الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الحدود
الحديث الأول
عَنْ أنسٍ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ نَاسٌ من عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنةَ فَاجتَوَوا المَدِينةَ، فأمَرَ لَهُمُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِلِقَاحٍ، وَأمرَهُم أَنْ يَشرَبُوا من أَبْوَالِهَا وَألبَانِهَا، فَانطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا رَاعِيَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَاستَاقوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ في أَوَّلِ النهَارِ، فَبَعَثَ في آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ، جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ أَيدِيهِم وَأَرْجُلِهِم، وسُمرَت أَعينهم، وَتُرِكُوا في الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ، قَالَ أَبُو قِلابة: فَهَولَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ (1).
اعلم أن قصة العرنيين كانت في شوال سنة ست من الهجرة.
أما أبو قِلابة؛ فاسمه: عبد الله بن زيد الجرمي، تابعيٌّ بصريٌّ ثقة، روى له البخاري ومسلم، وقلابة: بقاف مكسورة ولام ألف مفتوحة وبعدها باء موحدة وتاء تأنيث (2).
وأما عُكْل؛ فهي بضم العين المهملة وسكون الكاف وبعدها لام: قبيلة نسبت إلى عكل: امرأةٍ حضنت ولدَ عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن
(1) رواه البخاري (231)، كتاب: الوضوء،
باب:
أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، ومسلم (1671)، كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين، وهذا لفظ البخاري.
(2)
تقدمت ترجمته.
أد بن طابخة، فغلبت عليهم، ونسبوا إليها (1).
وأما عرينة؛ فهي بضم العين المهملة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها نون مفتوحة، وتاء تأنيث: بطنٌ من بجيلة (2).
"واجْتَووا المدينةَ"؛ بالجيم والمثناة فوق؛ ومعناه: استوخموها كما جاء مفسرًا في رواية أخرى في الصحيح، واجتوى مشتق من الجوى، وهو داء الجوف إذا تطاول، فكأنهم كرهوها واستوبؤُوها؛ للمرض الذي أصابهم بها.
ومنهم من فرق بين اجتووا واستوبؤوا، فجعل اجتووا: كرهوا الموضع وإن وافق، واستوبؤوا: إذا لم يوافقهم، وإن اجتووه (3).
وأما اللِّقاح؛ فهي ذوات الألبان من الإبل، واحدها لِقْحة، بكسر اللام وفتحها، وقيل: إنما يقال: لقحة بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة بقرب ولادتها، ثم هي بعد ذلك لَبون.
وفي "صحيح مسلم" في بعض طرق هذا الحديث: أنها إبل الصدقة (4)، وفي "الصحيحين": أنها لقاح النبي صلى الله عليه وسلم (5)، وكلاهما صحيح، فكان بعضها للصدقة، وبعضها للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: "فلما صَحُّوا، قتلوا راعيَ النبي صلى الله عليه وسلم "؛ أما العرنيون الذين قتلوا الراعي، فكان عددهم ثمانية، رويناه في "مسند أبي يعلى الموصلي، بإسنادنا
(1) انظر: "الأنساب" للسمعاني (4/ 223)، و"الطبقات" لخليفة بن خياط (ص: 40)، و"عمدة القاري" للعيني (3/ 152).
(2)
انظر: "الأنساب" للسمعاني (4/ 182).
(3)
انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (1/ 165).
(4)
رواه مسلم (1671)، (3/ 1296)، كتاب. القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين، والبخاري أيضًا (6417)، كتاب: المحاربين من أهل الكفر والردة، في أوله.
(5)
رواه البخاري (6419)، كتاب: المحاربين من أهل الكفر والردة، باب: لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا، بلفظ: "ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
"، ولم أره في "صحيح مسلم" مصرّحًا بنسبة الإبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
إليه (1)، وهم ناس من بني سليم وبني عكل وعرينة كما في الحديث.
وأما الراعي؛ فاسمه: يَسار، وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان نوبيًّا، وقيل: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصابه في غزوة محارب وبني ثعلبة، فجعله في لِقاح له ترعى ناحية الحمى (2).
وكانت قصة العرنيين سنة ست من الهجرة.
وقوله: "واستاقوا النَّعَمَ": النعم -بالنون والعين المهملة المفتوحتين-: الإبل خاصة، والأنعام: الإبل والبقر والغنم، وقيل: هما لفظان بمعنى واحد يطلق على الجميع.
وقوله: "فأمرَ بقطعِ أيديهم وأرجلِهم، وسُمِرَت أعينُهم"؟ سُمرت -بالميم المخففة، وقيدها بعضهم بالتشديد، والأول أوجه- يعني: كحلت بمسامير محماة.
