الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب حَدّ الخمر
الحديث الأول
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدٍ نَحْوَ أَرْبَعِينَ.
قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَن: أَخَفَّ الحُدُودِ؛ ثَمَانِينَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ (1).
أما الرجل المجلود في الخمر، فلا أعلم اسمه.
وأما "جلدُه بجريدٍ نحوَ أربعينَ"؛ فهكذا هو في الكتاب: بجريد نحو أربعين، وفي "صحيح مسلم": جلده بجريدتين نحو أربعين.
وفي رواية: جلد النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر بالجريد والنعال (2).
وفي رواية: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين (3).
وهذه الرواية الأخيرة مبينة للروايات كلها من أن الأربعين هو حد الخمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلافًا لمن تأول ضربه بالجريدتين على أنهما كانتا مفردتين، وأنه
(1) رواه البخاري (6391)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في ضرب شارب الخمر، ومسلم (1706)، كتاب: الحدود، باب: حد الخمر، وهذا لفظ مسلم، إلا أنه قال فيه:"بجريدتين".
(2)
وهي رواية البخاري المتقدم تخريجها.
(3)
رواه مسلم (1706)، (3/ 1331)، كتاب: الحدود، باب: حد الخمر.
جُلد بكل واحدة أربعون، أو أقل أو أكثر حتى كمل مبلغهما ضربًا ثمانين.
والأحاديث الصحيحة مصرحة بخلاف هذا التأويل، وظاهر رواية الكتاب: أن الأربعين للتقريب، حتى لو كانت تسعة وثلاثين، جاز بقوله: نحو أربعين، فإن مقتضاه: التقريب لا التحديد، وهو خلاف الإجماع؛ فإن الحدود والتقديرات الشرعية كلها للتحديد، فحينئذ لا بد من تأويل قوله: نحو أربعين على عدم التساوي في الضرب والآلة المضروب بها، والله أعلم.
وقوله: "فلما كانَ عمرُ، استشار الناسَ، فقال عبدُ الرحمن: أَخَفَّ الحدودِ ثمانين".
أما عبد الرحمن؛ فهو ابن عوف، أحد العشرة رضي الله عنهم، وهكذا هو في الصحيح: أنه الذي أشار على عمر بالثمانين، ووقع في "الموطأ": أنَّ الذي أشار بها علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه - (1)، والجمع بينهما صحيح ممكن، فلعلهما أشارا به، والذي بدر بالمشورة أولًا عبد الرحمن، فنسبت إليه؛ لسبقه بها، ونسبت في رواية إلى علي رضي الله عنه؛ لفضيلته وكثرة علمه ورجحانه على عبد الرحمن رضي الله عنهما.
لكن رواية من قال: إنه علي منقطعة؛ فإنها من رواية ثور بن زيد الديلي عن عمر، وثور لم يدرك عمر، والله أعلم.
وقوله: "أَخَفَّ الحدودِ"، هو منصوب بفعل محذوف تقديره: فقال عبد الرحمن: اجلده، أو: حده أخفَّ الحدود المنصوص عليها في القرآن؛ فإن الحدود في القرآن: حد السرقة بالقطع، وحد الزنا بمئة جلدة، وحد القذف بثمانين جلدة، فاجعل حد الخمر ثمانين كأخف الحدود.
وإنما استشار عمرُ الناسَ في ذلك؛ لأن في زمنه رضي الله عنه فتح الشام والعراق، وسكن الناس في مواضع الخصب وسعة العيش وكثرة الأعناب والثمار، وأكثروا من شرب الخمر، فزاد عمر رضي الله عنه في حدها؛ زجرًا
(1) رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 842).
لشاربيها، وتغليظًا عليهم، وكان ذلك سُنَّةً ماضية؛ فإنه موافق للعمل بقوله صلى الله عليه وسلم:"فعليكُمْ بِسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّيينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ"(1) وقوله صلى الله عليه وسلم: "اقْتَدُوا باللَّذَين من بعدي: أبي بكرٍ وعمرَ"(2)؛ أي: بكل واحد منهما.
