الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثاني
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، هَانِئِ بْنِ نِيارٍ البَلَويِّ رضي الله عنه: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْواطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ"(1).
أما أبو بردة هذا؛ فهو ممن غلبت عليه كنيته. واختلف في اسمه على أقوال؛ أصحها ما ذكره في الكتاب: هانئ بن نيار بن عمرو بن عبيد، وقيل: الحارث بن عمرو، ويقال: مالك بن هبيرة بن عبيد، وهو حليف للأنصار، مدني، كان حليفًا لبني حارثة بن الحارث بن الخزرج، وهو خال البراء بن عازب.
شهد العقبةَ وبدرًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت معه راية بني حارثة في غزوة الفتح.
اتفق البخاري ومسلم على الرواية له، رويا له حديثًا واحدًا، وروى له أصحاب السنن والمساند.
وروى عنه جابر بن عبد الله، وجماعة من التابعين.
وتوفي أوائل خلافة معاوية سنة خمس، وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين وأربعين، لا عقب له بعد شهوده مع علي -كرم الله وجهه- حروبه كلها.
وأما البلوي، بفتح الباء الموحدة واللام وكسر الواو ثم ياء النسب، فلم يختلفوا أنه نسبة إلى بلي بن عمرو بن حلوان بن إلحاف بن قضاعة.
قال أبو عمر النمري: يقولون: أبو بردة هانئ بن نيار بن عبيد بن كلاب بن غنيم بن هبيرة بن ذهل بن هانئ بن بلي بن عمرو بن حلوان بن إلحاف بن قضاعة.
(1) رواه البخاري (6456)، كتاب: المحاربين، باب: كم التعزير والأدب؟ ومسلم (1708)، كتاب: الحدود، باب: قدر أسواط التعزير.
قلت: وكون اسمه هانئ بن نيار، هو قول أهل الحديث، وقيل فيه: هانئ بن عمرو، وهذا قول ابن إسحاق.
وذكر النمري الأقوال التي ذكرناها فيه، وأضافها إلى قائلها، والله أعلم (1).
واعلم أن حديث أبي بردة هذا، رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبي بردة (2).
أما البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، فذكروا رواية عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبي بردة.
وأما البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، فذكروا روايته عن أبيه عن أبي بردة، فيدخل في رواية المزيد في متصل الأسانيد؛ لزيادة جابر بن عبد الله بين أبيه عبد الرحمن، وأبي بردة، ويحتمل أن عبد الرحمن سمعه من أبي بردة، ثم سمعه من أبيه عن أبيه، ويحتمل عكسه، فيكون متصلًا، ولا يكون منقطعًا في إحدى الروايتين.
وإنما ذكرت هذا؛ لأن ابن المتذر قال: إن في إسناد هذا الحديث مقالًا، وقال الأصيلي: اضطرب إسناد حديث عبد الرحمن بن جابر، فوجب تركه؛ لاضطرابه.
وقول ابن المنذر يرجع إلى ما ذكره الأصيلي من الاضطراب؛ فإن رجال إسناد هذا الحديث ثقات.
كيف وقد رواه البخاري ومسلم والأئمة؟ والاضطراب الذي ذكره الأصيلي
(1) قلت: قد ترجم الشارح رحمه الله لأبي بردة بن نيار رضي الله عنه من قبل، ثم أعادها هنا، فلعلّ هذا كان سهوًا منه رحمه الله.
(2)
رواه أبو داود (4419)، كتاب: الحدود، باب: في التعزير، والنسائي في "السنن الكبرى"(7330)، والترمذي (1463)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في التعزير، وابن ماجه (2601)، كتاب: الحدود، باب: التعزير.
هو ما ذكرناه من زيادة رواية جابر بن عبد الله بين أبيه عبد الرحمن، وأبي بردة، وروي -أيضًا- عن عبد الرحمن بن جابر عمن سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يضر ذلك جميعه كما بيناه، ولا تضر جهالة الصحابي.
كيف وقد ذكر الصحابي في بعض طرقه، وكلها في "الصحيحين" على الاتفاق والانفراد؟
وروي -أيضًا- عن عبد الرحمن بن جابر، عن رجل من الأنصار، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الاختلاف لم يؤثر عند البخاري ومسلم؛ لما بيناه أولًا من احتمال أن يكون من نوع المزيد في متصل الأسانيد، واحتمال سماعه من كل واحد منهما، ويكون الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم، والرجل من الأنصار واحدًا، وهو أبو بردة؛ فإنه وإن كان قضاعيًّا، فإنه أنصاري بالحلف، فنسب إليهم، وهو مشهور بذلك.
وذكر الحافظ أبو الحسن الدارقطني: أن حديث عمر بن الحارث المقري الذي قال فيه: عن أبيه، صحيح؛ لأنه ثقة، وقد زاد رجلًا، وتابعه أسامة بن زيد. فهذا الدارقطني قد صحح الحديث بعد وقوعه على الاختلاف، وجنح إلى ما جنح إليه صاحبا الصحيح -رحمهما الله- والله أعلم (1).
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إلَّا في حَدٍّ من حدودِ الله عز وجل"؛ الحدُّ في اللغة: المنع مطلقًا.
وسميت الحدود المقدرة في الشرع بذلك؛ لأنه يمنع من معاودة معاصيها؛ ولأنه مقدر محدود.
واختلف في تفسيره في هذا الحديث:
فقيل: المراد به حق من حقوقه، وإن لم يكن من المعاصي المقدرة وحدودها؛ لأن المحرمات كلها من حدود الله تعالى، وهذا أولًا: خروج عن العرف في لفظ الحد، وثانيًا: أن ما ليس بمحرم يقتضي جواز الزيادة على العشرة
(1) وانظر: "شرح مسلم" للنووي (11/ 222).
أسواط، وأن الزيادة مختصة به؛ إذ لم يبق لنا شيء غيره مما تجوز فيه الزيادة، وأصل التعزير ممنوع فيه، ولا تبقى لخصوصية منع الزيادة معنى، والذي تقتضيه الأدلة: أن المراد به فعل الماضي الذي لا حد فيها ولا كفارة.
وقد قال بظاهر هذا الحديث في عدد الزيادة على العشرة الأسواط: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وإليه ذهب من الشافعية صاحب "التقريب"، وأشهب من المالكية؛ فإن الحديث متعرض للمنع من الزيادة عليها، وما دونها لا تعارض للمنع فيه.
وفي هذا الحديث دليل: على إثبات التعزير، ومعناه في اللغة: التأديب، وأما في الشرع، فقال الماوردي: هو تأديب على ذنب ليس فيه حد (1)، فتوافق الحد في أنه زجر وتأديب للصلاح، يختلف بحسب الذنب، ويخالفه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تعزير أهل الهيبات أخف من تعزير غيرهم، ويستوون في الحد.
والثاني: تجوز الشفاعة في التعزير والعفو عنه، دون الحد.
والثالث: لو تلف من التعزير، ضُمن، ولو تلف من الحد، فهدر.
وفيه: تقدير الضرب فيه بعدم الزيادة على العشرة، وأما بالنقص عنها، فلا. وقد ذكرنا من قال به قريبًا.
وقد اختلف العلماء فيه، فالمنقول عن مالك رحمه الله: أنه لا يتقدر بعشرة ولا غيرها، ويُجيز العقوبات فوق العشرة وفوق الحدود على قدر الجريمة وصاحبها، ويجعل ذلك موكولًا إلى رأي الإمام واجتهاده، فحينئذ يحتاج من قال بجواز الزيادة على العشرة، وإن لم تبلغ أدنى الحدود، إلى العذر عن الحديث، فبعضهم طعن فيه بما ذكرنا، وقد بينا بطلانه، وبعضهم ادعى نسخه بعمل الصحابة رضي الله عنهم على خلافه، وأن عمر رضي الله عنه ضرب
(1) انظر: "الأحكام السلطانية" للماوردي (ص: 357).
صَبِيغًا، -بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة وسكون المثناة تحت، وبالعين المعجمة آخره- أكثر من الحد، أو من مئة. وفعلُ بعضهم أو فتواه لا يدل على النسخ، إلا أن يقع الإجماع عليه، فيدل على وجود ناسخ، فيكون نسخًا، ولا إجماع.
وتأوله بعض المالكية على أنه مقصور على زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وهذا ضعيف جدًّا؛ لأنه ترك للعموم بغير دليل شرعي على الخصوص والمناسبة التي ذكرها ضعيفة -أيضًا-؛ لأنها لا تصلح لإثبات التخصيص.
واعلم أن العلماء حيث جعلوا التخيير إلى رأي للإمام؛ في شيء من الأشياء، ليس المراد به تخيير نسبة، بل لا بد عليه من الاجتهاد الشرعي.
وقد نقل عن بعض المالكية: أن مؤدب الصبيان لا يزيد على ثلاثة أسواط، فإن زاد، اقتص منه. وهذا -أيضًا- بعيد بتعدد إقامة الدليل عليه، ولعله أخذه من أن الثلاث اعتبرت في مواضع كثيرة من الشرع، وأنها حد الكثرة، وهو ضعيف.
وظاهر مذهب الشافعي رحمه الله جوازُ الزيادة على العشرة، إلا أنه لا يبلغ بالتعزير الحد. وقال بعض الشافعية: الأظهر جواز الزيادة على العشرة.
واختلف أصحابه على هذا في المعتبر على وجهين:
أدنى الحدود في حق المعزر، فلا يزاد في تعزير الحر على تسع وثلاثين ضربة؛ ليكون دون حد الأحرار، ولا في تعزير العبد على تسعة عشر سوطًا.
الثاني: يعتبر أدنى الحدود على الإطلاق، فلا يزاد في تعزير الحر -أيضًا- على تسعة عشر سوطًا -أيضًا-.
وفيه وجه ثالث: أن الاعتبار فيه بعد الأحرار مطلقًا، فيجوز أن يزاد تعزير العبد على عشرين.
ولا شك أن التعزيرات فرع الحدود؛ ولهذا سماها غير واحد: حدودًا؛ كما أن نوافل الصلاة فرع فرائضها، وهي تبع لها في أحكامها وهيئاتها، وقد جعلها الشارع عليه السلام جوابر لما نقصَ من الفرائض، وكذلك التعزيرات مع الحدود، لكنها لا ترتفع عليها، وكذلك الكرامات مع المعجزات فرعها، فلا ترتفع عليها، والله أعلم.
* * *