وروي في "الصحيح": وسُمِل -باللام مخففة الميم-، فقيل: هما بمعنى واحد، والراء تبدل من اللام، وقيل: باللام: فقأها بشوك أو غيره، وأذهب ما فيها، وقيل: بحديدة محماة تدنى من العين حتى يذهب ضوءها. وعلى هذا يتفق مع رواية من قال بالراء، وقد تكون هذه الحديدة مسمارًا، وأيضًا -فقد يكون فقأها بالمسمار، وسملها؛ به كما يفعل ذلك بالشوك (3).
وإنما فعل ذلك جميعه بهم؛ لأنهم فعلوا بالرعاة كذلك، كما ثبت في "صحيح مسلم" في بعض طرق الحديث.
(1) رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده"(2816).
قلت: وعجيب أن يعزو الشارح هذا إلى أبي يعلى، وهو مصرح به في "صحيح البخاري" و"مسلم"؛ فقد رواه البخاري (2855)، كتاب: الجهاد والسير، باب: هل للأسير أن يقتل ويخدع الذين أسروه حتى ينجو من الكفرة؟ ومسلم (1671)، (3/ 1296)، كتاب: القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين.
(2)
انظر: في "غوامض الأسماء المبهمة" لابن بشكوال (1/ 283).
(3)
انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 220)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (2/ 403)، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 155).
ورواه -أيضًا- ابن إسحاق وموسى بن عقبة، وأهل السير، والترمذي، فيكون قصاصًا.
وقال بعض السلف: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المُثلة، فهو منسوخ، وقيل: ليس بمنسوخ.
وفي قصة العرنيين نزلت آية المحاربة، وهي قوله عز وجل:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33].
وقال بعضهم: النهي عن المثلة نهي تنزيه ليس بحرام.
وقوله: "وتُرِكوا في الحرّة"؛ الحرةُ: كل أرض ذات حجارة سود بين جبلين.
وأما قوله: "يَستسقون فلا يُسْقوْن"؛ فهو إخبار عن الواقع، لا يقتضي نهيًا عن سقيهم ولا غيره.
وقد نقل القاضي عياض -رحمه الله تعالى- إجماعَ المسلمين على أن: من وجب عليه القتل، فاستسقى الماء: أنه لا يمنع منه؛ لئلا يجتمع عليه عذابان.
وقد روي في بعض طرق هذا الحديث الصحيح في "سنن أبي داود والنسائي" من رواية ابن عمر رضي الله عنهما: أنهم قتلوا الرعاة، وارتدوا عن الإِسلام (1)، وحينئذ لا يبقى لهم حرمة في سقي الماء ولا غيره.
وقد اتفق أصحاب الشافعي رحمهم الله أجمعين- على أنه لا يجوز لمن معه ماء يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش، ويتيمم، ولو كان ذميًّا أو بهيمة، وجب سقيه، ولم يجز الوضوء به حينئذ، والله أعلم.
(1) رواه أبو داود (4369)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في المحاربة، والنسائي (4041)، كتاب: تحريم الدم، باب: تأويل قول الله عز وجل: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: 33].
قلت: وقد صرّح في رواية مسلم، عن أنس (1671)، (3/ 1296): أنهم قتلوا الرعاة، وارتدوا عن الإِسلام.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: قدوم القبائل والغرباء على العلماء والكبار.
ومنها: نظر الإِمام في مصالح الوافدين عليه، وأمره لهم بما يناسب حالهم في إنزالهم مكانا، وإصلاحهم أبدانا.
ومنها: دلالة لمالك وأحمد في أن بولَ ما يؤكل وروثَه طاهران، وأجاب المخالفون من الشافعية وغيرهم القائلون بنجاستها: بأن شربهم الأبوال كان للتداوي، وهو جائز بكل النجاسات، سوى شربِ الخمر والمسكرات.
واعترض عليهم بأنها لو كانت نجسة محرمة للشرب، ما جاز التداوي بها؛ لأن الله عز وجل لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها.
ومنها: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في طلب العرنيين لما بلغه فعلهم بالرعاء.
واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار:
فقال مالك والشافعي: تثبت، وقال أبو حنيفة: لا تثبت.
ومنها: شرعية المماثلة في القصاص، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن المثلة في غير القصاص مع شرعية عدم المماثلة فيه استحبابًا.
ومنها: أن فعل الإِمام بالمحاربين وأهل الفساد ما يفعله في المثلة والقطع وسمر الأعين ونحو ذلك، ليس هو من عدم الرحمة؛ لما فيه من كف العادية عن الخلق، فيكون فعله حينئذ رحمة بهذا الاعتبار، ولا شك أن من صفة الأئمة الرحمة برعاياهم، فإذا فعلوا مثل ذلك، فلا يظن أنه مخالف لوصف الرحمة الذي هو مشروط في حقهم على الرعايا، كما قال صلى الله عليه وسلم:"إن لي على قريش حَقًّا، ولقريشٍ عليكم حَقًّا، ما إذا حكموا فعدلوا، وائتمنوا فأدوا، واستُرْحِموا فرحموا"(1).
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند"(2/ 270)، وعبد الرزاق في "المصنف"(19902)، وابن =