الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ
.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رحمه الله:
وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِىُّ أَنْ يُجْعَلَ فِى قَبْرِهِ جَرِيدَانِ. وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَأَيْتُنِى وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِى زَمَنِ عُثْمَانَ - رضى الله عنه - وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِى يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِى خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِى عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِى عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ.
قَالَ الشَّارِحُ رحمه الله:
(باب) وضع (الْجَرِيدِ) أي: الذي يجرد منه الخوص. وفي رواية: الجريدة بالتاء
(1)
. قال في القاموس: ولا يسمى جريدًا ما دام عليه الخوص، وإنما يسمى سعفًا
(2)
.
(عَلَى الْقَبْرِ وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ) بضم الموحدة وفتح الراء ابن الحُصَيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبدالله (الأَسْلَمِىُّ) مات بمرو سنة اثنتين وستين
(3)
، وقد تقدم في: باب من ترك العصر.
(أَنْ يُجْعَلَ فِى قَبْرِهِ) ويروى على قبره
(4)
(جَرِيدَانِ) وفي رواية: "جريدتان". فعلى رواية في قبره: يحتمل أن يكون بُرَيْدَةُ أمر أن يجعل الجريدان في داخل القبر، لما في النخلة من البركة، لقوله تعالى:{كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: 24]. وعلى رواية: "على قبره" يحتمل أن يكون أمر أن يغرزا
(1)
إرشاد الساري (2/ 452).
(2)
لسان العرب، حرف الدال المهملة، فصل الجيم (3/ 119)، والقاموس المحيط، باب الدال، فصل الجيم (1/ 272).
(3)
تهذيب الكمال في أسماء الرجال، بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث (4/ 53)(661).
(4)
فتح الباري (3/ 223).
في ظاهر القبر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في وضعه على القبر، وهذا الأخير هو الأظهر، وإيراد المؤلف حديث القبرين في آخر الباب يدل عليه
(1)
.
وكأنّ بريدة رضي الله عنه حمل الحديث على عمومه ولم يره خاصًا بذينك الرجلين. قال ابن رشيد: لكن الظاهر من تصرف المؤلف أن ذلك خاص المنفعة بما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ببركته الحاصلة الخاصة به، وأن الذي ينفع أصحاب القبور إنما هي الأعمال الصالحة.
(2)
فلذلك عقبه بقوله: (وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما فُسْطَاطًا) بتثليث الفاء وسكون السين المهملة وبطائين مهملتين، وهو: الخباء والبيت من الشعر وقد يكون من غيره، ويجوز فيه إبدال الطاءين بمثناتين فوقيتين وإبدال أولاهما فقط وإدغامها
(3)
.
(عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بينه ابن سعد في روايته موصولًا من طريق أيوب بن
(4)
عبدالله بن يسار قال: " مر عبدالله بن عمر رضي الله عنه على قبر عبدالرحمن بن أبي بكر أخي عائشة رضي الله عنهم وعليه فسطاط مضروب"
(5)
.
(فَقَالَ انْزِعْهُ) أي: اقلعه (غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ) لا غيره. وفي رواية ابن سعد قال الغلام: "تضربني مولاتي. قال: كلا. فنزعه"
(6)
وكان الغلام الذي خاطبه عبدالله غلام عائشة أخت عبدالرحمن رضي الله عنهما.
فدل هذا على أن نصب الخيام على القبر مكروه، ولا ينفع الميت ذلك، ولا ينفعه إلا عمله الصالح الذي قدمه
(7)
، نعم يصل إليه الثواب الذي أهدى إليه من قبل أقربائه وأصدقائه على المذهب المختار.
[246 أ/س]
/ (وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ) بن ثابت الأنصاري أحد التابعين الثقات، وأحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة (رَأَيْتُنِي) بضم المثناة الفوقية، وكون الفاعل والمفعول ضميرين لشيء واحد من خصائص
(1)
فتح الباري (3/ 223). وإرشاد الساري (2/ 452).
(2)
فتح الباري (3/ 223).
(3)
مشارق الأنوار على صحاح الآثار [ف س ط](2/ 163).
(4)
بالأصل " بن " والصواب عن.
(5)
تاريخ دمشق (35/ 41)، وقال الحافظ في " الفتح ": وصله ابن سعد.
(6)
تاريخ دمشق (35/ 42).
(7)
عمدة القاري (8/ 183).
