الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشافعي، ومالك، فإن اختار الوالي العدول إلى السيف، فله ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا قودَ إلا في القتل بالسيف، والحديثُ يرد عليه، وهو دليل لمالك والشافعي؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم رضَّ رأس اليهودي بين حجرين كما فعل هو بالجارية، فلو كان الذي وقع به القتل محرمًا؛ كالسحر، فإنه لا يقتل به.
واختلف أصحاب الشافعي فيما لو قتل باللواط، وبإيجار الخمر، فمنهم من أسقط المماثلة؛ حيث إنها محرمة كالسحر، ومنهم من قال: تدس فيه خشبة مثل الذكر، ويوجر الماء بدل الخمر.
والقتل بالسيف في هذه الصورة، قيل: هو أشد من فعله، والخنق يغيب الحس، فهو أسهل من فعله، والله أعلم.
* * *
الحديث الخامس
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَما فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولهِ صلى الله عليه وسلم مَكةَ، قَتَلَتْ هُذَيْل رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ كَانَ لَهُمْ في الجَاهِلِيةِ، فَقَامَ النبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"إن اللهَ عز وجل قَدْ حَبَس عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤمنينَ، وإنَّهَا لَا تَحِل لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وإنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وإنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وإنَّها سَاعَتِي هَذه حَرَامٌ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتيلٌ، فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمَّا أَنْ يقتلَ، وإمَّا أَنْ يُفْدَى"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ يقالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اكتبوا لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"اكْتبوا لأَبِي شَاهٍ"، ثُمَّ قَامَ العَباسُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إلَّا الإذْخِرَ؛ فَإنا نَجْعَلُهُ في بيوتنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إلَّا الإذْخِرَ"(1).
(1) رواه البخاري (6486)، كتاب: الديات، باب: من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، ومسلم (1355)، كتاب: الحج، باب: تحريم مكة.
تقدم الكلام على فتح مكة وتاريخه، ومعظم ما يتعلق بهذا الحديث من المعاني، وشرح الألفاظ والأحكام في باب: حرمة مكة، من كتاب: الحج، ونتكلم الآن على ما يتعلق بهذا الحديث بما زاد علي ذلك، والله أعلم.
أما هذيل؛ فهي قبيلة كبيرة، والنسبة إليها: هُذلِيٌّ -بضم الهاء وفتح الذال المعجمة-، وهي هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، تفرقت في البلاد، وأكثر أهل نخلة -قرية على ستة فراسخ من مكة، على طريق الحاج- من هذيل، والله أعلم (1).
وأما بنو ليث، فهو ليث بن كنانة، حليف بني زهرة، وليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة (2)، ولا أدري المقتول من أيهما، والله أعلم.
قوله صلى الله عليه وسلم: "إن اللهَ عز وجل حبسَ عن مكةَ اللَّيلَ، وسلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين".
أما الفيل: فهو بالفاء والياء آخر الحروف، وشك بعض الرواة فيه، فقال: القيل، أو القتل: بالقاف والتاء المثناة فوق (3). وقد قابل التسليط الذي وقع له صلى الله عليه وسلم بالحبس الذي وقع للفيل، وهو الحبس عن القتال، وقصة الفيل وحبسه عن مكة مشهورة في كتب التفاسير والتواريخ.
وقد اختلفوا في تاريخ عام الفيل، فقال مقاتل: كان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، وقال الكلبي بثلاث وعشرين سنة، والأكثرون على أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم (4).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن قُتل له قتيل، فهو بخير النَّظَرين: إما أن يقتل، وإمَّا أن يُفْدَى"؛ معناه: أن ولي المقتول بالخيار، إن شاء قتل القاتل، وإن شاء أخذ فداءه، وهي الدية.
(1) انظر: "الأنساب" للسمعاني (5/ 631).
(2)
انظر: "الأنساب" للسمعاني (5/ 151).
(3)
انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 166).
(4)
انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (1/ 49 - 50).
وقوله: "فقامَ رجلٌ من أهلِ اليمن، يُقال له: أبو شاهٍ، فقال: يا رسول الله! اكتبوا لي":
أما أبو شاه: فهو بهاء تكون هاءً في الوقف والدَّرْج، ولا يقال بالتاء، وصحفه بعض الفضلاء والمتأخرين، فقاله: وبالهاء المنطوق بها تاء وقفًا ووصلًا؛ كشاة الغنم، وأنكر عليه. قال العلماء بالكنى: ولا يعرف اسم أبي شاه هذا، وإنما يعرف بكنيته (1).
والذي أراد أبو شاه كتابته: هو خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة بمكة.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: تذكير الناس في المجامع والفتوحات بأيام الله تعالى، وما من به فيها من الآيات البينات، وتعليمهم الأحكام الشرعيات.
ومنها: استدلال بعضهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "وسَلطَ عليها رسولَه والمؤمنين" على أن فتح مكة كان عنوة، وقد تقدم ذلك، والكلام عليه.
ومنها: أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء ولي القتيل، وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين، والشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقال مالك: ليس للولي إلا القتل أو العفو، وليس له الدية إلا برضا الجاني، وهو خلاف نص هذا الحديث.
ومنها: أن القاتل عمدًا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص أو الدية؛ وهو أحد القولين للشافعي، والثاني: أن الواجب القصاص لا غير، وإنما تجب الدية بالاختيار، فليس للولي أخذها بغير رضا القاتل، وتظهر فائدة الخلاف في صورتين:
منها: عفو الولي عن القصاص، إن قلنا: إن الواجب أحد الأمرين، يسقط
(1) وانظر ترجمته في: "الاستيعاب" لابن عبد البر (4/ 1687)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر (7/ 202).