الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتشعيبات والتشغيبات، تحقق ما ذكرته! واتضح بما نبه عليه أمير المُؤْمنين رضي الله عنه فيما أوضحته، والله يرشدنا إلى الصواب في القول والعمل، ويحمينا من الخطأ والزلل.
* * *
الحديث الرابع
عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام: لأَطُوفَنَّ الليلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأةً تَلِدُ كُل امْرَأَةِ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إنْسَانٍ"، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ"(1).
قوله: "قيلَ له: قلْ: إنْ شاءَ اللهُ" يعني: قالَ لهُ الملَكُ.
أما سليمان عليه السلام؛ فهو أحد المؤمنينِ اللذينِ ملكهما الله تعالى الدنيا كلها -فيما نقل-.
قال الشيخ أبو عبد الله الحسين بن خالويه رحمه الله: وقد قيل: إن الدنيا ملكها الله عز وجل أربعةً؛ مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمرود، وبخت نصر. والله أعلم.
وقال أبو عبد الله بن محمَّد بن سلامة بن جعفر القضاعي -رحمه الله تعالى-: إن سليمان بن داود -عليه ما السلام - ملك بعد أَبيه، وله اثنتا عشرة سنة من عمره، وسخر الله تعالى معه الجن والإنس والطير والرياح، وآتاه النبوة، وكان إذا جلس في مجلسه، عكفت عليه الطير، وقام له الإنس والجن، وكان إذا أراد سفرًا لغزو، أمر، فنُصب له خشب، وحُمل عليه ما يريد
(1) رواه البُخَارِيّ (6341)، كتاب: كفارات الأيمان، باب: الاستثناء في الأيمان، ومسلم (1654)، كتاب: الأيمان، باب: الاستثناء.
من النَّاس والدواب وآلة الحرب، ثم يأمر العاصفَ من الريح، فيدخل تحت ذلك الخشب، فتحمله، فهذا استقل، أمر الرخاء فمدته شهرًا في غدوةٍ، وشهرًا في روحة إلى حيث شاء.
ولما مضى من ملكه أربع سنين، بدأ ببناء بيت المقدس، وفرغ منه في سبع سنين، ولما مضى من ملكه خمس وعشرون سنة، جاءته ملكة سبأ، وهي بلقيس، وكان من قصته معها ما قصه الله عز وجل في كتابه.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّه قال: إن سليمان عليه السلام تزوجهًا.
وقال وهب: زوَّجها ذا تبع ملكَ همذان، وردها إلى اليمن، وسلَّط زوجَها على اليمن.
قال السدي: إن الشيطان أخذ خاتم سليمان، وجلس على كرسيه أربعين صباحًا، وخرج سليمان هاربًا على وجهه يستطعم النَّاس، فكانت هذه فتنته التي ذكرها الله عز وجل، ثم إن الشيطان هرب وطرح الخاتم في البحر، وتُصدق على سليمان بحوت، فشق بطنه، فوجد الخاتم فيه، فرده الله إلى ملكه (1).
وروى ابن عباس رضي الله عنهما، عن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وقال:"بينما سليمان يصلي ذات يوم، رأى شجرة، فقال: ما اسمك؟ فقالت: الخرُّوب، فقال: لأي شيء أَنْتَ؟ قالت: لخرابِ هذا البيت، فقال سليمان: اللهمَّ عَمِّ على الجنِّ موتي، حتَّى تعلم الإنس أنَّهم لا يعلمون الغيب، ونحتَ من الخروب عصًا، وتوكأ عليها حَوْلًا وهو ميت، والجن لا تعلم، فأكلتها الأَرَضَة، فسقط"(2)، وكان جميع عمره اثنين وخمسين سنة، وملك بعده ابنه رخيعم سبع عشرة سنة، ثم افترقت ممالك بني إسرائيل، فملك بعده ابنه إيثائر بعض بني إسرائيل ثلاث
(1) انظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (11/ 9)، و"الدر المنثور" للسيوطي (7/ 180).
(2)
رواه الطَّبْرَانِيّ في "المعجم الكبير"(12281)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(22/ 296).
قال ابن كثير في "تفسيره"(3/ 530): وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفًا.
سنين، وملك بعده ابنه امنا إحدى وأربعين سنة، وكان رجلًا صالحًا، وكان أعرج من عرق النساء، ولم يزل الملك في ولده إلى صاحب شعيا، واسمه صديقة، فيما قاله ابن إسحاق، وقال غيره: حزقيا (1).
وأما أبوه داود عليه السلام؛ فهو ابن آشي بن عويد من ولد يهوذ ابن يعقوب عليه السلام.
قال وهب بن منبه: كان قصيرًا أزرق قليل الشعر، طاهر القلب، نقيه، ورثه الله عز وجل ملكَ طالوت، ونبوةَ شموئيل، وأطاعه بنو إسرائيل، وفتح لهم الفتوحات الكثيرة، وأنزل الله عليه الزبور، وعلمه صنعة الحديد، وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح، وأعطاه من حسن الصوت ما لم يعطه أحدًا من خلقه، وكان له تسعة وتسعون زوجة، ولما بلغ ثمانيًا وخمسين سنة من عمره، ابتلي بقصة أوريا، وتزوج زوجة أوريا وولدت له سليمان، وبكى على خطيئته أربعين صباحًا حتَّى نبت العشب من دموع عينيه، فتاب الله عليه.
وقيل: إنه أخذ في عُدة بناء بيت المقدس، ومات ولم يبنهِ، وقيل: إنه شرع في بعض بنائه، ومات ولم يتم، وكان عمره مئة سنة.
ويزعم أهل الكتاب أنَّه عاش سبعًا وسبعين سنة، وقيل: سبعين سنة، ويقال: إن جنازته شيعها أربعون أَلْف واهب، وأن ملكه كان أربعين سنة (2).
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لأَطوفَنَّ الليلةَ"، فهكذا هو في الروايات كلها "لأَطوفنَّ"، ووقع في بعض نسخ "صحيح مسلم":"لأطيفنَّ الليلة"، وهما لغتان فصيحتان.
يقال: طاف بالشيء، وأطاف به: إذا دار حوله، وتكرر عليه، فهو طائف ومُطيف. وهو هنا كناية عن الجِماع (3).
(1) وانظر خبر سليمان بن داود -عليه ما السلام - في: "تاريخ الطبري"(1/ 287)، و"الكامل في التاريخ لابن الأثير (1/ 175).
(2)
وانظر خبره عليه السلام في: "تاريخ الطبري"(1/ 281)، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير (1/ 169).
(3)
انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 323).
واللام في قوله: "لأطوفن" يحتمل أن تكون جوابًا لقسم تقديره: والله لأطوفن، وهو الظاهر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لو قالَ: إنْ شاءَ اللهُ لم يحنَثْ"؛ لأن عدم الحنث ووجوده لا يكون إلَّا عن قسم.
ويحتمل أن يكون حكاية عن قول سليمان من غير قسم، فتكون اللام ابتدائية، وهو خلاف الظاهر.
وقوله: "على سبعين امرأةً" وقد روى مسلم: كان لسليمان ستون امرأة (1)، وفي رواية: له سبعون (2)، وفي رواية: تسعون (3)، وفي غير "صحيح مسلم": تسع وتسعون، وفي رواية: مئة (4).
وكل ذلك ليس بمتعارض؛ لأنه ليس في ذكر القليل نفي الكثير، كيف وهو من مفهوم العدد، وهو غير معمول به عند جماهير الأصوليين (5)؟
قوله: "تلدُ كلُّ امرأةٍ منهنَّ غلامًا يقاتلُ في سبيل الله"؛ هذا إنما قاله على سبيل التمني للخير، وقصد به الآخرة، والجهاد في سبيل الله تعالى، لا لعرض الدنيا، ولا يجوز أن يكون قاله عن وحي، وإلا لوجب وقوعُ مخبره، والله -سبحانه- أعلم.
وقوله: "فقيلَ له: قلْ: إنْ شاءَ اللهُ"؛ وقال المصنف: يعني: قال له الملَكُ؛ فهكذا هو الظاهر على ما رواه مسلم في ""صحيحه" مرفوعًا: "فقال له صاحبه أو الملك"، وقيل: المراد به: القرين، وقيل: المراد: صاحبٌ له آدمي.
(1) رواه مسلم (1654)، (3/ 1275)، كتاب: الأيمان، باب: الاستثناء، والبخاري أَيضًا (7031)، كتاب: التوحيد، باب: في المشيئة والإرادة.
(2)
تقدم تخريجها في حديث الباب.
(3)
رواه البُخَارِيّ (6263)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم؟ ومسلم (1654)، (3/ 1276)، كتاب: الأيمان، باب: الاستثناء.
(4)
رواه البُخَارِيّ (2664)، كتاب: الجهاد والسير، باب: من طلب الولد للجهاد، بلفظ:"لأطوفن الليلة على مئة امرأة، أو تسع وتسعين".
(5)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (11/ 120).
وقوله: "فلم تلد منهن إلَّا امرأةٌ واحدةٌ نصفَ إنسان"؛ قيل: هو الجسد الذي ذكره الله عز وجل أنَّه ألقي على كرسيه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "لو قالَ: إن شاءَ اللهُ، لم يحنثْ، وكان دَرَكًا لحاجته"؛ هذا محمول على أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم -أوحي إليه بذلك في حق سليمان عليه السلام؛ لا أن كل من فعل هذا يحصل له هذا.
وقوله: "وكانَ دَرَكًا لحاجته"؛ هو بفتح الراء: اسمٌ من الإدراك؛ أي: لحاقًا، قال الله تعالى:{لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه:77] والمعنى: أنَّه كان يحصل له ما أراد.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: قصد للخيرات وأسبابها.
ومنها: أن السنة لمن قال: سأفعل كذا، أن يقول: إن شاء الله، والكتاب العزيز يدل على ذلك، -أَيضًا - في قوله عز وجل:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23 - 24].
ومنها: ما خص به الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- من القوة على إطاقة هذا في ليلة واحدة، وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يطوف على إحدى عشرة في الساعة الواحدة، كما ثبت في "الصحيح"(1)، وهذا كله من زيادة القوة.
ومنها: أن إتباعَ المشيئةِ لليمين بالله يرفعُ حكمها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لم يحنث".
قال القاضي عياض رحمه الله: أجمع المسلمون على أن "إن شاء الله" تمنع انعقاد اليمين؛ بشرط كونِه متصلًا، قال: ولو جاز منفصلًا كما روي عن بعض السلف، لم يحنث أحد قط في يمين، ولم يحتج إلى كفارة، قال: واختلفوا في الاتصال: فقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، والجمهور: هو أن
(1) رواه البُخَارِيّ (4781)، كتاب: النكاح، باب: كثرة النساء، ومسلم (309)، كتاب: الحيض، باب: جواز نوم الجنب .. ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة، وله تسع نسوة.
يكون قوله: "إن شاء الله" متصلًا باليمين من غير سكوت بينهما، ولا تضر سكتة التنفس (1).
وشرط أصحاب الشَّافعيّ مع الاتصال نيةَ قولِ المشيئة قبلَ الفراغ من اليمين، وبعضهم شرط أن ينوي قولَها من أول اليمين، وما أعلم وَجْههما؛ من حيث إن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لم يقيد قولها بنية ولا غيرها، بل لولا المعنى في انفصالها عن اليمين ولو بعد مدة أنَّه يوجب عدم عقد الأيمان ووجوب الكفارة، وإلا لما كان اتصالها بها يشترط من حيث الحديث؛ فإنَّه لم يقيده بالاتصال لفظًا -أَيضًا-.
وقد تمسك به من قال بجواز تأخير المشيئة أبدًا، ومن قال: ما لم يقم من المجلس، ومن قال: أربعة أشهر، لكنها مذاهب مرجوحة، والله أعلم.
