الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ (1). وَفِي رِوَايةٍ: وَنَحْنُ بِالمَدِينةِ (2).
أما أسماء بنت أبي بكر؛ فهي أم عبد الله بن الزبير بن العوام، وهي أخت عائشة رضي الله عنهما أمِّ المؤمنين لأبيها، وهي أسن من عائشة، وكان عبد الله بن أبي بكر أخا أسماء شقيقها، وأمهما قتلة -بفتح القاف وسكون التاء المثناة فوق-، وربما قيل: قتيلة بنتُ عبد العزى بن عبد أسعد بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، وتقدم نسبها في مواضعه.
أما في ذكر أبيها، أو أخيها عبد الرحمن، أو أختها، فلا حاجة إلى إعادته.
واختلف في إسلام أمها، وأكثر الروايات أنها ماتت مشركة.
أسلمت أسماء قديمًا بمكة، وقيل: كان إسلامها بعد إسلام سبعة عشر إنسانًا، وهاجرت إلى المدينة، وقيل: كانت حاملًا بابنها عبد الله بن الزبير، فوضعته بقباء. وقيل غير ذلك.
وكانت تسمى: ذاتَ النطاقين، وإنما قيل لها ذلك؛ لأنها صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم سفرة حين أراد الهجرة إلى المدينة، فعسر عليها ما تشدُّها به، فشقت خمارها، وشدت السفرة بنصفه، وانتطقت النصف الثاني، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذات النطاقين، وقيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "أبدلكِ اللهُ بنطاقِكِ هذا نِطاقَينِ في الجنةِ"(3).
روي لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة وخمسون حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على أربعة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها.
(1) رواه البخاري (5191)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: النحر والذبح، ومسلم (1942)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: في كل لحوم الخيل.
(2)
رواه البخاري (5192)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: النحر والذبح.
(3)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(69/ 6).
وروى عنها: عبد الله بن عباس، وابناها عبد الله، وعروة، وغيرهم من أنسالها وأقاربها وغيرهم.
وتوفيت بمكة بعد ابنها عبد الله بيسير، واختلف في تعيينه، وذلك في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وبلغت من العمر مئة سنة لم يسقط لها سن، ولم ينكر من عقلها شيء، والله أعلم (1).
وأما قولها: "نحرْنا على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وفي رواية للبخاري: ذبحنا فرسًا (2). فقد اختلف في ذلك، فمنهم من حمل الروايتين على قضيتين، فمرة نحروها، ومرة ذبحوها، وهو الصحيح المرجح عندهم؛ حيث إنه حملهما على الحقيقة فيهما مع فائدة جواز نحر المذبوح وذبح المنحور، وهو مجمع عليه، وإن كان فاعله مخالفًا للأفضل، ومنهم من حمل النحر على الذبح؛ جمعًا بين الحقيقة والمجاز.
والفرس تطلق على الذكر والأنثى بالاتفاق.
وقولها: "ونحن بالمدينة"، إشارة إلى أن النحر كان آخر الأمر لا في أوله، لئلا يدعي المخالف أن هذا كان في أول الأمر، وأنه منسوخ، فذكر المدينة إزالة للشك؛ لأن ما كان فيها كان آخر أمره صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل: على إباحة نحر الخيل، وأكل لحمها، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وجمهور السلف والخلف، لا كراهة فيه، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وجماهير الفقهاء والمحدثين، منهم: عبد الله بن الزبير،
(1) وانظر ترجمتها في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (8/ 249)، و "حلية الأولياء" لأبي نعيم (2/ 55)، و"الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1481)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (69/ 9)، و"صفة الصفوة" لابن الجوزي (2/ 58)، و "أسد الغابة" لابن الأثير (7/ 7)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (2/ 597)، و"تهذيب الكمال" للمزي (35/ 123)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (2/ 287)، و "الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (7/ 486)، و "تهذيب التهذيب" له أيضًا (12/ 426).
(2)
رواه البخاري (5192)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: النحر والذبح.
وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وإسحاق وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وغيرهم، وكره ذلك ابن عباس، والحكم، ومالك، وأبو حنيفة، واختلف عن أبي حنيفة، فقال في رواية عنه: يأثم، ولا يسمى حرامًا، وقال بعض أصحابه: هو مكروه كراهة تنزيه، والصحيح عندهم: أنها كراهة تحريم.
واعتذر بعضهم عن هذا الحديث بأن قال: فعل الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون حجة إلا إذا علمه صلى الله عليه وسلم، وهذا مشكوك فيه، مع أنه معارض برواية رواها أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه، عن جده المقدام بن معدي كرب، عن خالد بن الوليد رضي الله عنهما: أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وأن اليهود شكوا أن الناس قد انتزعوا حظائرهم، وأنه صلى الله عليه وسلم قال:"ألا لا تحل أموالُ المعاهدين إلا بحقها، وحرم الله عليهم لحومَ حمرِ الأهليةِ وخيلها وبغالها، وكل ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير"(1).
