الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها: أن لحوم الصيود وغيرها من اللحوم والأطعمة إذا بقيت يومًا أو يومين أو ثلاثة يحل أكلها.
وقد ثبت في "صحيح مسلم!: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رميتَ بسهمكَ فغابَ
عنك فأدركتَه ما لم ينتنْ" (1).
وفي رواية تقييد الأكل بعد الثلاث ما لم ينتن، فرواية الكتاب مطلقة في الأكل إذا وجد أثر سهمه وشاء أكله بعد الثلاث من غير تقييد.
فحمل الشافعيون التقيد بعدم النتن على التنزيه لا على التحريم، وقالوا: يجوز أكل جميع اللحوم المذكاة والأطعمة المنتنة، ولا يحرم إلا أن يخاف منها الضرر خوفًا معتمدًا.
وقال بعض أصحاب الشافعي: يحرم اللحم المنتن، وهو ضعيف عندهم.
ومنها: أنه إذا وجد الصيد غريقًا، أو كان طائرًا وخبط على الأرض، وجوز أن يكون غرقه أو تردي الصيد من جبل وموته من سبب آخر، لم يحل أكله، فإنه لا يدري ما مات بسببه من التردي والغرق أو بالاصطياد، ومتى لم يتحقق سبب الإباحة، فإنه يحرم.
وهذا داخل تحت القاعدة المستنبطة من الحديث، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبيه رضي الله عنهم قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنِ اقْتنَى كَلْبًا إلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ".
قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلبَ حرثٍ، وكانَ صاحبَ حرثٍ (2).
(1) رواه مسلم (1931)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: إذا غاب عنه الصيد ثم وجده.
(2)
رواه البخاري (5164)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو =
أما سالم: فكنيته: أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشيُّ العدويُّ، المدنيُّ، التابعيُّ، الجليل، المتفق على علمه وصلاحه وزهده وفضله وورعه.
سمع: أباه، وأبا هريرة، وأبا أيوب الأنصاري، ورافع بن خديج، وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من التابعين. وروى عنه جماعة منهم ومن أتباعهم. وكان أشبهَ ولدِ عبد الله به.
وقال مالك بن أنس: ولم يكن أحد في زمان سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه، كان يلبس الثوب بدرهمين (1).
ووثقه الإمام أحمد بن حنبل، وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أصح الأسانيد كلها: الزهريُّ عن سالم عن أبيه.
وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، عال من الرجال، ورع، مات سنة خمس، وقيل: ست، وقيل: ثمان ومئة.
روى له: البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمساند (2).
وتقدم الكلام على أبيه أوائل الكتاب.
وأما قول سالم: "وكان أبو هريرة يقول: أو كلبَ حرث، وكان صاحب حرث"؛ فليس معناه أنه قاله بالاجتهاد والرأي، ولكنه لما؛ من صاحب حرث وزرع، اعتنى بذلك وحفظه وأتقنه، ورواه؛ حيث إن العادة أن المبتلى بشيء
= ماشية، ومسلم (1574)، كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب، وهذا لفظ مسلم.
(1)
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(20/ 55).
(2)
وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (5/ 195)، و"التاريخ الكبير" للبخاري (4/ 115)، و"الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (4/ 184)، و"الثقات" لابن حبان (4/ 305)، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم (2/ 193)، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (20/ 48)، و "صفة الصفوة" لابن الجوزي (2/ 90)، و"تهذيب الكمال" للمزي (10/ 145)، و"تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 203)، و"سير أعلام النبلاء" للذهبي (4/ 457)، و"تذكرة الحفاظ" له أيضًا (1/ 88)، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر (3/ 378).
يتقنه ما لا يتقنه غيره، ويتعرف من أحكامه ما لا يعرفه غيره.
قال العلماء: وليس قول سالم توهينًا لرواية أبي هريرة، ولا شكًّا فيها.