ولهذا عمل عثمان رضي الله عنه بفعل كل واحد منهما، فجلده مرة ثمانين، ومرة أربعين.
وقال علي رضي الله عنه: كُلٌّ سُنَّةٌ (3)؛ حيث إن الأربعين فعلُ النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، والثمانين فعلُ عمر بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، وإن اعتقاده رضي الله عنه أنهما كانا خليفتين، وأن فعلهما سنة، وأمرَهما حق، خلاف ما يكذب عليه رضي الله عنه.
وروي عن علي رضي الله عنه: أنه ضرب في الخمر ثمانين، وهو المعروف من مذهبه، والله أعلم.
واعلم أنه وقع في لفظ الكتاب: أن الضرب كان بالجريد فقط، وفي غيره: بالجريد والنعال كما ذكرنا.
وفي رواية الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اضربوه" فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب (4).
وفي حديث قال: فلما كان أبو بكر، سأل عن ذلك من حضر ذلك المضروب، فقومه أربعين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين (5)، ففسر بعضهم
(1) تقدم تخريجه.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
رواه مسلم (1707)، كتاب: الحدود، باب: حد الخمر، عن حضين بن المنذر.
(4)
رواه الإمام الشافعي في "مسنده"(ص: 285)، وفي "الأم"(6/ 180)، ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 319).
(5)
انظر تخريجه في: رواية عبد الرحمن بن الأزهر المتقدمة؛ إذ هو قطعة منه.
التقويم بالتقدير؛ أي: قدر الضرب الذي ضربه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، فبلغ قدره أربعين عصًا.
وهو بعيد؛ لقوله: كان صلى الله عليه وسلم يجلد في الخمر أربعين؛ فإنه لا ينطلق على عدد كثير من الضرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، لا على التقويم بمعنى التقدير؛ فإن قوله: أربعين أقربُ صدقًا حقيقة من التقدير الذي هو معنى التقويم. ولهذا قال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين، وجعل بعضهم: أن رواية قول عبد الرحمن: أخفُّ الحدود ثمانون، على أنه مبتدأ وخبر، فيكونان مرفوعين، وما أعلمه منقولًا رواية، والله أعلم.
وفي الحديث أحكام:
منها: تحريم شرب الخمر، وهو إجماع المسلمين، والحد لا يكون إلا على محرّم كبيرة.
ومنها: وجوب الحد على شاربها، سواء شرب قليلًا أو كثيرًا.
وأجمع العلماء على أنه لا يقتل بشربها، وإن تكرر منه، وممن حكى الإجماع على ذلك: الترمذي في "جامعه"، وخلائق من العلماء.
وحكى القاضي عياض عن طائفة شاذة: أنهم قالوا: يقتل بعد جلده أربع مرات؛ للأحاديث الواردة في ذلك، وهو قول باطل مخالف لإجماع الصحابة فمَنْ بعدهم في أنه لا يقتل، وإن تكرر منه أربع مرات، والأحاديث المروية في قتله منسوخة؛ بدلالة الإجماع على نسخها؛ حيث إن الإجماع إنما استقر بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فلا يكون بذاته ناسخًا ولا منسوخًا.
ومنهم من قال: هي منسوخة بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دمُ امرىٍ مسلم إلَّا بإحدى ثلاثٍ؛ النفسُ بالنفسِ، والثَّيِّبُ الزاني، والتاركُ لديِنِهِ المفارِقُ للجماعةِ"(1).
وأجمع العلماء على أن شارب الخمر يجلد، سواء سكر أم لا.
(1) تقدم تخريجه.
واختلف العلماء على أن شارب النبيذ، وهو ما سوى عصير العنب من الأنبذة المسكرة، فقال الشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو حرام، يُجلد فيه كجلد شارب الخمر الذي هو عصير العنب، سواء كان يعتقد إباحته أو تحريمه.