أفعال القلوب، والتقدير: رأيت نفسي، والواو في (وَنَحْنُ شُبَّانٌ) بضم المعجمة وتشديد الموحدة، جمع شاب، حالية.
(فِى زَمَنِ عُثْمَانَ) بن عفان رضي الله عنه أي: في مدة خلافته (وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً) مصدر وثب يثب وثبًا ووثوبا ووثبة
(1)
.
(الَّذِى يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ) بظاء معجمة ساكنة وعين مهملة، رضي الله عنه (حَتَّى يُجَاوِزَهُ) من ارتفاعه. وهذا التعليق وصله البخاري في التاريخ الصغير من طريق ابن إسحق حدثني يحيى بن عبدالرحمن بن أبي الأنصاري:"سمعت خارجة" فذكره
(2)
.
قال الحافظ العسقلاني: وفيه جواز تعلية القبر ورفعه عن وجه الأرض
(3)
. ومناسبة هذا الأثر للترجمة من حيث إن وضع الجريد على القبر يرشد إلى جواز وضع ما يرتفع به ظهر القبر عن الأرض.
وقال العيني: وقد يتكلف في كون هذا الأثر من هذا الباب، بأنه إشارة إلى أن ضرب الفسطاط إن كان لغرض صحيح كالتستر من الشمس مثلًا للأحياء لا لإظلال الميت فقط جاز، فكأنه يقول: إذا أعلي القبر لغرض صحيح لا لقصد المباهاة جاز، كما يجوز القعود عليه لغرض صحيح كالتلاوة والله أعلم
(4)
.
(وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ
(5)
) بن عباد بن حنيف الأنصاري الأوسي أبو سهل المدني الكوفي أخو حكيم بن حكيم وعن أحمد: ثقة وهو من أفراد مسلم.
(1)
وثب: والوثب بلغة حمير: القعود يسمون السرير وثابا ويسمون الملك الذي يلزم السرير ولا يغزو: موثبان. جمهرة اللغة [ثوب](1/ 263).
(2)
التاريخ الأوسط (1/ 42)(146).
(3)
فتح الباري (3/ 223).
(4)
عمدة القاري (8/ 183).
(5)
هو: عثمان بن حكيم بن عباد بن حُنيف الأنصاري الأوسي، أبو سهل المدني ثم الكوفي، ثقة من الخامسة مات قبل الأربعين، تقريب التهذيب (ص: 383) (4461).
(أَخَذَ بِيَدِى خَارِجَةُ) بن زيد (فَأَجْلَسَنِى عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِى عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ) بالمثلثة في أوله، و"يزيد" من الزيادة. أنه (قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ) أي: الجلوس على القبر، (لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ) ما لا يليق من الفحش قولًا وفعلًا لتأذي الميت بذلك، أو المراد: تغوط أو بال.
وهذا التعليق وصله مسدد من مسنده الكبير، وبين فيه سبب إخبار خارجة بذلك، ولفظه: حدثنا عيسى بن يونس ثنا عثمان بن حكيم ثنا عبدالله بن سرجس وأبو سلمة بن عبدالرحمن أنهما سمعا أبا هريرة رضي الله عنه يقول: "لأن أجلس على جمرة فتحرق ما دون لحمي حتى تفضي إليَّ، أحب إلي من أن أجلس على قبر". قال عثمان: فرأيت خارجة بن زيد في المقابر فذكرت له ذلك فأخذ بيدي" الحديث وهذا إسناد صحيح
(1)
.
[246 أ/ص]
[108 ب/س]
/ وقد أخرج مسلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا فقال: حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة / رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر"
(2)
وقال الحافظ العسقلاني: وروى الطحاوي من طريق محمد بن كعب قال: إنما قال أبو هريرة: " من جلس على قبر ليبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة"
(3)
لكن إسناده ضعيف هذا
(4)
.
قال العيني: سبحان الله ما لهذا القائل من التعصّبات البادرة، فإن الطحاوي أخرج هذا عن أبي هريرة رضي الله عنه من طريقين، أحدهما هذا الذي ذكره من طريق محمد بن كعب، والآخر أخرجه عن ابن
(1)
قال البوصيري في "إتحاف الخيرة"(2/ 513)(2007): رواه مسدد موقوفًا.
(2)
صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه (2/ 667)(971).
