الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنها: عدم الجمع بين الجلد والرجم، وتصريح بحكم الرجم؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يعرِّفْ أنيسًا عدم الجمع بين الجلد والرجم، بل أمره بالرجم بعد الاعتراف بالزنا.
ومنها: استنابة الإمام في إقامة الحدود.
ومنها: الاكتفاء بالاعتراف بما يوجب الحد مرة واحدة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم رتب رجمها على مجرد اعترافها، ولم يقيده بعدد.
ومنها: أن الحاكم إذا قُذف إنسان معين في مجلسه، وجب عليه أن يبعث إليه ليعرفه بحقه من القذف، وقد اختلف أصحاب الشافعي -رحمه الله تعالى- في وجوب ذلك على الحاكم على وجهين؛ والأصح عندهم: الوجوب.
ومنها: أن المحصَن يُرجم ولا يُجلد مع الرجم.
ومنها: جواز إيجار الآدمي نفسَه واستئجاره.
ومنها: الرجوع إلى كتاب الله عز وجل في الأحكام، إما بالنص، وإما بالاعتبار والاستنباط، ونحو ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"لأقضينَّ بينكما بكتاب الله".
ومنها: القسم على الأمر بفعله تفخيمًا له وتعظيمًا، وقد كثر في الأحاديث قسمهُ صلى الله عليه وسلم بالذي نفسي بيده؛ تنبيهًا على تعظيم الرب سبحانه وتعالى، وأن العبد متصرِّف فيه، لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، والله أعلم.
الحديث الثالث
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنهما قَالَا: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الأَمَةِ إذَا زنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ، قَالَ:"إِنْ زنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِظَفِيرٍ". قَالَ ابنُ شِهَابٍ: ما أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثة أَو الرَّابِعة (1)، وَالظَّفِيرُ: الحَبْلُ.
(1) رواه البخاري (6447)، كتاب: المحاربين من أهل الكفر، باب: إذا زنت الأمة، ومسلم =
تقدم الكلام على عبيد الله في الحديث قبله.
الظفير: فعيل بمعنى مفعول. والحكمة في بيعها وكونه بثمن حقير: تنفيرُها وكسرُ نفسها عن الفاحشة، والتنفير عن مثل فعلها بعدم مخالطتها، والله أعلم.
وقوله: "ولم تحصن"، ذكر الطحاوي: أن لفظة "ولم تحصن"، تفرد بها مالك، إشارة إلى تضعيفها، وأنكر ذلك الحفاظ عليه، وقالوا: بل روى هذه اللفظة: ابن عيينة، ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب، كما قال مالك: تحصل صحة هذه اللفظة، وليس في ثبوتها حكم مخالف؛ فإن الأمة تجلد على النصف من الحرة، سواء كانت الأمة محصنة بالتزويج، أم لا (1).
لكن فيه بيان من لم يحصن، وقول الله عز وجل:{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25]، فيه بيان من أحصنت، فحصل من الآية الكريمة.
والحديث بيان أن الأمة المحصنة بالتزويج وغيرَ المحصنة تُجلد، وهو معنى ما ثبت في "صحيح مسلم": أن عليا رضي الله عنه خطب، فقال: يا أيها الناس! أقيموا على أرقائكم الحدَّ؛ من أحصنَ منهم ومن لم يحصن (2).
فإن قيل: فما الحكمة في التقييد في قوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} ، مع أن عليها نصف جلد الحرة، سواء كانت الأمة محصنة أم لا؟
فالجواب: أن الآية نبهت إلى أن الأمة المزوجة، لا يجب عليها إلا نصف جلد الحرة؛ لأنه الذي يتنصَّف، وأما الرجم فلا يتنصَّف، ولا هو مراد في الآية؛ لإجماعهم على عدم رجمها، وإن كانت متزوجة، وإنما الواجب نصفُ جلد الحرة؛ لهذا الحديث وغيره من الأحاديث المطلقة:"إذا زنت أمةُ أحدِكم فَلْيَجْلِدْها"، وهو يتناول المزوجة وغيرها.
= (1703)، كتاب: الحدود، باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنا.
(1)
انظر: "شرح معاني الآثار" للطحاوي (3/ 135)، و"التمهيد" لابن عبد البر (9/ 94)، وما بعدها، و"شرح مسلم" للنووي (11/ 213)، و"فتح الباري" لابن حجر (12/ 162).
(2)
رواه مسلم (1705)، كتاب: الحدود، باب: تأخير الحد على النفساء.
وبوجوب نصف الجلد عليها، قاله مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وجماهير علماء الأمة.
وقال جماعة من علماء السلف: لا حد على من لم تكن مزوجة من النساء والعبيد، منهم: ابن عباس، وطاوس، وعطاء، وابن جريج، وأبو عبيد، وهو مفهوم الكتاب العزيز، وهو قوله عز وجل:{فَإِذَا أُحْصِنَّ} الآية.
لكن مذهب الجمهور راجح؛ حيث إن هذا الحديث نص في إيجاب الحد على من تحصن، وهو مقدم على المفهوم.
وفي هذا الحديث أحكام:
منها: أن الزنا عيب في الرقيق، يرد به؛ ولذلك حط من قيمته، في الأمر ببيعه ولو بظفير.
قال أصحاب الشافعي: لو زنى مرة واحدة، ثم تاب وصار رجلًا صالحًا، وباعه، ثبت الرد به. ولا أعلم فيه خلافًا عندهم.
ومنها: أن الزاني إذا حُد، ثم زنى ثانيًا، يلزمه حد آخر، وهكذا كلما زنى وحُد ثم زنى يلزمه حد آخر. فلو زنى مرات، ولم يحُد لواحدة منهن، حُدَّ حدًّا واحدًا للجميع.
ومنها: ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم.
ومنها: الأمر ببيع الأمة الزانية، وفي معناها العبد الزاني بعد المرة الثالثة، لكن اختلف العلماء فيه، هل هو أمر ندب أو إيجاب؟
ذهب الشافعي، والجمهور إلى الندب، وذهب داود، وأهل الظاهر إلى الوجوب.
ومنها: الأمر بحدها في كل مرة، وهو للوجوب.
فإن قيل: كيف يكون الأمر في الحد للوجوب، والأمر بالبيع للندب عند الجمهور، والأصل في المعطوف على الشيء بـ (ثم) أو (بالواو) أن يعطى حكمه وصفته ما لم يدل دليل على مخالفته فيه؟؛!
قلنا: قد عطف غير المندوب على المندوب في قوله تعالى: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، وفي قوله عز وجل:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]، فالإيتاء في الآيتين واجب، وهو معطوف على غير واجب من الأكل والكتابة، وإذا جاز ذلك، جاز خلافه؛ وهو عطف غير الواجب على الوجوب؛ حيث إن الوجوب أشد وأقوى، فليكن عطف الضعيف، وهو الندب، على الأقوى، وهو الوجوب، أولى، وهذا من باب المناسبات، لا من باب الأدلة الظاهرات.
ومنها: جواز بيع الشيء الثمين بثمن حقير، إذا كان البائع عالمًا به، وهو مجمع عليه. فلو كان جاهلًا به، فكذلك عند الشافعية وجمهور العلماء، ولأصحاب مالك فيه خلاف.
واعلم أنه يجب على البائع إذا علم بالمبيع عيبًا خِلقيًّا أو وصفيًّا أن يبينه للمشتري، فيجب على بائع الجارية أو العبد الزانيين أن يبين زناهما للمشتري.
وقد يقال: كيف يكره شيئًا ويحبه أو يرتضيه لأخيه المسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه"(1)؟
والجواب: أن الحرج في ذلك يزول بإعلام البائع للمشتري بزناها، فلعلها تستعفُّ عند المشتري؛ بأن يعفها بنفسه، أو يصونها؛ لهيبته، أو بالإحسان إليها والتوسعة عليها، أو يزوجها، أو غير ذلك.
ومنها: أنه لا يجب عليها تعزير ولا تأديب مع الحد؛ لأن صلى الله عليه وسلم أمر بالجلد دون غيره، فدل على عدم وجوبه وشرعيته.
ومنها: أن السيد يقيم الحد على عبده أو أمته؛ لأمره صلى الله عليه وسلم للسادات بفعله بعد ما يوجبه؛ بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا زنتْ أمةُ أحدِكم فتبيَّنَ زناها، فليجلدْها الحدَّ،
(1) رواه البخاري (13)، كتاب: الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومسلم (45)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.