وقال أبو حنيفة والكوفيون: لا يحرم، ولا يحد شاربه.
وهذا الذي قاله أبو حنيفة وموافقوه، إن أرادوا عدم تحريم الأنبذة؛ لكونها غير مسكرة، فمسلَّم، وإن أرادوا به لكونها مسكرة، فممنوع؛ فإن جماعة من العلماء نقلوا الإجماع على أن المسكر حرام؛ بأي شيء كان، من عصير عنب، أو نبيذ زبيب، أو تمر، أو مزر؛ وهو ما يعمل مسكرًا من لبن الخيل، مع أن لبن الخيل حرام عندهم مطلقًا، سواء إن أسكر أم لا؛ حيث إنه عندهم تبع للحم الخيل في تحريمه؛ فلبن الخيل كلحمه في الحل والحرمة.
وقال أبو ثور: النبيذ المسكر حرام، يجلد بشربه من يعتقد تحريمه دون من يعتقد إباحته، والله أعلم.
ومنها: أن قدر حد الخمر أربعون، وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وداود، وأهل الظاهر، وغيرهم.
وقال الشافعي رحمه الله: وللإمام أن يبلغ به ثمانين؛ لفعل عمر والصحابة رضي الله عنهم.
قال: والزيادة على الأربعين تقريرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة، وغير ذلك.
وقال القاضي عياض رحمه الله، وجمهور العلماء والفقهاء من السلف والخلف، منهم: مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق: أنهم قالوا: حده ثمانون، واحتجوا بأنه الذي استقر عليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن للتحديد، ولهذا قال في الرواية التي في الكتاب: نحو أربعين.
وحجة الشافعي رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين؛ كما صرح به في "صحيح مسلم" وغيره. وزيادة عمر تعزيرات، والتعزير إلى رأي الإمام، إن شاء فعله، وإن شاء تركه؛ بحسب المصلحة في فعله وتركه، فرآه عمر، ففعله، ولم يره أبو بكر ولا علي رضي الله عنهما، فتركاه، ولو كانت الزيادة حدًّا، لم يتركها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا تركها علي بعد فعل عمر، ولهذا قال علي: وكُلٌّ سنة؛ أي: الاقتصار على الأربعين والبلوغ إلى الثمانين.
وهذا الحد هو حدٌّ الحر، وأما العبد، فهو على النصف من الحر في الخمر والزنا والقذف. والله أعلم (1).
ومنها: حصول الحد في الخمر بالجلد بالجريد والنعال وأطراف الثياب، وهو مجمع عليه، لكنه بحيث يسمى ضربًا، فلا يكتفى بالوضع المجرد، بل برفع ذراعه رفعًا معتدلًا، ولا يبالغ في الضرب؛ بأن يرفع يده فوق رأسه.
قال الشافعية: إذا ضربه بالسوط، فليكن متوسطا معتدلًا في الحجم بين القضيب والعصا، فإن ضربه بجريدة، فلتكن خفيفة بين اليابسة والرطبة، واختلفوا في جوازه بالسوط على وجهين؛ أصحهما: الجواز، وهما مذهبان للعلماء.
وشذ بعض الشافعية، فشرط فيه السوط، وقال: لا يجوز فيه الضرب بالثياب والنعال، وهو غلط فاحش مردود على قائله؛ لمنابذته صريح الأحاديث الصحيحة، ومخالفتها، والله أعلم.
ومنها: مشاورة الإمام والقاضي والمفتي أصحابه وحاضري مجلسه في الأحكام.
ومنها: أن قول العلماء بالاجتهاد يجوز إطلاقُ السنة عليه، وأنه يجب العمل به.
ومنها: جواز القياس والعمل به، وبالاستحسان عند الحاجة إليه. والله أعلم.
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (11/ 217 - 218).