الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تأوب عيني طيف ألم
…
لطارقة طرقت في الظلم
تخيل منها خيال سرى
…
لتسلب حلمي بذاك الحلم
فما أنس لا أنس إذ أقبلت
…
تميس كغصن سقته الديم
على رأسها معجر أخضر
…
وفي جيدها سبح من برم «1»
والشعر لأبي الفرج الأصفهاني، والغناء فيه من خفيف الثقيل المزموم، وحكى أبو الفرج قال: أنفذ إليّ الوزير أبو محمد المهلبي «2» ذات ليلة خمسة آلاف درهم صلة، لا أعرف سببها، فلما حضرت مجلسه من الغد على العادة في المنادمة قلت: لقد خفت أن يكون الرسول قد أخطأ القصد فيما حمله إليّ، وإن كان لا ينكر خطرات كرم الوزير، فقال: إني جلست البارحة على الشرب وخرجت إليّ يحيى وفي يدها عودها، وعليها قناع أخضر، وفي عنقها مخانق البرم «3» ، فذكرت أبياتا في قصيدة أنشدتها معزّ الدولة، وذكر [ص 279] هذه الأبيات، قال: فأنشدتها إياّها، فغنّت فيها، وتقدمت بإنفاذ الدراهم إليك، فقلت: هي الآن صلة أخرى بالسكون إلى علم سببها وشكرته على فعله.
103- ومنهم- عنان جارية النّطافيّ
«4»
مهاترة أبي نواس، ومظهرة غرائب الأنفاس، لم تبلغ مبلغها في المولدين امرأة
من النساء، ولا حظي بمثلها أحد من الرؤساء، ولا سمع مثل شعرها إلا من الخنساء، وغلبت على هوى الرشيد غلبة أوهنت عرقه، وأوهنت حدقه، حتى كاد ينضب بها جدول أمّ جعفر، وتمر ماردة وتكفر، فنصبت لها أمّ جعفر أشراك الحيل، ومدت لها طوائل الطيل «1» ، وأقامت من أبي نواس لها قرنا منابذا، وراميا إليها سهما نافذا «2» ، مقبحا لحسنها، ومبغضا لأجنها «3» ، حتى سفّه رأي الرشيد، ونكّد فيها علة عيشه الرغيد.
قال أبو الفرج: نشأت باليمامة وتأدبت، وهمّ الرشيد أن يبتاعها، ثم منعه هجاء الشعراء لها، وكان ذلك بكيد من زبيدة، دخلت عليه وهي تتبختر، فقال لها: أتحبين أن أبتاعك؟ قالت: ولم لا أحب ذلك يا أحسن الناس خلقا وخلقا قال: أما الخلق فظاهر، وأما الخلق فما علمك به؟ قالت: رأيت شرارة قد طاحت من المجمرة حين جاء الغلام بالبخور إليك، فسقطت على ثوبك فأحرقته، فو الله ما قبضت لها وجها، ولا راجعت في جنايتها حرفا فقال لها: والله لولا أن العيون قد ابتذلتك لاشتريتك، ولكن لا يصلح للخلافة ما هذا سبيله، فاشتراها طاهر ابن الحسين.
