الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ مَوْتِ الفَجْأَةِ البَغْتَةِ
.
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رحمه الله:
1388 -
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِى هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها -. أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أُمِّى افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ:«نَعَمْ» . بَابُ مَوْتِ الفَجْأَةِ البَغْتَةِ
قَالَ الشَّارِحُ رحمه الله:
(بَابُ مَوْتِ الفَجْأَةِ) بفتح الفاء وسكون الجيم وبالهمز، من غير مد، وروى: الفُجأة، بضم الفاء وبعد الجيم مد ثم همزة، وهي الموت من غير سبب مرض
(1)
.
وقوله: (البَغْتَةِ) بالجر بدل من الفجأة، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هي البغتة. وفي رواية الكشميهني: بغتة، بالتنكير، تقول: لقيته بغته، أي: فجأة، والمباغتة المفاجأة
(2)
. وقال ابن الأثير: يقال: بغَتَهُ يبغته بغتًا أيْ: فاجأه
(3)
. وقال الجوهري: البغت: أن يفجأك الشيء
(4)
.
[282 أ/س]
/ (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ
(5)
) هو سعيد بن محمد بن الحكم بن أبي مريم قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ
(6)
) هو ابن أبي كثير المدني (قَالَ: أَخْبَرَنِى) بالإفراد (هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير، وفي رواية:"عن عروة" بدل "عن أبيه".
(1)
النهاية في غريب الحديث والأثر [فَجَأَ](3/ 412).
(2)
إرشاد الساري (2/ 475).
(3)
النهاية في غريب الحديث والأثر [بَغَتَ](1/ 142).
(4)
الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية [بغت](1/ 243).
(5)
هو: سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء، أبو محمد المصري [وقد ينسب إلى جد جده] ثقة ثبت فقيه، من كبار العاشرة مات سنة أربع وعشرين ومائتين، تهذيب الكمال (10/ 391)(2253)، تقريب التهذيب (ص: 234) (2286).
(6)
هو: محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري مولاهم المدني، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقة من السابعة، تهذيب الكمال (24/ 583)(5117)، وتقريب التهذيب (ص: 471) (5784).
(عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها -. أَنَّ رَجُلًا) هو سعد بن عبادة رضي الله عنه. قاله أبو عمر
(1)
، (قَالَ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أُمِّى) عمرة رضي الله عنها (افْتُلِتَتْ) بضم المثناة الفوقية وكسر اللام على البناء للمفعول أي: ماتت فلتة، أي: بغتة، وقوله:(نَفْسَهَا) نصب على التمييز، أو مفعول ثان على تضمين افتلتت بمعنى سلبت، ويروي برفع النفس على أنه نائب عن الفاعل
(2)
.
(وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ) أي: أوصت بالتصدق (فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟) بكسر همزة إن على أنها شرطية، قال الزركشي: وهي الرواية الصحيحة
(3)
. وقال البدر الدماميني: إن ثبتت رواية الفتح أمكن تخريجها على مذهب الكوفيين في صحة مجيء "أن" المفتوحة شرطية ك"إن" المكسورة
(4)
. ورجحه ابن هشام
(5)
.
[123 ب/ص]
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (نَعَمْ) لها أجر إن تصدقت عنها. وسيأتي في هذا الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما "أن سعد بن عبادة رضي الله عنه، استفتى رسول الله / صلى الله عليه وسلم، في نذر كان على أمه، وتوفيت قبل أن تقضيه، فقال: اقضه عنها"
(6)
.
وفي رواية النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله إن أمي ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قال: الماء"
(7)
.
(1)
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (22/ 154).
(2)
إرشاد الساري (2/ 475).
(3)
التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح لبدر الدين الزركشيّ (2/ 332).
(4)
مصابيح الجامع (3/ 314).
(5)
مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، (ص: 45).
(6)
صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب ما يستحب لمن توفي فجاءة أن يتصدقوا عنه، وقضاء النذور عن الميت (4/ 9)(2761).
(7)
السنن الصغرى للنسائي، كتاب الوصايا، (6/ 254)(3664)، من طريق وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن عبادة، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (4/ 123)(2496). بهذا الإسناد، وأخرجه الحاكم في مستدركه (1/ 574)(1512) من طريق همام به، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
وفي حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه "أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن أبي مات وترك مالا، ولم يوص، فهل يكفَّر ذلك عنه أن أتصدق؟ قال: نعم"
(1)
.
فالقضية -إذن- متعددة، ويستفاد من الحديث أن الصدقة عن الميت تجوز وأنه ينتفع بها. وروى أحمد عن عبد الله بن عمرو، أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر عنه خمسين، وأن عمرًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: أما أبوك، فلو أقر بالتوحيد، فصمت، وتصدقت عنه، نفعه ذلك"
(2)
.
وعند ابن ماكولا من حديث إبراهيم بن حبان عن أبيه عن جده عن أنس رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنا لندعو لموتانا ونتصدق عنهم ونحج فهل يصل ذلك إليهم؟ فقال: إنه ليصل إليهم ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالهدية"
(3)
.
[282 أ/ص]
قال ابن رشيد: / مقصد البخاري - والله أعلم- يعني من عقد هذه الترجمة- الإشارة إلى أن موت الفجأة غير مكروه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يظهر منه كراهيته لما أخبره الرجل بأن أمه افتلتت نفسها
(4)
.
(1)
صحيح مسلم، كتاب الوصية، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت (3/ 1254)(1630).