وهذا الاعتذار ضعيف أو باطل؛ إذ يبعد فعل مثل هذا في زمنه صلى الله عليه وسلم وهو ممنوع ولم يعلم به، إما بإخبار الصحابة رضي الله عنه، وإما بوحي من الله تعالى، مع أنهم توقفوا عن أكل أشياء دون هذا هي حلال في الشرع، حتى سألوه صلى الله عليه وسلم عنها، أو أذن لهم فيها. وقد نزل الوحي في أشياء دون هذا بالإذن أو المنع.
كيف والحديث الآتي من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما مصرح بالإذن فيها وفي خيبر بالأكل من لحوم الخيل؟
(1) رواه أبو داود (3806)، كتاب: الأطعمة، باب: النهي عن أكل السباع، والنسائي (4332)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل لحوم الخيل، وابن ماجه (3198)، كتاب: الذبائح، باب: لحوم البغال، وهذا لفظ أبي داود.
كيف وحديث خالد بن الوليد ضعيف منكر باتفاقهم؛ وبتقدير صحته يكون منسوخًا، وقال الإِمام أحمد بن حنبل رحمه الله: هو حديث منكر، وقال الحافظ أبو داود في "سننه": هذا منسوخ، وقال النسائي: حديث جابر: أنه صلى الله عليه وسلم أذن في لحوم الخيل أصح من هذا الحديث، قال: ويشبه -إن كان هذا صحيحًا-، أن يكون منسوخًا؛ لأن قوله: أذن صلى الله عليه وسلم في لحوم الخيل دليل على ذلك. وقال أيضًا: لا أعلمه رواه غير بقية بن الوليد.
وقال البخاري: صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب الكندي الشامي عن أبيه، فيه نظر.
وقال الخطابي: حديث جابر إسناده جيد، قال: وأما حديث خالد بن الوليد، ففي إسناده نظر، وصالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده، لا يعرف سماع بعضهم من بعض.
وقال الحافظ موسى بن هارون: لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه إلا بجده.
وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف، وقال أيضًا: وهذا إسناد مضطرب.
وقال الواقدي: لا يصح هذا؛ لأن خالدًا أسلم بعد فتح خيبر، وقال البخاري: خالد لم يشهد خيبر.
وقال الإِمام أحمد بن حنبل: لم يشهد خيبرًا، إنما أسلم بعد الفتح.
وقال أبو عمر النمري: ولا يصح لخالد بن الوليد مشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفتح.
وقال البيهقي: إسناده مضطرب؛ ومع اضطرابه مخالف لحديث الثقات (1).
وحديث جابر سيأتي في الكتاب بعد هذا الحديث، ولفظ البخاري: ورخص في لحوم الخيل، والله أعلم.
(1) وانظر أقوال أهل العلم هذه وغيرها عن الحديث: "سنن أبي داود"(3/ 352)، و "سنن الدارقطني"(4/ 287)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (4/ 292)، و "التمهيد" لابن عبد البر (10/ 128) وما بعدها، و"شرح مسلم" للنووي (13/ 96).
قال شيخنا أبو الفتح بن دقيق العيد رحمه الله: ثم لو سلم -يعني: الاعتذار الذي ذكروه- عن المعارض، ولكن لا يصح التعلق به في مقابلة دلالة النص، وهذا إشارة إلى ثلاثة أجوبة:
أما الأول: فإنما يرد على هذه الرواية والرواية الأخرى لجابر، وأما الرواية التي فيها: وأذن في لحوم الخيل، فلا يرد عليها.
وأما الثاني: وهو المعارضة بحديث التحريم، فإنما نعرفه بلفظ النهي، لا بلفظ التحريم؛ من حديث خالد بن الوليد، وفي ذلك الحديث كلام ينقص عن هذا الحديث عند بعضهم.
قلت: وقد ذكره أبو داود وغيره بلفظ التحريم كما ذكرناه وبينا ضعفه من جميع وجوهه عن جميع الحفاظ المتقنين الذين إليهم المرجع في هذا الشأن، والله أعلم.
قال: وأما الثالث: فإنه أراد؛ يعني: الإشار إلى دلالة الكتاب العزيز قوله -تعالي-: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8].
ووجه الاستدلال: أن الآية خرجت مخرج الامتنان بذكر النعم على ما دل سياق الآيات التي في سورة النحل؛ فذكر الله سبحانه وتعالى الامتنان بنعمة الركوب والزينة في الخيل والحمير، وترك الامتنان بنعمة الأكل كما ذكر في الأنعام، ولو كان الأكل ثابتًا، لما ترك الامتنان به؛ لأن نعمة الأكل في جنسها فوق نعمة الركوب والزينة؛ فإنه يتعلق بها البقاء بغير واسطة، ويحسن ترك الامتنان بأعلى النعمتين، وذكر الامتنان بأدناهما بدل الامتنان بترك الأكل على الامتناع منه، لا سيما وقد ذكرت نعمة الأكل في نظائرها من الأنعام.
وهذا، وإن كان استدلالًا حسنًا، إلا أنه يجاب عنه من وجهين:
أحدهما: ترجيح دلالة الحديث على الإباحة على هذا الوجه من الاستدلال من حيث قوته بالنسبة إلى تلك الدلالة.
الثاني: أن يطالب بوجه الدلالة على غير التحريم، فإنما يشعر به ترك الأكل،