الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد يقول من يعطى السلب بغير بينة: إن هذا مفهوم لا حجة فيه.
وقد يجاب عنه: بأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها بينة، وعمل بها في السلب، مع قوله صلى الله عليه وسلم:"لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لكن البينة على المدعي" الحديث (1). والله أعلم.
ومنها: استحباب إعادة المفتي أو العالم قولَه ثلاثًا؛ لقصد البيان والإبلاغ، وتأكيد القول وفهمه عنه، والله أعلم.
ومنها: جواز تقطيع الحديث الواحد من العارف باللفظ والمعنى، إذا لم يكن للجملة المقطوعة تعلق بما قبلها، واستقل الفهم بها في مدلولها.
وقد فعل هذا البخاري وغيره من العلماء المحققين، والله أعلم.
ومنها: التنبيه على اختصار تلك الجملة من الحديث بلفظ يدل عليه؛ كقوله: وذكر قصة، أو حديثًا قال فيه كذا، ونحو ذلك، فيجمع بين الاختصار والتنبيه على أنه بعض حديث، والله أعلم.
* * *
الحديث الثامن
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: أتى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَيْنٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَهُوَ فِي سَفرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انتقَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"اطْلُبُوهُ وَاقْتلُوهُ"، فَقَتَلْتُهُ، فنفَّلَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَلَبَهُ (2). وَفِي رِوَاية فَقَالَ:"مَنْ قَتلَ الرَّجُلَ؟ "، فَقَالُوا: ابنُ الأكَوَعِ، فَقَالَ:"لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ"(3).
أما سلمة بن الأكوع؛ فتقدم الكلام عليه في الصلاة، وهو سلمة بن عمرو بن الأكوع، منسوب إلى جده، وتقدم.
(1) تقدم تخريجه.
(2)
رواه البخاري (2886)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان.
(3)
رواه مسلم (1754)، كتاب: الجهاد والسير، باب: استحقاق القاتل سلب القتيل.
وأما العين؛ فهو الجاسوس ونحوه.
والسَّلَبُ؛ هو الشيء المسلوب، سمي به؛ لأنه يسلب كالخيطة بمعنى المخيوط.
وأما التنفيل؛ فهو مصدر نَفَّل. والأنفال: العطايا من الغنيمة، غير السهم المستحق بالقسمة، واحدها نَفَل؛ بفتح الفاء على المشهور، وحُكي إسكانها (1).
وفي الحديث أحكام:
منها: أنه يستحب للإمام الجلوس عند أصحابه لإيناسهم بالحديث وتعليم العلم، خصوصًا في الأسفار، ووقت الحاجة إلى ذلك.
ومنها: الأمر بطلب الجاسوس الكافر الحربي وقتله. وأجمع المسلمون على ذلك.
واختلف العلماء في الجاسوس المعاهد والذمي، هل ينتقض عهده ويقتل؟
فقال مالك، والأوزاعي: يصير ناقضًا للعهد، فإن رأى الإمام استرقاقه، أرقه، ويجوز قتله.
وقال جماهير العلماء: لا ينتقض عهده بذلك، وقال أصحاب الشافعي: إلا أن يكون قد شرط عليه انتقاض العهد بذلك.
أما الجاسوس المسلم، فقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وبعض المالكية، وجماهير العلماء: يعزره الإمام بما يراه من ضرب وحبس ونحوهما، ولا يجوز قتله.
وقال مالك: يجتهد فيه الإمام، ولم يفسر الاجتهاد.
قال القاضي عياض رحمه الله: قال كبار أصحابه: يقتل. قال: واختلفوا
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (12/ 55)، و"لسان العرب" لابن منظور (11/ 672)، (مادة: نفل).