(2)
مسند الإمام أحمد بن حنبل، مسند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه (11/ 307)(6704)، من طريق هشيم، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال البوصيري في "إتحاف الخيرة" (1/ 133) (119): هذا إسناد فيه الحجاج بن أرطاة الكوفي، وهو ضعيف مدلس. . وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الوصايا، باب ما جاء في وصية الحربي (3/ 118)(2883) بإسناد حسن، من طريق العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرني أبي، حدثنا الأوزاعي: هو عبد الرحمن بن عمرو، حدثني حسان بن عطية، عن عمرو بن شعيب، به إسناده حسن رجاله ثقات عدا شعيب بن محمد السهمي، قال ابن حجر في "التقريب" (ص: 267) (2806): صدوق ثبت سماعه من جده.
(3)
الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، المؤلف: سعد الملك، أبو نصر علي بن هبة الله بن جعفر بن ماكولا (المتوفى: 475 هـ)، دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان، الطبعة: الطبعة الأولى 1411 هـ-1990 م، حرف الحاء، باب حبان (2/ 313)، فيه إبراهيم بن حبان، قال الذهبي في "لسان الميزان" (1/ 248) (70): قال ابن عَدِي: ضعيف جدًا حدث بالبواطيل. وقال ابن حبان: إبراهيم بن البراء من ولد النضر بن أنس شيخ كان يدور بالشام ويحدث عن الثقات بالموضوعات.
(4)
فتح الباري (3/ 254).
وقد ورد في حديث عن عائشة وابن مسعود رضي الله عنها أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه): "موت الفجأة راحة للمؤمن وأسف على الفاجر"
(1)
.
فإن قيل: روى أبو داود من حديث عبيد بن خالد السلمي، رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: موت الفجأة أخذة آسف"
(2)
.
والآسف: على وزن فاعل، أو بفتحتين؛ والمعنى على الأول: أخذة غضبان، وعلى الثاني: أخذة غضب
(3)
. ومعناه: أنه فعل ما أوجب الغضب عليه والانتقام منه بأن أماته بغتة من غير استعداد ولا حضور لذلك.
وروى أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بجدار مائل فأسرع، وقال: أكره موت الفوات"
(4)
.
فالجواب: أنه يجمع بينهما بأن الأول محمول على من استعد وتأهب، والثاني محمول على من فرط، وأما حديث أحمد فلعله ترغيب منه صلى الله عليه وسلم لأمته في الاستعداد والتأهب وتحذير منه لهم عن التفريط والتقصير. والله أعلم.
(1)
مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الجنائز، في موت الفجاءة، وما ذكر فيه (3/ 48)(12007)، من طريق أبي شهاب، عن الأعمش، عن زبيد، عن أبي الأحوص، عن عبد الله وعائشة، وإسناده صحيح موقوفًا، وأخرجه أحمد في مسنده (25042) مرفوعًا من طريق وكيع، حدثنا عبيد الله بن الوليد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة، إسناده ضعيف، فيه عبيد الله بن الوليد - وهو الوصافي - متروك، وعبد الله ابن عبيد الله بن عمير لم يسمع من عائشة. وأورده الهيثمي في "المجمع"(2/ 318)، وقال: رواه أحمد والطبراني في "الأوسط"، وفيه قصة، وفيه عبيد الله بن الوليد الوصافي، وهو متروك.
(2)
سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة (3/ 188)(3110) من طريق شعبة، عن منصور، عن تميم بن سلمة أو سعد بن عبيدة، عن عبيد بن خالد السلمي -رجل من أصحاب النبي، عن عبيد بن خالد السلمي -رجل من أصحاب النبي، وقال الحافظ المنذري في "اختصار السنن": حديث عبيد هذا رجال إسناده ثقات.
(3)
النهاية في غريب الحديث والأثر [أَسِفَ](1/ 48).
(4)
مسند الإمام أحمد بن حنبل، مسند أبي هريرة رضي الله عنه (14/ 302)(8666) إسناده ضعيف، قال المزي في "تهذيب الكمال" (2/ 166) (224): إبراهيم بن إسحاق -ويقال له: إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني-، ضعفه غير واحد من الأئمة، وقال البخاري: منكر الحديث.
وقال ابن بطال: وكان ذلك والله أعلم لما في موت الفجأة من خوف حرمان الوصية، وترك الاستعداد للمعاد، بالتوبة وغيرها من الأعمال الصالحة، وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الموت" من حديث أنس رضي الله عنه نحو حديث عبيد بن خالد وزاد فيه:"المحروم من حرم وصيته"
(1)
وقال ابن المنير: لعل البخاري أراد بهذه الترجمة أن من مات فجأة فيستدرك ولده من أعمال البر ما أمكنه مما يقبل النيابة، كما وقع في حديث الباب، وقد نقل عن أحمد وبعض الشافعية كراهية موت الفجأة
(2)
. ونقل النووي عن بعض القدماء أن جماعة من الأنبياء والصالحين ماتوا كذلك؛ قال: وهو محبوب المراقبين
(3)
. والله أعلم.
(1)
سنن ابن ماجه، كتاب الوصايا، باب الحث على الوصية (2/ 902) (2700). إسناده ضعيف لضعف درست بن زياد ويزيد الرقاشي -وهو ابن أبان- قال ابن حجر في "التقريب" (ص: 201 و 599) (1823 و 7683): ضعيف. ومع ذلك فقد حسن إسناده الحافظ المنذري في "الترغبب والترهيب"(4/ 327).
(2)
فتح الباري (3/ 255).
(3)
المجموع (5/ 321).