وقد ذكر مسلم رحمه الله هذه الرواية من اتخاذ الكلب للزرع، من رواية غيره من الصحابة رضي الله عنهم من رواية ابن المغفل وسفيان بن أبي زهير عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواها أيضًا في "صحيحه" من رواية أبي الحكم، واسمه: عبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي، عن ابن عمر، فيحتمل أن سالمًا سمعها من أبي هريرة، وتحققها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواها عنه بعد ذلك، وزادها في حديثه الذي كان يرويه بدونها، ويحتمل أنه تذكر في وقت أنه سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، فرواها، ونسيها في وقت، فتركها، فحصل مما ذكرنا جميعه: أن أبا هريرة ليس منفردًا بهذه الرواية، بل وافقه غيره من الصحابة في روايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو انفرد بها، كانت مقبولة، مرضية، مكرمة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "من اقتنى كلبًا إلا كلبَ صيدٍ أو ماشية"، فاعلم أن الكلاب في أصل الشرع ممنوعة الاقتناء، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها أولًا كلها، ثم نسخ ذلك، ونهى عن قتلها إلا الأسود البهيم.
ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب التي لا ضرر فيها، سواء الأسود وغيره.
وهذا الذي ذكرته ثبت في الصحيح من رواية ابن المغفل، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، ثم قال:"ما بالُهم وَبال الكلاب؟ "، ثم رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم (1).
وأجمع العلماء: على قتل الكلب الكَلِب، والكلب العقور، ثم اختلفوا فيما عداها، فقال القاضي عياض رحمه الله: ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتل الكلاب، إلا ما استثني من كلب الصيد وغيره.
(1) رواه مسلم (280)، كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب.
قال: وهذا مذهب مالك وأصحابه، قال: واختلف القائلون بهذا في كلب الصيد [من] وجوه: هل هو منسوخ من العموم الأول في الحكم بقتل الكلاب؟ وأن القتل كان عامًّا في الجميع، أم كان مخصوصًا بما سوى ذلك؟
قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذ جميعها، ونسخ الأمر بقتلها، والنهي عن اقتنائها إلا الأسود البهيم.
قال القاضي عياض: وعندي أن النهي أولًا كان نهيًا عامًّا عن اقتناء جميعها، وأنه أمر بقتلها جميعها، ثم نهى عن قتل ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها إلا كلب الصيد أو الزرع أو الماشية (1).
وهذا الذي ذكره القاضي هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، ويخص حديث ابن المغفل الذي ذكرته بما سوى الأسود؛ فإنه عام، فيخص بالحديث الآخر لما نهى عن قتلها. قال:"عليكم بالأسودِ البهيمِ ذي النقطتين؛ فإنه شيطان"(2).
إذا ثبت ما ذكرناه، فاعلم أن سبب المنع من اقتنائها غير المذكور في الأحاديث من الصيد والماشية والحرث، هو ما فيها من الترويع، وإيذاء المار، ومجانبة الملائكة لمحلها.
ولا شك أن مجانبتهم أمر شديد؛ لما في مخالطتهم من البركات من الإلهام إلى الخير والدعاء إليه.
ولهذا حذر الشارع من كل حالة يلابسها الشيطان من الأمكنة والأزمنة والأفعال والأقوال؛ لما فيها من مجانبة الملائكة وبركتهم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه ينقصُ من أجره كلَّ يوم قيراطان"؛ أما النقصان: فذى الروياني في في "البحر": أنهم اختلفوا في المراد بما ينقص منه، قال: فقيل: ينقص مما مضى من عمله. وقيل: من مستقبله. وقال: واختلفوا في محل نقص
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (10/ 235).
(2)
رواه مسلم (1572)، كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
القيراطين، فقيل: ينقص قيراط من عمل النهار، وقيراط من عمل الليل.
وقيل: قيراط من عمل الفرض، وقيراط من عمل النفل، والله أعلم (1).