(3)
شرح معاني الآثار، كتاب الجنائز، باب الجلوس على القبور (1/ 517)(2951)، من طريق سليمان بن داود، عن محمد بن أبي حميد، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة، إسناده ضعيف، فيه محمد بن أبي حميد الأنصاري قال ابن حجر في"التقريب" (ص: 475) (5836): ضعيف من السابعة.
(4)
فتح الباري (3/ 224).
أبي داود عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن سليمان بن داود عن محمد بن أبي حميد نحوه
(1)
. وأخرجه عبدالله بن وهب
(2)
والطيالسي في مسنديهما
(3)
.
ولم يذكر الطحاوي هذا الحديث إلا تقوية لحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أخرجه عن سليمان بن شعيب عن الحصيب عن عمرو بن علي الفلاس، عن عثمان بن حكيم، عن أبي أمامة: أن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: هلم يا ابن أخي، أخبرك إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على القبور، لحدث غائط، أو بول"
(4)
ورجاله ثقات.
فهذا القائل هلا ما أورد هذا الحديث الصحيح، وأورد الحديث الذي فيه محمد بن أبي حميد المتكلم فيه، مع أنه ذكر الطحاوي هذا استشهادًا وتقوية
(5)
.
وتحقيق الكلام في هذا الباب ما قاله الطحاوي: حيث قال: باب الجلوس على القبور، حدثنا يونس، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا صدقة بن خالد، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي ادريس الخولاني، عن واثلة بن الأسقع عن أبي مرثد الغنوي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها"، وأخرج هذا الحديث من أربع طرق. وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي
(6)
.
(1)
شرح معاني الآثار، كتاب الجنائز، باب الجلوس على القبور (1/ 517)(2951).
(2)
شرح صحيح البخارى لابن بطال (3/ 348) وعزاه إلى موطأ ابن وهب.
(3)
مسند أبي داود الطيالسي، ما أسند أبو هريرة، ومحمد بن كعب (4/ 276)(2667)، من طريق محمد بن أبي حميد، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، إسناد ضعيف، فيه محمد بن أبي حميد الأنصاري، قال ابن حجر في"التقريب" (ص: 475) (5836): ضعيف من السابعة.
(4)
شرح معاني الآثار، كتاب الجنائز، باب الجلوس على القبور (1/ 517)(2950)، وقال العيني في "العمدة" (8/ 184): رجاله ثقات. وقال الشيخ الألباني في" سلسلة الأحاديث الضعيفة"(2/ 388): وهذا سند رجاله ثقات معرفون غير عمرو بن علي، فلم أعرفه، ولم أجد في هذه الطبقة من اسمه عمرو بن علي، ويغلب على الظن أن واو (عمرو) زيادة من بعض النساخ، وأن الصواب (عمر بن علي) وهو عمرو بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي وهو ثقة ولكنه كان يدلس تدليسًا.
(5)
عمدة القاري (8/ 184).
(6)
شرح معاني الآثار، كتاب الجنائز، باب الجلوس على القبور (1/ 515)(2940 - 2941 - 2942 - 2943). وأخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه (2/ 668)(972). * وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجنائز باب في كراهية القعود على القبر، (3 م 217)(3229) * وأخرجه الترمذي في سننه، أبواب الجنائز، باب ما جاء في كراهية المشي على القبور (3/ 358)(1050).
وأخرج أيضًا من حديث عمرو بن حزم، قال:"رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر فقال: انزل عن القبر، فلا تؤذ صاحب القبر، ولا يؤذيك"
(1)
وأخرج أيضًا من حديث جابر رضي الله عنه قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها"
(2)
، وأخرجه الجماعة غير البخاري.
ثم قال: فذهب قوم إلى هذه الآثار وقلدوها، وكرهوا من أجلها الجلوس على القبور
(3)
،. وأراد بالقوم الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، ومكحول، وأحمد، وإسحق، وأبا سليمان، ويروي ذلك أيضًا عن عبدالله، وأبي بكرة وعقبة بن عامر، وأبي هريرة،
(1)
شرح معاني الآثار، كتاب الجنائز، باب الجلوس على القبور (1/ 515)(2944)، من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن النضر بن عبيد الله السلمي ثم الأنصاري، عن عمرو بن حزم، إسناد ضعيف فيه عبد الله بن لهيعة الحضرمي وهو ضعيف الحديث، والنضر بن عبد الله السلمي وهو مجهول. وأخرجه أحمد في مسنده، مسند عمرو بن حزم الأنصاري (39/ 476) من طريق عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوداة الجذامي، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن عمرو بن حزم، إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح غير زياد بن نعيم الحضرمي، فقد أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه وهو ثقة.
