الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمزارعة مجتمعتين، وتجوز كل واحدة منها منفردة، وهذا هو الظاهر المختار لهذا الحديث.
ولا يقبل كون المزارعة في خيبر إنَّما جازت تبعًا للمساقاة، بل جازت مستقلة، ولأن المعنى المجوز للمساقاة موجود في المزارعة؛ قياسًا على القراض؛ فإنّه جائز بالإجماع، وهو كالمزارعة في كل شيء، ولأن المسلمين في جميع الأمصار والأعصار مستمرون على العمل بالمزارعة.
وأمَّا حديث النَّهي عن المخابرة، فتقدم الكلام عليه في آخر باب: ما نهي عنه من البيوع، وقد صنف ابن خزيمة وغيره كتبًا في جواز المزارعة، واستقصوا وأجادوا، وأجابوا عن أحاديث النَّهي، والله أعلم.
* * *
الحديث التاسع
عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا أَكثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلًا؛ فَكُنَّا نكْرِي الأَرْضَ عَلَى أَن لَنَا هَذِه، وَلَهُمْ هَذِه، فَرُبَّما أَخْرَجَتْ هَذِه، وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِه، فنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَّا الوَرِقُ، فَلَمْ يَنْهَنَا عنه (1).
ولِمُسْلِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَألْتُ رَأى بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ، فَقَالَ: لَا بَأسَ بِهِ (2).
إنَّما كان النَّاسُ يُؤاجِرونَ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بما على المَاذِيَانَاتِ، وأَقْبالِ الجَدَاولِ، وأشياءَ من الزَّرْع، فَيَهْلِكُ هَذَا، ويَسْلَمُ هَذَا، ويَسْلَمُ هَذَا ويَهْلِكُ هَذَا، ولَمْ يكُنْ للنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا، فَلِذلكَ زَجَرَ عَنْهُ، فأمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأسَ بِه.
الماذيانات: الأنهار الكبار، والجداول: النهر الصغير.
(1) رواه البُخاريّ (2573)، كتاب: الشروط، باب: الشروط في المزارعة، ومسلم (1547)، كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض بالذهب والورق.
(2)
رواه مسلم (1547)، (3/ 1183)، كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض بالذهب والورق.
تقدَّم الكلَامُ على رافع بن خديج قريبًا.
وأَمَّا حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ؛ فهو زرَقيٌّ، أنصاريٌّ، مدنيٌّ، تابعيٌّ، ثقةٌ، وكان قليلَ الحديث، روي له البُخاريّ ومسلم وغيرهما، واسم جدِّه: عمرو بن حصن بن خلدة بن مخلد، -بضم الميم- بن عامر بن زريق، وروى حنظلة عن: عمر، وعثمان، وعبد الله بن الزُّبير، وأبي هريرة، ورافع بن خديج، وعبد الله بن عامر بن كريز، وروى عنه: يَحْيَى بن سعيد الأنصاري، وربيعةُ بن أبي عبد الرحمن، وعثمان بن محمد الأخنسي، والزهري، وقال: ما رأيت رجلًا أحزمَ ولا أجودَ رأيًا من حنظلةَ بن قيس، كأنَّهُ رجل من قيس (1)، والله أعلم (2).
وأَمَّا الحقل: فهو الأرض التي تزرع، ويسمِّيه أهلُ العراق: القراح، وجمع الحقل: محاقل، وواحدها مَحْقَلَة، من الحقل، وهو الزرع، والمَبْقَلَة من البقل، وتقدم تفسير المحاقلة في باب: ما ينهى عنه من البيوع.
وأَمَّا الكِرَاء: فهو ممدود؛ وهو الإيجار.
والماذِيَانَات: بذال معجمة مكسورة، ثم ياء مثناة تحت، ثم ألف، ثم نون، ثم ألف، ثم، مثناة فوق، وحكى القاضي عياض عن بعض الرواة في غير مسلم: فتح الدال، وهو غريب، وهذه اللفظة معربة؛ ليست عربية، معناها: مَسايلُ المياه، وقيل: ما ينبت على حافَتي مَسيل، وقيل: ما ينبت حول السواقي، وقد فسرها المصنف بالأنهار الكبار (3).
وأمَّا قوله: وأَقبال الجداول؛ فأقبال: بفتح الهمزة، ثم القاف، وهي أوائلها
(1) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى"(5/ 73).
(2)
وانظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (5/ 73)، و "أسد الغابة" لابن الأثير (2/ 88)، و "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 173)، و"تهذيب الكمال" للمزي (7/ 453)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (2/ 155)، و "تهذيب التهذيب" له أيضًا (3/ 55).
(3)
انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 376)، و "شرح مسلم" للنووي (10/ 198)، و "لسان العرب" لابن منظور (13/ 403)، (مادة: مذن).
ورؤوسها، والجَدَاولُ: جمع جَدْوَل، وقد فسَّره المصنِّف بالنهر الصغير، وهو كالساقية الكبيرة.
ومعنى ذلك: أنهم كانوا يدفعون الأرض إلى من يزرعها ببذر من عنده، على أن يكون لمالك الأرض ما ينبت على الماذيانات وأقبال الجداول، أو هذه القطعة، والباقي للعامل، فنُهوا عن ذلك؛ لما فيه من الغرر؛ فربما هلك هذا دون ذلك، وعكسه، والله أعلم.
وأما أحكام الحديث:
ففيه دليل: على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، وردٌّ على من منعه مطلقًا، والأحاديث المطلقة بالنهي عن كِرائها تفسِّر هذا الحديث؛ أن المراد: بما عدا الذهب والفضة، وتقدَّم اختلاف العلماء في هذه المسألة، في آخر باب: ما ينهى عنه من البيوع، والجواب عن اختلاف الأحاديث فيها، والله أعلم.
وفيه دليل: على أنه لا يجوز أن تكون الأجرة شيئًا غير معلوم المقدار عند العقد؛ لمنعه ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزجر عنه بالإجارة، فدلَّ على أن الجهالة فيها لم تغتفر.
وفيه دليل: على جواز كرائها بشيء معلوم مضمون في الذمَّة من الطعام؛ لقوله في الحديث: "فَأمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ"، وجواز ذلك هو مذهب الشَّافعي، ومنعه هو مذهب مالك، وقد أشعر بعض روايات الصحيح بالجواز؛ بقوله: نهى عن كراء الأرض بكذا، إلى قوله: أو بطعام يسمى.
وفيه دليل: على أن فعل الصحابة رضي الله عنهم وقولهم بالأمر في عهده صلى الله عليه وسلم مرفوع حجة، يجب العمل به، والرجوع إليه.
وفيه دليل: على وجوب الرجوع إلى ذلك بإخبار واحد ونحوه عنهم، وأنه لا يشترط المتواتر في ذلك.
وفيه دليل: على وجوب الرجوع إلى الحق والعمل به من غير توقف ولا مناظرة، والله أعلم.