واعلم أنه ثبت في الصحيح في روايات: "نقص من عمله كلَّ يوم قيراطان" كما في الكتاب. وفي روايات: "قيراط"(2).
ولا شك أن المراد من النقصان نقصان الأجر، لا نقصان نفس العمل؛ فإنه وجد واستقر، ويحتمل أنه يعاقب بعدم التوفيق للعمل بمقدار قيراط مما كان يعمل من الخير، فيكون النقص من العمل على حقيقته، ويلزم من تركه ترك الأجر الذي عليه، والله أعلم.
وأما اختلاف الروايات في قيراطين وقيراط، فيحتمل أنه يختلف باختلاف اقتناء الكلاب من شدة الأذى وخفته.
ويحتمل أنه يختلف باختلاف البقاع وفضلها، فيكون اقتناؤها في المدينة خاصة يوجب نقص قيراطين، وفي غيره قيراط، والقيراطين في المدن ونحوها من القرى، والقيراط في البوادي. أو يكون ذكر ذلك في زمنين، فذكر القيراط أولًا، ثم زاد التغليظ، فذكر القيراطين، والله أعلم.
واعلم أن سبب نقص الأجر أو العمل: إنما هو عقوبة لمن اقتناها، إما لارتكابه المنهي عنه وعصيانه به، أولما يبتلى به من ولوغها في غفلة صاحبها، وعدم غسل ما ولغت فيه بالماء والتراب، والله أعلم.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: تحريم اقتناء الكلب لغير حاجة.
ومنها: جواز اقتنائه للصيد والزرع والماشية.
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (10/ 239).
(2)
رواه البخاري (3146)، كتاب: بدء الخلق، باب: إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ومسلم (1575)، كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وهل: يقاس عليها غرض حراسة الدروب ونحوها؟ اختلف أصحاب الشافعي في ذلك على وجهين:
أحدهما: المنع؛ حيث إن الأصل فيها المنع، ورفعت الرخصة في المذكورات، فلا يتعدى.
وأصحهما: الإذن؛ حيث إن العلة في الرخصة معقولة، فتعدى. ولهذا قال العلماء: الرخصة إذا عرفت، عمت، وإذا وقعت، عمت، فعمومها يكون في حكمها ومعناها، والله أعلم.
ومنها: جواز اقتناء جرو الكلاب المذكورات وتربيته لها، ويكون القصد لذلك قائمًا مقام وجود المنفعة بها لها؛ كبيع ما لا ينتفع به في الحال للانتفاع به في المآل.
وقد اختلف أصحاب الشافعي رحمه الله في هذه المسألة على وجهين:
أصحهما: الجواز؛ لدخوله تحت اسم الكلب، فإنه يقال: كلب كبير وكلب صغير، وإن كان مخصوصًا باسم الجرو، والله أعلم.
واستدل المالكية بجواز اتخاذه للمذكورات على طهارته، قالوا: فإن ملابسته مع الاحتراز منه وعن شيء منه شاق، والإذن في الشيء إذن في مكملات مقصودهِ، كما أن المنع من لوازمه مناسب للمنع منه.
وقد يستدل بإطلاق لفظ الكلب على أن الأسود كغيره في الرخصة. وبه قال مالك، والشافعي، وجماهير العلماء، قالوا: لأنه غير خارج عن جنس الكلاب، ولو ولغ في إناء وغيره، وجب غسله؛ كما يغسل من ولوغ غيره من الكلاب؛ كالأبيض وغيره.
وقال أحمد، وبعض أصحاب الشافعي: لا يحل صيده، ولا يحل أكله إذا قتله؛ لأنه شيطان، وإنما أحل صيد الكلب، والله أعلم.
ومنها: الحث على تكثير الأعمال والتحذير من تنقيصها، والتنبيه على أسباب الزيادة والنقص؛ لتجتنب أو لترتكب لأجل زيادتها، والله أعلم.