الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل كفرًا، وقال الشافعي ومالك: يقتل حدًّا.
وحمل الشافعي الكفر في الأحاديث، على كفر النعمة، دون الكفر المطلق المخرِج من الإِسلام. واستدل لذلك بما رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، بإسناد صحيح ثابت، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خمسُ صلواتٍ كتبهن اللهُ على العبادِ، فمنْ جاءَ بهن، ولم يُضَيِّعْ منهن شيئًا استخفافًا بِحَقِّهِنَّ، كانَ لهُ عندَ اللهِ عهدٌ، أَنْ يُدْخِلَه الجنةَ، ومن لم يأتِ بهن، فليسَ له عندَ اللهِ عهدٌ، إن شاءَ عذبَهُ، وإنْ شاءَ أدخلَه الجنَةَ"(1).
فلما كان مَنْ تركَ الصلاة غيرَ مستحل لتركها، ولا مستخفا بها، داخلَا تحت المشيئة، دل على عدم كفره المطلق، فلا يكون قتله كفرًا، بل حدًّا.
واستدل على قتله حدًّا؛ بقوله صلى الله عليه وسلم: "نُهيت عن قَتلِ المُصَلين"(2) وهو حديث ضعيف عند المحدثين، وبتقدير ثبوته، لا دلالة له فيه لقتلهم إذا تركوها؛ لأنه دلالة مفهوم العكس، وهو ضعيف عند أرباب أصول الفقه، والله أعلم.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَيضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ مَا يقضِي اللهُ بينَ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ في الدمَاء"(3).
= (306 هـ)، شرحه أبو محمَّد الحسن بن أحمد الإصطخري الشافعي المتوفى سنة (328 هـ).
انظر: "كشف الظنون"(2/ 1674).
(1)
تقدم تخريجه.
(2)
رواه أبو داود (4928)، كتاب: الأدب، باب: في الحكم في المخنثين، والدارقطني في "سننه"(2/ 54)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 224)، وفي "شعب الإيمان"(2798)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفي الباب: عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(3)
رواه البخاري (6168)، كتاب: الرقاق، باب: القصاص يوم القيامة، ومسلم (1678)، كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: المجازاة بالدماء في الآخرة، وهذا لفظ مسلم.
لا شك أن أمر الدماء عظيم، وخطرها كبير، والبداءة إنما تكون بالأهم فالأهم، وهي حقيقة بذلك؛ فإن الذنوب تعظم بحسب المفسدة الواقعة بها، أو بحسب ذوات المصالح المتعلقة بعدمها.
وعدم البنية الإنسانية من أعظم المفاسد، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله تعالى أعظم منه.
ولهذا نص الشافعي -رحمه الله تعالى- على أن أكبر الكبائر بعد الشرك القتل. وهذا إذا تجرد عن اعتقاد حله في غير محله.
وقد ثبت في حديث صحيح في "السنن" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "أولُ ما يُحاسَبُ عليهِ العبدُ صلاتُه"(1)، فيحتمل الأولية في حديث الدماء: أنها بما يقع فيه الحكم بين الناس فيما بينهم.
ويحتمل أن تكون عامة في أولية ما يُقضى فيه مطلقا. لكن الاحتمال الأول أقوى، ويكون حديث المحاسبة على الصلاة محمولًا على الأولية؛ فيما بين العبد وبين الله تعالى.
وفي الحديث: التنبيه على غلظ تحريم الدماء.
وفيه علم النبي صلى الله عليه وسلم بأمور الآخرة كما يعلم أحكام الدنيا، ولا شك أن الأمر كذلك؛ فإن الله سبحانه وتعالى أطلعه على ما كان [وما يكون](2) وما هو كائن، ولم يكتم صلى الله عليه وسلم شيئًا من ذلك.
وفيه: القضاء بين الناس يوم القيامة، وأوليته، والله أعلم.
* * *
(1) رواه أبو داود (864)، كتاب: الصلاة، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه"، والنسائي (465)، كتاب: الصلاة، باب: المحاسبة على الصلاة، والترمذي (413)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، وابن ماجه (1425)، كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
ما بين معكوفين ليس في "ح".