(2)
شرح معاني الآثار، كتاب الجنائز، باب الجلوس على القبور (1/ 515)(2945)، من طريق محمد بن خازم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. * وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه (2/ 667)(970) * السنن الصغرى للنسائي، كتاب الجنائز، البناء على القبر (4/ 87)(2028) * سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب في البناء على القبر (3/ 216)(3225) * سنن الترمذي، أبواب الجنائز، باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور، والكتابة عليها (3/ 359)(1052).
(3)
شرح معاني الآثار، كتاب الجنائز، باب الجلوس على القبور (1/ 516)(2948)، وعمدة القاري (8/ 183).
وجابر رضي الله عنهم
(1)
، وإليه ذهب الظاهرية
(2)
وقال ابن حزم في المحلى: ولا يجوز لأحد /أن يجلس على قبر وهو قول أبي هريرة وجماعة من السلف
(3)
.
[247 أ/س]
ثم قال الطحاوي: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لم ينه عن ذلك لكراهة الجلوس على القبر، ولكنه أريد به الجلوس للغائط أو البول وذلك جائز في اللغة، يقال: جلس فلان للغائط، وجلس فلان للبول
(4)
.
وأراد بالآخرين أبا حنيفة، ومالكًا وعبدالله بن وهب وأبا يوسف ومحمدًا، وقالوا: ما روى عن النهي محمول على ما ذكرنا، ويحكي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن عمر رضي الله عنهم
(5)
.
ثم قال: واحتجوا في ذلك بما حدثنا سليمان بن شعيب، وقد مر عن قريب، وهو حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه
(6)
.
ثم قال: فبين زيد أن الجلوس المنهي عنه في الآثار الأول ما هو. ثم روى عن أبي هريرة رضي الله عنه من طريق يونس وطريق ابن أبي داود، وقد ذكرا عن قريب أيضًا.
ثم قال: فثبت بذلك أن الجلوس المنهي عنه في الآثار الأول هو هذا الجلوس؛ يعني للغائط والبول، فأما الجلوس لغير ذلك فلم يدخل في ذلك النهي. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله
(7)
.
قال العيني: فعلى هذا ما ذكره أصحابنا في كتبهم من أن وطأ القبور حرام، وكذا النوم عليه ليس على ما ينبغي، فإن الطحاوي هو أعلم الناس بمذاهب العلماء ولا سيما بمذهب أبي حنيفة
(8)
.
(1)
روى هذه الآثار ابن أبي شيبة، في مصنفه، كتاب الجنائز، من كره أن يطأ على القبر (3/ 26)(11771 - 11779).
(2)
التوضيح (10/ 121).
(3)
المحلى، مسألة الجلوس على القبر (3/ 358).
(4)
شرح معاني الآثار، كتاب الجنائز، باب الجلوس على القبور (1/ 515)(2945).
(5)
التوضيح (10/ 121).
(6)
شرح معاني الآثار، كتاب الجنائز، (1/ 515) (2945) تقدم تخريجه (ص:883).
(7)
شرح معاني الآثار، كتاب الجنائز، باب الجلوس على القبور (1/ 515)(2945).
(8)
عمدة القاري (8/ 183).
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر (كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما - يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ) وهذا التعليق وصله الطحاوي حدثنا علي، قال: ثنا عبدالله بن صالح، قال: حدثني بكر، عن عمرو، عن بكير، أن نافعًا، حدثه:" أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان يجلس على القبور"
(1)
.
فإن قيل: روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه قال: " لأن أطأ على رضف أحب إلي من أن أطأ على قبر"
(2)
فالجواب: أنه محمول على معنى: "لأن أطأ" لأجل الحدث. والله أعلم.
(3)
ومناسبة هذا الأثر وما قبله للترجمة من حيث إن قول ابن عمر رضي الله عنهما: "إنما يظله عمله" عام، يدخل فيه أنه كما لا ينتفع بإظلاله، ولو كان تعظيمًا له، لا يتضرر بالجلوس عليه، وإن كان تحقيرًا له
(4)
.