وروى الأصمعي قال: بعثت إليّ أم جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر عنان، فإن صرفته عنها فلك حكمك، قال: فالتمست وقتا لخطابه فأعوز، وكنت أهابه فلا أقدم عليه ابتداء، فرأيت يوما في وجهه أثر الغضب، فقال: هذا
الناطفي مولى عنان، أما والله لولا أني لم أجر في حكم قط متعمدا «1» ، لجعلت على كل حبل منه قطعة، ومالي في جاريته أرب غير الشعر، فقلت: أجل ما فيها غير الشعر، أو يسرّ أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق، فضحك حتى استلقى وترك ذكرها. «2»
وحكى يعقوب بن إبراهيم، أن الرشيد طلب من الناطفي جارية، فأبى أن يبيعها بأقل من مئة [ص 280] ألف دينار، فقال له: أعطيتكها على صرف سبعة دراهم بدينار، فأمر أن تحضر، فأحضرت ثم لم يمض البيع، ولم تزل في قلب الرشيد حتى مات مولاها الناطفي، فبعث بمسرور الخادم، فأخرجها إلى باب الكرخ، ووقفها على سرير، وعليها رداء رشيدي قد جللها، فنودي عليها، بعد أن شاور الفقهاء فيها، وقال: على مالكها دين، فأفتوا في بيعها، فانتهت إلى مئتين وخمسين ألف درهم، فأخذها مسرور «3» ، ولم يكن فيها ما يعاب، فطلبوا لها عيبا لئلا تصيبها العين، فأوقعوا بخنصر رجلها شيئا في ظفرها. فأولدها الرشيد ابنين ماتا صغيرين، ثم خرج بها إلى خراسان، فمات هناك، وماتت بعده بمدة يسيرة.
وروى ابن عمار أنها خرجت إلى مصر وماتت بها حين أعتقها النطاف، ورثته بقولها:«4» [الكامل]
يا دهر أفنيت القرون ولم تزل
…
حتّى رميت بسهمك النّطافا
وكانت مجيدة في الشعر مقصرة في الغناء، جارت مروان بن أبي حفصة وأبا نواس والعباس بن الأحنف، وكان يتعشقها العباس بن الأحنف.
حكى رجل أن ابن أبي حفصة قال: لقيني الناطفي فدعاني إلى عنان،
فانطلقت معه إليها، فقال لها: قد جئتك بأشعر الناس مروان، وكانت عليلة، فقالت: إني عنه لفي شغل، فأهوى إليها بسوطه «1» ، فضربها به، فبكت فرأيت الدموع تنحدر من عينيها فقلت:«2» [السريع]
بكت عنان فجرى دمعها
…
كالدّرّ إذ ينسلّ من خيطه
فقالت مسرعة بديهة: «3» [السريع]
فليت من يضربها ظالما
…
تيبس يمناه على سوطه «4»
فقلت للنطاف: أعتق مروان ما يملك إن كان في الإنس والجن أشعر منها.
وأنشدها أبو نواس: «5» [المنسرح]
علقت من لو أتى على أنفس الما
…
ضين والغابرين ما ندما
قالت: «6»
لو نظرت عينه إلى حجر
…
ولّد فيه فتورها سقما
وحكى أحمد بن معاوية قال، قال لي رجل تصفحت كتبا، فرأيت فيها بيتا جهدت جهدي [ص 281] أن أجد أحدا يجيزه «7» لي فلم أجده، فقال لي
صديق لي: عليك بعنان، فأتيتها فأنشدتها وهو:«1» [الطويل]
ويبكي فأبكي رحمة لبكائه
…
إذا ما بكى دمعا بكيت له دما
وحكى الحسن بن وهب قال: دخلت على عنان يوما، فسألتني أن أقيم عندها، ففعلت، وأتينا بالطعام والشراب، فأكلنا وشربنا، وغنتني، فكان غناؤها دون شعرها، فشربت ستة أرطال ونكتها خمسة، وضجرت فقالت لي: ما أنصفت، شربت ستة ونكت خمسة، فتغافلت وقلت: غني صوتي: «2» [الطويل]
خليلي ما للعاشقين قلوب
…
ولا للعيون الناظرات ذنوب
ويا معشر العشاق ما أبغض الهوى
…
إذا كان لا يلقى المحب حبيب
فغنت: «3» [الطويل]
خليلي ما للعاشقين أيور
…
ولا لحبيب لا يناك سرور
ويا معشر العشاق ما أبغض الهوى
…
إذا كان في أير الحبيب فتور
فخجلت وانصرفت.
وكتبت عنان على عصابتها باللؤلؤ: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت)