الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: "فقد عتقَ منه ما عتقَ"؛ حيث إنها ثابتة في الحديث عنده، ولم ينظر فيما عللها به الأئمة الذين ذكرناهم، وإنها من قول قتادة، لا من الحديث، بخلاف قوله:"وإلَّا فقدْ عتقَ منه ما عتقَ"؛ فإنها ثابتة عند المحققين من الحفاظ، وإن كان بعضهم عللها وجعلها من قول نافع، لكنه قولٌ مرجوح كما بيناه في الحديث قبله، فتعين ترجيح دلالة "فقد عتقَ منه ما عتق" على الاستسعاء، وأنه ضعيف، والله أعلم [بالصواب، وإليه المرجع والمآب](1).
* * *
الحديث الثالث
وقد بوب عليه بعضُهم: باب المدبَّر، وليس هو في معظم نسخ الكتاب.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ غُلَامًا (2)، وَفِي لَفْظٍ: بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِ مِئَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَرْسَلَ ثَمَنَهُ إِلَيْهِ (3).
أما الرجل المعتق عن دبر؛ فهو أبو مذكور، والغلام المعتق اسمه: يعقوب، والذي اشتراه نعيم بن عبد الله النحام، ذكر ذلك الخطيب البغدادي.
وذكر المعتقَ والغلامَ فقط ابنُ بشكوال، وقال: والمعتق اسمه يعقوب (4)، كذا في "صحيح مسلم"(5)، وفي "النسائي" أيضًا (6) اسم المعتق.
وقد روى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن إسماعيل بن إبراهيمُ عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه: أن رجلًا من الأنصار يقال
(1) ما بين معكوفين ليس في "ح".
(2)
رواه مسلم (997)، باب: الأيمان، باب: جواز بيع المدبر.
(3)
رواه البخاري (6763)، كتاب: الأحكام، باب: بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم، ومسلم (997)، (3/ 1289)، كتاب: الأيمان، باب: جواز بيع المدبر.
(4)
انظر: "غوامض الأسماء المبهمة" لابن بشكوال (1/ 474 - 475).
(5)
انظر: "صحيح مسلم"(3/ 693).
(6)
انظر: "سنن النسائي"(4653)، (7/ 304).
له: أبو مذكور أعتق غلامًا له يقال له: يعقوب، عن دبر، لم يكن له مال غيره، فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"من يشتريه؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام بثمان مئة درهم، فدفعها إليه، وقال:"إذا كانَ أحدُكم فقيرًا، فليبدأْ بنفسه، فإن كان فيها فضلٌ، فعلى عيالِه، فإن كان فضلٌ، فعلى ذي قرابته، أو ذي رَحِمِهِ"(1). وهكذا رواه جماعة عن أبي الزبير، عن جابر؛ منهم: الليث بن سعد، وحماد بن سلمة، وابن جريح، وغيرهم، والله أعلم.
وفي رواية النسائي والدارقطني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفع إليه ثمن الدبر، قال له:"اقضِ بهِ دَيْنَكَ"(2)، والله أعلم.
وقوله: "دُبُرٍ، وأعتقَ غُلامًا له عن دُبُر"؛ معناه: أعتقه بعد موته؛ أي: قال: أنت حر بعد موتي، فكأنه علَّق عتقه بموته، والموتُ دبرُ الحياة، وبه سمي التدبير.
ولا يقال التدبير في غير الرقيق؛ كالخيل وغيرها، مما يوصي به.
قال الإمام أبو القاسم الرافعي رحمه الله: وقيل: سمي تدبيرًا؛ لأنه دبر أمر دنياه، باستخدامه واسترقاقه، وأمر آخرته بإعتاقه، قال: وهذا مردود إلى الأول -أيضًا-؛ لأن التدبير في الأمر مأخوذ من لفظ الدبر أيضًا؛ لأنه نظر في عواقب الأمر وإدباره، والله أعلم (3).
وفي الحديث أحكام:
منها: جواز التدبير وصحته، وقد أجمع المسلمون عليه.
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(3/ 305)، وأبو داود (3957)، كتاب: العتق، باب: في بيع المدبر، والنسائي (4653)، كتاب: البيوع، باب: بيع المدبر، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 309).
(2)
رواه النسائي (5418)، كتاب: آداب القضاة، باب: منع الحاكم رعيته من إتلاف أموالهم، وبهم حاجة إليها، والدارقطني في "سننه"(4/ 139)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 311).
(3)
انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (3/ 98).
ثم مذهب الشافعي رحمه الله، ومالك، والجمهور: أنه يحسب عتقه من الثلث، وقال الليث، وزفر: هو من رأس المال.