وقال ابن رشيد: كأن بعض الرواة كتب هذه الآثار وفي غير موضعها، فإن الظاهر أنها من الباب التالي لهذا الباب، وهو باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله. والله أعلم
(5)
.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رحمه الله:
1361 -
حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ» . ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِى كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» .
(1)
شرح معاني الآثار، كتاب الجنائز، باب الجلوس على القبور (1/ 517)(2954).
(2)
المحلى (3/ 356) وقال: فهذه آثار متواترة في غاية الصحة، وقال ابن حجر في "فتح الباري" (3/ 224): هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه.
(3)
عمدة القاري (8/ 183).
(4)
فتح الباري (3/ 224).
(5)
ارشاد الساري (3/ 453).
قَالَ الشَّارِحُ رحمه الله:
[247 أ/ص]
(حَدَّثَنَا يَحْيَى
(1)
) هو ابن جعفر البيكندي كما في مستخرج أبي نعيم أو هو يحيى بن يحيى كما جزم به [ابن] مسعود في الأطراف
(2)
، أو هو يحيى بن موسى المعروف بحت
(3)
، / كما وقع في رواية أبي علي بن شبويه، عن الفربري
(4)
، قال الحافظ العسقلاني: وهو المعتمد
(5)
قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم بالخاء والزاي المعجمتين الضرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جبر (عَنْ طَاوُسٍ) هو ابن كيسان.
[108 ب/ص]
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ مَرَّ) وفي رواية أبي ذر قال /: "مرّ النبي صلى الله عليه وسلم
(6)
" (بِقَبْرَيْنِ) أي: بصاحبيهما من باب تسمية الحال باسم المحل.
(يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ) أي: كبير دفعه واحترازه.
ويحتمل أن يكون نفى كونه كبيرًا باعتبار اعتقاد صاحبي القبرين المعذبين، أو باعتبار اعتقاد مرتكبه مطلقًا، أو باعتبار اعتقاد المخاطبين أي: ليس كبيرًا عندكم ولكنه عند الله كبير. كما جاء في رواية عند البخاري: "وما يعذبان في كبير. بلى إنه كبير"
(7)
فهو كقوله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)} [النور: 15].
(1)
هو: يحيى بن جعفر بن أعين الأزدي البخاري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، تهذيب الكمال (31/ 254)(6802)، وتقريب التهذيب (ص: 588) (7521).
(2)
أطراف الصحيحين: لأبي مسعود الدمشقي إبراهيم بن محمد بن عبيد (ت 401 هـ (، سير أعلام النبلاء (17/ 227)(136).
(3)
بخت
(4)
إرشاد الساري (2/ 453).
(5)
فتح الباري (3/ 225)، وعمدة القاري (8/ 185).
(6)
إرشاد الساري (2/ 453).
(7)
صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: النميمة من الكبائر (8/ 17)(6055).
(أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ) يحتمل أن يكون على حقيقته من الاستتار عن الأعين فيكون العذاب على كشف العورة، أو على المجاز والمراد التنزه والتوقي من البول بعد ملابسته. ويؤيده رواية:"لا يستنزه"
(1)
وإن كان الأصل الحقيقة.
(وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ) المحرمة، وأما ما كان للنصيحة لدفع مفسدة فهو جائز، والباء في قوله: بالنميمة للمصاحبة أي: يسير في الناس متصفًا بهذه الصفة أو للسببية أي: يمشي بسبب ذلك
(2)
.
(ثُمَّ أَخَذَ) صلى الله عليه وسلم (جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ) قال الزركشي: دخلت الباء على المفعول زائدة
(3)
.
وتعقب *
(4)
بأنا لا نسلم أن نصفين مفعول لأن "شق" إنما يتعدى إلى مفعول واحد، وليس هذا من مواضع زيادة الباء؛ بل الباء للمصاحبة، وهو ظرف مستقر منصوب المحل على الحالية، أي: فشقها ملتبسة بنصفين، ولا مانع من أن يجتمع الشق، وكونها ذات نصفين في حال واحد، وليس المراد أن انقسامها إلى نصفين كان ثابتًا قبل الشق وإنما هو معه وبسببه، ومنه قوله تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} [النحل: 12]
(5)
.
[248 أ/س]
(ثُمَّ غَرَزَ فِى كُلِّ قَبْرٍ) منهما (وَاحِدَةً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا فَقَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا) يعنى العذاب (مَا لَمْ يَيْبَسَا) أي: مدة /عدم يبس العودين، ولعل بمعنى: عسى؛ فلذا استعمل استعماله في اقترانه بأن، وإن كان الغالب في "لعل" التجرد. وليس في الجريد معنى يخصه، ولا في الرطب معنى ليس في اليابس، وإنما ذلك ببركة يده الكريمة صلى الله عليه وسلم
(6)
.
