4)
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ
(5)
) هو ابن سعيد (قال حَدَّثَنَا) وفي رواية أخبرنا (أَيُّوبُ
(6)
) هو السختياني.
(1)
رواه عنهم عبدالرزاق في مصنفه، كتاب الجنائز، باب تسليم الامام على الجنازة (3/ 494)، (6444، 6446، 6447). وابن أبي شيبة في مصنفه أيضًا، كتاب الجنائز، في التسليم على الجنازة كم هو؟ (2/ 499 - 500)، (11491 - 11502، 11504 - 11506).
(2)
عمدة القاري (8/ 23).
(3)
هو: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، واسمه ميسرة، التميمي المنقري، مولاهم، أبو معمر المقعد البصري، تهذيب الكمال (15/ 353)، (3449).
(4)
قال زاد على الأصل البخاري
(5)
هو: عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري، مولاهم، التنوري، أبو عبيدة البصري، والد عبد الصمد بن عبد الوارث. تهذيب الكمال (18/ 478)، (3595).
(6)
هو: أيوب بن أبي تميمة، واسمه كيسان، السختياني، أبو بكر البصري، مولى عنزة، ويقال: مولى جهينة، ومواليه حلفاء بني الحريش، وكان منزله في بني الحريش بالبصرة. (3/ 457)، (607).
(عَنْ حُمَيْدِ) بضم المهملة (بْنِ هِلَالٍ
(1)
) العدوي البصري (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَخَذَ الرَّايَةَ) أي: العلم (زَيْدٌ) هو ابن حارثة -بالمهملة والمثلثة- ابن شراحبيل بن كعب الكلبي، أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه، ولم يذكر الله -تعالى- أحدًا من الصحابة باسمه الخاص إلا زيدًا، قال الله -تعالى-:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا} [الأحزاب: 37].
[95 أ/ص]
وقصة ذلك أنه لما جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش
(2)
إلى مؤتة -بضم الميم، وسكون الواو، وبالفوقانية-، موضع في أرض البلقاء من أطراف الشام على نحو مرحلتين من بيت المقدس، في جمادي الأولى سنة ثمان، أمَّر عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد؛ فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر؛ فعبد الله بن رواحة على الناس، فخرجوا وهم ثلاثة آلاف، فتلاقوا مع الكفار فاقتتلوا، فقتل زيد بن حارثة، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، فقاتل بها حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل، ثم أخذها خالد بن الوليد رضي الله عنهم ففتح الله على يديه، /فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي خبرهم
(3)
.
فقال: أخذ الراية زيد (فَأُصِيبَ) أي: قُتِل (ثُمَّ أَخَذَهَا) أي: الراية (جَعْفَرٌ) هو ابن أبي طالب الهاشمي الطيار ذو الجناحين
(4)
؛ لما رُوِي أنه قطعت يداه يوم غزوة مؤتة، فجعل الله له جناحين يطير بهما، وهو صاحب الهجرتين الجواد بن الجواد، وكان أمير المهاجرين إلى الحبشة.
قال ابن عمر رضي الله عنها: "كنت في غزوة مؤتة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعًا وتسعين" وفي رواية "وسبعين جراحة من طعنة ورمية" رضي الله عنه
(5)
.
(1)
هو: حميد بن هلال بن هبيرة، ويقال: ابن سويد بن هبيرة العدوي، عدي تميم، أبو نصر البصري، تهذيب الكمال (7/ 403)، (1542).
(2)
[الجيش] سقط من (ب).
(3)
السيرة النبوية لابن هشام، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري أبو محمد، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل، 1411، بيروت (5/ 22).
(4)
صحيح البخاري، كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب جعفر بن أبي طالب الهاشمي رضي الله عنه (5/ 20)(3709).
(5)
صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشأم (5/ 143)(4291)، وصحيح ابن حبان، ذكر الاستحباب للإمام إذا أراد بعث سرية أن يولي عليها امراء جماعة واحدا بعد الآخر عند قتل الأول لكي لا يبقى المسلمون بلا سايس يسوسهم ولا أمير يحوطهم، (11/ 45)(4741).
(فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء، وتخفيف الواو، وبالحاء المهملة، الخزرجي المدني: أحد النقباء ليلة العقبة، كان أول خارج إلى الغزوات، وآخر قادم (فَأُصِيبَ - وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَتَذْرِفَانِ) بلام التأكيد، يقال: ذرفت عينه: إذا سال منها الدمع، وهو من باب ضرب يضرب
(1)
.
(ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) القرشي المخزومي، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة مؤتة سيف من سيوف الله، روى له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر حديثًا، للبخاري منها واحد، كان من المشهورين بالشجاعة والرياسة، وآثاره في إعلاء كلمة الله -تعالى- كثيرة، وهو الذي افتتح دمشق، مات بحمص سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر رضي الله عنه، وعنه:"لقد انقطعت في يدي يوم مؤته تسعة أسياف"
(2)
(مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ) -بكسر الهمزة، وسكون الميم، وفتح الراء- أي: من غير تأمير من النبي صلى الله عليه وسلم (فَفُتِحَ له) على البناء للمفعول.
[96 أ/س]
[42 ب/ص]
قال الخطابي: لما نظر خالد بعد موتهم إلى كثرة العدو، وشدة بأسهم، وخاف ضياع الأمر، وحصول الفساد، وهلاك من معه من المسلمين، تصدى للإمارة عليهم، وأخذ الراية من غير تأمير، وقاتل إلى أن فتح الله على المسلمين؛ فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعله؛ إذ وافق الحق، وإن لم يكن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذن، ولا من القوم الذين معه بيعة وتأمير، فصار هذا أصلا في الضرورات، /إذا وقعت في معاظم أمور الدين في أنها لا يُراعى فيها شرائط أحكامها عند عدم الضرورة، كذا في حقوق آحاد أعيان الناس، مثل: أن يموت رجل بفلاة وقد خلف تركة، فإنَّ على من شهده /حفظ ماله، وإيصاله إلى أهله، وإن لم يوص المتوفى بذلك؛ فإن النصيحة واجبة للمسلمين. انتهى
(3)
.
وحاصله: أنه إذا عظم الأمر، واشتد الخوف سقطت مراعاة الشرائط، وهذا الحديث من إعلام النبوة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر بإصابتهم في المدينة وهم بمؤته، وكان كما قال صلى الله عليه وسلم.
(1)
العين (8/ 181)، وتاج العروس، باب زرف (23/ 314).
(2)
تهذيب الكمال (8/ 189)، (1659).
(3)
أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، للإمام أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق: محمد بن سعد بن عبدالرحمن آل سعود، 1406 هـ (1/ 319).
وفي الحديث: جواز دخول الحظر في الوكالات، وتعليقها بالشرائط، وفيه: جواز البكاء على الميت، وفيه: أن الرحمة التي تكون في القلب محمودة، وفيه: جواز تولي أمر قوم من غير تولية، إذا خيف ضياعه، وحصول الفساد بتركه كما مر
(1)
.
وقد أخرج البخاري هذا الحديث في "الجهاد"، و"علامات النبوة"، و"فضل خالد"، و"المغازي" أيضًا، وأخرجه النسائي في "الجنائز"
(2)
.
قال الزين ابن المنير: وجه دخول قصة الأمراء في الترجمة أن نعيهم كان لأقربائهم، وللمسلمين الذين هم أهلهم من جهة الدين
(3)
.
(تتمه) قال ابن العربي: يُؤْخَذُ من مجموع الأحاديث، ثلاث حالات في النعي: الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح؛ فهذه سنة، الثانية: دعوة الجفلى
(4)
للمفاخرة، فهذه مكروهة، الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحوها، فهذه حرام، والله أعلم
(5)
.
(1)
نفس المصدر: (8/ 28).
(2)
صحيح البخاري: كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه (2/ 72)، (1246). وكتاب الجهاد، باب تمني الشهادة (4/ 17)، (2798). وكتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام (4/ 205)، (3630). وكتاب: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب: مناقب خالد بن الوليد رضي الله عنه (5/ 25)، (3757)، وكتاب المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشأم (5/ 143)، (4262). * سنن النسائي الكبرى، كتاب الجنائز، باب النعي، (1/ 615)، (2005).
(3)
فتح الباري (3/ 117).
(4)
وهو: أن تدعوَ الناس إلى طعامك عامة، الصحاح تاج اللغة [جفل](4/ 1657).
(5)
عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي المالكي. دار الكتب العلمية، بيروت -لبنان، (4/ 206).