ومنها: جواز بيع المدبر قبل موت سيده؛ لهذا الحديث، وقياسًا على بيع الموصي بعتقه؛ فإنه جائز بالإجماع، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وممن جوزه: عائشة، وطاوس، وعطاء، والحسن، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود.
وكما يجوز بيع المدبر، تجوز هبته والوصية به، وغيرُها من التصرفات المزيلة للملك، سواء كان التدبير مطلقًا، أو مقيدًا، خلافًا لأبي حنيفة في المطلق، ولمالك في المطلق والمقيد معًا.
وعن أحمد روايتان؛ إحداهما: كمذهبنا، والأخرى: أنه له بيعه للدين فقط، ويمنع بيع المدبر.
قال جمهور العلماء والسلف من الحجازيين، والشاميين، والكوفيين: وتأولوا بيعه على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما باعه في دين كان على سيده، كما رواه النسائي والدارقطني، وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم باعه، وقضى منه دينه، ودفع الفضل إليه.
وروي عن عائشة رضي الله عنها: أنها باعت مدبرة لها سحرتها (1). ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولا خالفها، وهذا يدل على جواز بيعه مطلقًا.
قالوا: ولا تعليق للعتق بصفة انفرد السيد بها فيتمكن من بيعه كالمعلق عتقه بدخول الدار، وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره، فرد تصرفه.
قال هذا القائل: وكذلك يرد تصرف كل من تصدق بكل ماله، وهذا ضعيف باطل، والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله.
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(6/ 40)، وعبد الرزاق في "المصنف"(16667)، والبخاري في "الأدب المفرد"(162)، والدارقطني في "سننه"(4/ 140)، والحاكم في "المستدرك"(7516)، والبيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 137).
ومنهم من يقول: أنا أقول بجواز بيعه في صورة كذا، والواقعة واقعة حال لا عموم لها، فيجوز أن تكون في الصورة التي أقول بجواز بيعه فيها، فلا تقوم عليَّ الحجة في المنع من بيعه في غيرها، كما يقول مالك رحمه الله في جواز بيعه في الدين، على التفصيل المذكور في مذهبه، والله أعلم.
قال القاضي عياض رحمه الله: والأشبه عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك نظرًا له؛ إذ لم يترك لنفسه مالًا.
والصحيح: ما قاله أصحاب الشافعي ومن وافقهم: أن الحديث على ظاهره، وأنه يجوز بيع المدبر بكل حال ما لم يمت السيد، والله أعلم (1).
ومنها: نظر الإمام في مصالح رعيته، وأمرُه إياهم بما فيه الرفق بهم، وبإبطالهم من تصرفاتهم التي يمكن نسخها، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وقد يسر الله تعالى في تأليف هذا الشرح المسمى بـ "العُدَّة في شرح العُمْدَة"، ما تقرُّ به عيونُ الطالبين، وتنشرح له صدور العلماء العارفين، وتستنير له قلوب الألباء الفَطِنين؛ لما احتوى عليه من العلوم الباهرة، والفنون الزاهرة؛ من علوم الحديث، واللغة، والفقه، والأحكام، وأسماء الصحابة والتابعين ورواياتهم، وما تيسر من مناقبهم وآثارهم، وتبيين المبهم من الأسماء، والتنبيه على دقائق واضحة، وجليات رائقة فائحة، وتفسير آيات محكمات، وإيضاح معانٍ مشكلات، وذكر أصول ثابتات، وفروع نَضِرة نيّرات.
فله الحمدُ على ما يسَّر وهدى، وأنعم وأولى، وجاد وأعطى، وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا، ويعم النفعُ به كلَّ طالب حارصًا، وأن يعصمنا أجمعين من الزيغ والزلل، وأن يوفق من وجد عيبًا لسد الخلل، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى، والحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلواتُه وسلامه
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (11/ 141 - 142).
على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمامِ المتقين، المرسلِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وأزواجه وذريته وصحابته الطاهرين، وعلى سائر الخلق من الملائكة والأنبياء والمرسلين وآلِ كلٍّ والصالحين من سكان السموات والأرضين، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم.
قال مؤلفه رحمه الله: فرغت من تأليفه صبيحة يوم السبت، السابع عشر من شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث عشر وسبع مئة، [والحمد لله على نعمه التي لا تحصى](1).
نسخ العبد الفقير إلى الله تعالى: موسى بن إبراهيم النابلسي مولدًا، الأشعري معتقدًا، الشافعي مذهبًا، الأندلسي والدًا، عفا الله عنه وعن والديه، ومستنسخه، والناظر فيه، ومن كان السبب فيه، وجميع المسلمين، آمين.
وكان الفراغ منه: اليوم الثاني من مستهل جمادى الآخرة سنة ستين وسبع مئة، أحسن الله تقضيها بمنِّه وكرمه، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد كلَّما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون.
* * *
(1) ما بين معكوفين ليست في "ح".