(1)
صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه (1/ 241)(292).
(2)
إرشاد الساري (2/ 453).
(3)
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح (327).
(4)
* والمتعقب: هو صاحب مصابيح الجامع.
(5)
مصابيح الجامع (3/ 293).
(6)
إرشاد الساري (2/ 452).
ومن ثمة استنكر الخطابي وضع الجريد ونحوه على القبر عملًا بهذا الحديث، وكذا الطرطوشي في سراج الملوك قالا: إن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لبركة يده المقدسة، وبعلمه بما في القبور وجرى على ذلك ابن الحاج في مدخله
(1)
.
وما تقدم من أن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أوصى بأن يجعل في قبره جريدتان، محمول على أن ذلك رأي له، ولم يوافقه أحد من الصحابة رضي الله عنهم في ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبًا فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وحينئذ فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الرياحين والبقول وغيرها، وليس لليابس تسبيح قال تعالى:{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] أي شيء حي، وحياة كل شيء بحسبه، فالخشب حي مالم ييبس، والحجر حي ما لم يقطع من معدنه، والجمهور أنه على حقيقته، وهو قول المحققين؛ إذ العقل لا يحيله، أو المراد هو التسبيح بلسان الحال باعتبار دلالته على الصانع، وأنه منزه
(2)
.
وقد سبق هذا الحديث في باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله، وقد مر التفصيل فيه أيضًا.
(تذييل) وعن شفى بن مانع الأصبحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى". قال: "فرجل مغلق عليه تابوت من جمر، ورجل يجر أمعاءه، ورجل يسيل فوه دمًا وقيحًا، ورجل يأكل لحمه. فيقال لصاحب التابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد قد مات وفي عنقه أموال الناس، ثم يقال للذي يجر أمعاءه: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان لا يبالي أين أصاب البول منه، ثم يقال للذي يسيل فوه دمًا وقيحًا: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الآذى؟ فيقول: إن الأبعد كان ينظر إلى كلمة
(3)
، فيستلذها كما يستلذ الرفث، ثم يقال للذي يأكل لحمه: ما بال الأبعد قد
(1)
معالم السنن (1/ 19) وسراج الملوك، أبو بكر محمد بن محمد ابن الوليد الفهري الطرطوشي المالكي (المتوفى: 520 هـ) من أوائل المطبوعات العربية - مصر، 1289 هـ، 1872 م (ص 155). والمدخل، أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج (المتوفى: 737 هـ)، دار التراث، بدون طبعة وبدون تاريخ (3/ 281).
(2)
فتح الباري (1/ 320)، إرشاد الساري (2/ 454).
(3)
[قذعة خبيثة] كما جاء في بعض الروايات.
آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول: إن الأبعد كان يأكل لحوم الناس بالغيبة ويمشي بالنميمة" رواه ابن أبي الدنيا والطبراني
(1)
وأبو نعيم
(2)
، /ذكره الإمام المنذري في كتاب "الترغيب والترهيب"
(3)
.
[247 أ/ص]
(1)
المعجم الكبير، باب الشين، شفي بن ماتع الأصبحي وقد اختلف في صحبته (7/ 310)(7226)، من طريق إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي، عن أيوب بن بشير العجلي، عن شفي بن ماتع الأصبحي، وقال الهيثمي في "المجمع": رواه الطبراني في الكبير، وهو هكذا في الأصل المسموع، ورجاله موثقون. * وأخرجه ابن أبي الدنيا في "صفة النار"، أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا (المتوفى: 281 هـ) المحقق: محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم - لبنان / بيروت، الطبعة: الأولى، 1417 هـ - 1997 م (1/ 142)(229) من حديث شقي بن ماتع واختلف في صحبته فذكره أبو نعيم في الصحابة وذكره البخاري وابن حيان في التابعين.، بهذا الإسناد.
(2)
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 167) لم يروه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شفي بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل بن عياش، وشفي مختلف فيه، فقيل: له صحبة.
(3)
الترغيب والترهيب (2/ 377) وقال: رواه ابن أبي الدنيا والطبراني بإسناد لين.