الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وليس في لفظ الحديث ما يدل على وجوبه على المطلقة ثلاثًا، والله أعلم.
ومنها: أن مدة العدة للمتوفى عنها: أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها. وبهذا قال كافة العلماء. وحكي عن يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي: أنها أربعة أشهر وعشر ليال، وأنها تحل في اليوم العاشر.
والذي عليه العلماء -غير من ذكرنا-: أنها لا تحل حتى تدخل ليلة الحادي عشر، ثم التقييد بالمدة المذكورة خرج على غالب المعتدات: أنهن يعتددن بالأشهر.
أما الحامل: فعدتها بالحمل، ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع، سواء قصرت المدة، أم طالت، فإذا وضعت، فلا إحداد بعده.
وقال بعض العلماء: فلا إحداد عليها بعد أربعة أشهر وعشر، وإن لم تضع الحمل، والله أعلم.
ومنها: منقبة لأم حبيبة رضي الله عنها؛ حيث بادرت إلى امتثال أمر الشرع بتركِ الإحداد، وفعلِ ما ينافيه من الطيب وغيره، وترك عادة الناس في ذلك، والرياء والتسميع، وغير ذلك، والله أعلم.
ومنها: ذكر الدليل للفعل المخالف لعادة الناس، وأن أمر الشارع فوق كل أمر، وأنه يجب متابعته، والله أعلم.
* * *
الحديث الثالث
عَنْ أُمِّ عَطِيَّة رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمسُّ طِيبًا، إلَّا إذَا طَهُرَتْ؛ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ، أَوْ أَظْفَارٍ"(1).
(1) رواه البخاري (5028)، كتاب: الطلاق، باب: تلبس الحادة ثياب العصب، ومسلم (938)، =
العَصْبُ: ثِيابٌ مِنَ اليَمَنِ، فِيها بياضٌ وَسَوَادٌ.
تقدم الكلام على أم عطية، وتقدم الكلام على الإحداد وحكمِه وجملتِه وحدِّ آخرِ وقته في الحديث قبله.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تَلْبَسُ ثوبًا مَصْبوغًا، إلَّا ثوبَ عَصْبٍ"؛ أما المصبوغ: فالمراد به: الثوب المصبوغ للزينة. وأما الثوب العَصْب: فهو -بفتح العين وسكون الصاد المهملتين-، وهو نوع من بُرود اليمن، يُعصب غزلها، ثم يصبغ معصوبًا، ثم ينسج، وقد فسره المصنف بغير هذا، ومرَّ.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تكتحلُ"؛ هو نهي للحادة عن الاكتحال.
وفي "الموطأ" من حديث أم سلمة: الإذنُ فيه بالليل، ومنعُه ومسحُه بالنهار (1).
وحمله العلماء على أنها كانت محتاجة إليه، فأذن لها في الليل، ومنعه بالنهار؛ بيانًا لجوازه عند الحاجة ليلًا، مع أن الأولى تركه، فإن فعلته، مسحته بالنهار.
فحديث الإذن فيه؛ لبيان أنه غير حرام بالليل؛ للحاجة. وحديث النهي محمول على عدم الحاجة.
وأما حديث التي اشتكت عينها، فنهاها، فهو في "صحيح مسلم"(2)، وهو محمول على أنه نهي تنزيه، وتأوله بعضهم على أنه صلى الله عليه وسلم لم يتحقق الخوفَ على عينها.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تمسُّ طيبًا إلَّا إذا طَهُرَتْ نُبْذَةً من قُسْطٍ أَوْ أَظْفارٍ".
النبذة -بضم النون-: القطعة والشيء اليسير.
والقسط؛ بضم القاف، ويقال فيه: كُست -بكاف مضمومة بدل القاف،
= كتاب: الطلاق، باب: وجوب الإحداد في عدة الوفاة.
(1)
رواه الإمام مالك في "الموطأ"(2/ 600)، بلفظ:"اجعليه في الليل، وامسحيه بالنهار".
(2)
سيأتي تخريجه قريبًا عند البخاري ومسلم.
وبتاء بدل من الطاء-: الأظفار، وهو والأظفار: نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب (1). وخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة من المحل، تتبع به أثر الدم، لا للتطيب، والله أعلم.
وفي الحديث أحكام:
منها: نهي الحادَّةِ عن لبس المصبوغ للزينة، وفي معناها المعصفرة، وهذان مجمع عليهما، فلو صبغ بسواد، فرخص فيه عروة بن الزبير، ومالك، والشافعي، وكرهه الزهري.
فمن كرهه: علل بكونه مصبوغًا، ومن رخص فيه، وهو الجمهور، قال: لأنه غير مراد للزينة.
ومنها: جواز لبس الثوب العصب للحادة، وهو مذهب الزهريّ، وقال مالك: يجوز الغليظ منه فقط، واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين؛ أصحهما عندهم: التحريم مطلقًا، والحديث حجة عليهم.
قال ابن المنذر: ورخص جميع العلماء في الثياب البيض، وقد يؤخذ من مفهوم الحديث، ومنع بعض متأخري المالكية جيدَ البياض والسواد الذي يتزين به.
قال أصحاب الشافعي: وَيَجُوزُ للحادة لبسُ ما صُبغ، ولا يقصد منه الزينة.
وهل يجوز لها لبس الحرير؟ فيه وجهان؛ أصحهما عندهم: الجواز.
قالوا: ويحرم عليها حلي الذهب والفضة، وكذا اللؤلؤ. وفي وجه: يجوز اللؤلؤ.
ومنها: تحريم الاكتحال على الحادة للزينة.
وقد اختلف العلماء فيه، مع اتفاقهم على تحريمه لغير الحاجة لقصد الزينة.
فقال سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، ومالك في رواية عنه: يجوز إذا خافت على عينها بكحلٍ لا طيبَ فيه.
(1) انظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض (2/ 1)، و"شرح مسلم" للنووي (10/ 118).