واعلم أن المشيئة ترد على أحوال:
الأول: أن ترد إلى الفعل المحلوف عليه؛ كقوله مثلًا: لأدخلنَّ الدار إن شاء الله، وأراد تعليق المشيئة بالدخول؛ أي: إن شاء الله دخولها، فهذا الذي ينفعه الاستثناء بالمشيئة، ولا يحنث إن لم يفعل.
الثاني: أن يرد الاستثناء بالمشيئة إلى نفس اليمين، ولا ينفعه؛ لوقوع اليمين، وتبين مشيئة الله تعالى.
الثالث: أن يذكر على سبيل الأدب في تفويض الأمور إلى مشيئة الله عز وجل، وامتثالًا لقوله تعالى:{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف:23 - 24]، لا على قصد معنى التعليق، وهذا لا يرفع حكم اليمين، ولا تعلق للحديث بتعليق الطلاق بالمشيئة.
والفقهاء مختلفون فيه، قالوا: فلو قال: أَنْتَ طالق إن شاء الله، أو: أَنْتَ حر إن شاء الله، أو: أنتِ علي كظهر أمي إن شاء الله، أو: لزيد في ذمتي أَلْف درهم إن شاء الله، أو: إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ صوم شهر إن شاء الله، أو ما أشبه ذلك، فمذهب الشَّافعيّ، والكوفيين، وأبي ثور، وغيرهم: صحةُ
(1) انظر: "شرح مسلم" للنووي (11/ 119).
الاستثناء في جميع الأشياء، كما أجمعوا عليها في اليمين بالله عز وجل، فلا يحنث في طلاق ولا عتق، ولا ينعقد ظهاره ولا نذره ولا إقراره، ولا غير ذلك فيما يتصل به قوله: إن شاء الله تعالى، وهو مشكل جدًّا.
وقال مالك والأوزاعي: لا يصح الاستثناء في شيء من ذلك إلَّا باليمين بالله تعالى، واختلف السلف في أن الاستثناء بالمشيئة في اليمين بالله، هل يشترط اتصاله أم لا؟
ومن قال: لا يشترط اتصاله، اختلفوا في المدة التي يجوز انفصاله إليها؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما: له الاستثناء أبدًا متى تذكره، وعن بعضهم: له الاستثناء سنة أو سنتين، وروي عن مجاهد، وعن سعيد بن جبير: يجوز بعد أربعة أشهر، وعن طاوس، والحسن، وجماعة من التابعين: له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم، وقال عطاء: قدر حَلْبِه ناقة.
وهذه المذاهب كلها مرجوحة متأولة على جواز التبرك باستحباب قول: إن شاء الله، لمن حلف على فعل مستقبل؛ لقوله عز وجل:{وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24] ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث.
ومنها: أن الاستثناء لا يكون إلَّا باللفظ، ولا يكفي فيه النية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لو قالَ: إنْ شاءَ اللهُ، لم يحنثْ"، وبهذا قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأَحمد، والعلماء كافة.
وحكي عن بعض المالكية أن قياس قول مالك صحةُ الاستثناء بالنية من غير لفظ.
ومنها: أن الكناية في اليمين مع النية، كالصريح في حكم اليمين؛ لأن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم حكى عن سليمان - عليه السلام -: أنَّه قال: "لأطوفنَّ"، وليس فيه التصريح باسم الله عز وجل، ولكنه مقدر لأجل اللام التي دخلت على قوله "لأطوفنَّ"، فإن كان قد قيل بذلك، وأن اليمين تنعقد بمثله، فالحديث حجة لمن قاله، وإن لم يكن، فيحتاج إلى تأويله، وتقدير التلفظ باسم الله عز وجل في المحكي، وإن كان ساقطًا في الحكاية.
وهذا ليس بمستبشع فيها؛ فإن من قال: والله لأطوفن، فقد قال: لأطوفن؛ فإن اللافظ بالمركب لافظ بالمفرد.
ومنها: جواز الإخبار عن الشيء ووقوعه في المستقبل بناء على الظن؛ فإن إخبار سليمان صلى الله عليه وسلم بقوله: "تلدُ كلُّ امرأةٍ منهنَّ غلامًا" لا يجوز أن يكون عن وحي، وإلا لوجب وقوع مخبره. والله أعلم.
وأجاز بعض فقهاء الشافعية الحلف على الظن الماضي، وقالوا: يجوز أن يحلف على خط أَبيه، وجوزوا العمل به واعتماده، في أصح الوجهين عندهم، وجوز بعضهم العمل بالقرينة وإن كانت ضعيفة.
وذكر بعض المالكية ذلك احتمالًا، وترددوا في نقل خلاف في اليمين على الظن، وهو محتمل لوجهين.
وقد يتمسك بالحديث على أن الاستثناء إذا اتصل باليمين في اللفظ: أنَّه يثبت حكمه، وإن لم ينو من أول لفظ اليمين؛ حيث إن الملك قال له:"قل إن شاء الله" بعد فراغه من اليمين، فلو لم يثبت حكمه، لما أفاد قوله.
لكن يمكن جعلُ قوله تأدبًا، لا لرفع اليمين، فلا يكون حجة. ومتى وجد الاحتمال، سقط الاستدلال، والله أعلم.
ومنها: جواز استعمال "لو" و"لولا"؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لو قالَ: إن شاء الله، لم يحنث" إلى آخره.
وقد ترجم البُخَارِيّ عليه فقال: باب ما يجوزُ من اللَّو، وأدخل فيه قولَ لوط عليه السلام:{لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} [هود: 80]، وقولَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم:"لو كنتُ راجمًا بغير بينة، لرجمتُ هذه" و"لو مُدَّ لي الشهرُ لواصلتُ"، "ولولا حدثانُ قومِكِ بالكفرِ، لأتممتُ البيتَ على قواعدِ إبراهيم" و"لولا الهجرةُ، لكنت امرأً من الأنصارِ"، وأمثال هذا (1).
(1) انظر: "صحيح البُخَارِيّ"(6/ 2644 - 2646).
قال القاضي عياض رحمه الله: والذي ينفهم من ترجمة البُخَارِيّ وما ذكره في الباب من القرآن والآثار: أنَّه يجوز استعمال لو ولولا فيما يكون من الاستقبال مما امتنع من فعله لا متناع غيره، وفيما هو من باب الممتنع فعله لوجود غيره، وهو من باب لولا؛ لأنه لم يدخل في الباب سوى ما هو للاستقبال، أو ما هو حق صحيح مستيقن؛ كحديث:"لولا الهجرةُ لكنتُ امرأً من الأَنصار"(1)، دون الماضي والمنقضي، أو ما فيه اعتراض على الغيب والقدر السابق (2).
وقد ثبت في الحديث الصحيح قولُه صلى الله عليه وسلم: "ولو أصابَكَ شيءٌ فلا تقلْ: لو أَنِّي فعلتُ كذا لكانَ كذا، ولكنْ قلْ: قَدَّرَ اللُّهُ وما شاءَ فعلَ"(3).
قال القاضي: قال بعض العلماء: هذا إذا قاله على جهة الحتم والقطع بالغيب، أنَّه لو كان كذا، لكان كذا من ذكر مشيئة الله تعالى، والنظر إلى سابق قدره، وخفي علمُه علينا، فأما إذا قاله على التسليم، وردَّ الأمرَ إلى المشيئة، فلا كراهة فيه.
قال القاضي: وأشار بعضهم إلى أن (لولا) بخلاف (لو)، قال القاضي: والذي عندي أنهما سواء إذا استعملتا فيما لم يُحط به الإنسانُ علمًا، ولا هو داخل تحت مقدور قائلهما؛ مما هو يحكم على الغيب، أو اعتراض على القدر؛ كما نبه عليه في الحديث. ومثل قول المنافقين:{لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 168] و {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران: 156]، و {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ} [آل عمران: 154]، فرد الله عليهم باطلهم، فقال:{فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:168]، فمثل هذا هو المنهي عنه، أما هذا الذي نحن فيه، فإنما أخبر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فيه عن يقين نفسه: أن
(1) تقدم تخريجه.
(2)
انظر: "شرح مسلم" للنووي (11/ 122)، و "فتح الباري" لابن حجر (13/ 228).
(3)
تقدم تخريجه.