الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال أبو الفرج: وكان فتيان قريش يغدون إليه وقد عمل عمله بالليل، ومعهم الطعام والشراب والدراهم، فيقولون: قد جئنا، فيقول: الوظيفة الأخرى، أنزلوا أحجاري، فيلقون ثيابهم ويأتزرون بأزرهم وينقلون الحجارة وينزلونها، ثم ينزل على شنخوب «1» [ص 47] من شناخيب الجبل، ويجلسون تحته في السهل، يشربون وهو يغنيهم حتى المساء وكانوا كذلك مدة.
قال إسحاق: زوج ابن سريج لما حضرته الوفاة الهذلي بابنته، فأخذ عنها أكثر غنائه وادّعاه، فغلب عليه، وولدت ابنا، فلمّا يفع جاز يوما بأشعب «2» وهو جالس في فتية من قريش، فوثب فحمله على كتفه، وجعل يرقصه، ويقول: هذا ابن مزامير داود، فقيل له: ويلك ما تقول، ومن هذا الصبي؟ قال: أو ما تعرفونه، هذا ابن الهذلي من ابنة ابن سريج، ولد على عود، واستهل على غناء «3» ، وحنك «4» بملوى «5» ، وشدت سرته بوتر، وختن بمضراب.
16- مالك بن [أبي] السّمح
«6»
مطرب لو لم يضمه معبد إليه لكان نظيره أو يزيد عليه، طرح عليه أصواته
فحفظها، وشجا حسّاده وأحفظها، وأخذ جوائز الأمراء، وحصل جزيل الثراء، وكان يرمى بحمق ربما أدّاه إلى صواب الرأي، وهواه، وسبب حياته ومدّ مداه، وأحياه ليميت به عداه.
قال أبو الفرج الأصفهاني رحمه الله تعالى، قال الورد «1» : كان مالك بن أبي السمح من طيء، فأصابتهم حطمة «2» في بلادهم بالجبلين «3» ، فقدمت به أمه وأخوه، وأخوات أيتام لا شيء لهم، وكان يسأل الناس عن باب حمزة بن عبد الله ابن الزبير، وكان معبد منقطعا إلى حمزة، يكون عنده ويغنيه، فسمع مالك بن أبي السمح غناءه فأعجبه واشتهاه، وكان لا يفارق باب حمزة، يسمع غناء معبد إلى الليل، ولا يطوف بالمدينة، ولا يطلب من أحد شيئا «4» ولا يريم «5» [موضعه] فينصرف إلى أمه ولم يكسب شيئا فتضربه وهو مع ذلك يترنم بألحان معبد ويؤديها دورا دورا، نغما بغير لفظ، ولا روى شيئا من الشعر، وجعل كلما غدا وراح رآه ملازما لبابه، فقال لغلامه: أدخل هذا الغلام الأعرابي إليّ، فأدخله إليه، فقال له حمزة: من أنت يا غلام؟ قال: أنا غلام من طيء أصابتنا حطمة بالجبلين فحطّتنا إليكم، ومعي أم لي وإخوة، وإني لزمت بابك، فسمعت من دارك صوتا أعجبني فلزمت بابك من أجله، فقال: هل أنت تعرف منه شيئا؟
قال: أعرف لحنه كله ولا أعرف الشعر [ص 48]، قال: إن كنت صادقا إنك لفهم،
ودعا بمعبد فأمره أن يغني صوتا، فغناه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله؟ قال:
نعم، قال: هاته، فاندفع فغناه وأدى نغمته بغير شعر يؤدي مدّاته وليّاته وعطفاته ونبراته وتعليقاته، ولا يخرم حرفا، فقال لمعبد: خذ هذا الغلام وخرجه فليكونن له شأن، قال معبد: ولم أفعل ذلك؟ قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك، وإلا عدل إلى غيرك وكانت محاسنه منسوبة إليه، فقال: صدق الأمير، وأنا أفعل ما أمرني به، ثم قال حمزة لمالك: كيف وجدت ملازمتك لبابنا؟ قال: والله ثم والله، ما شبعت على بابك شبعة قط، ولا انقلبت إلى أهلي منه بخير، فأمر له ولإخوته وأمه بمنزل، وأجرى لهم رزقا وكسوة، وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبد يسقيهم الماء، وأجلس مالكا معه في مجلسه، وأمر معبدا أن يطارحه، فلم يلبث أن مهر وحذق، وكان ذلك بعقب مقتل هدبة بن خشرم «1» ، فخرج مالك يوما فسمع امرأة تنوح على زيادة الذي قتله هدبة بشعر أخي زيادة:«2» [الطويل]
أبعد الذي بالنّعف نعف كويكب
…
رهينة رمس ذي تراب وجندل «3»
أذكّر بالبقيا على ما أصابني
…
وبقياي أنّي جاهد غير مؤتلي
فلا يدعني قومي كريما لحرّة
…
لئن لم أعجّل ضربة أو أعجّل «4»
فغنّى في هذا الشعر لحنين «5» ، أحدهما نحا فيه نحو المرأة في زوجها ورققه وأصلحه وزاد [فيه] ، والآخر نحا فيه نحو معبد في غنائه، ثم دخل على حمزة
فقال: أيها الأمير إني صنعت غناء [في شعر] سمعته من بعض أهل المدينة ينشده فأعجبني، فإن أذن الأمير غنيته فيه، فقال: هات، فغناه اللحن الذي نحا فيه نحو معبد، فطرب حمزة، وقال: أحسنت يا غلام، هذا الغناء غناء معبد وطريقته، فقال: لا تعجل أيها الأمير واسمع مني شيئا آخر ليس من غناء معبد ولا من طريقته، فقال: هات، فغناه باللحن الذي يشير فيه بنوح المرأة، فطرب حمزة حتى ألقى [عليه]«1» حلّة كانت عليه، قيمتها مئة دينار، ودخل معبد فرأى حلّة حمزة عليه فأنكرها وعلم حمزة بذلك، فأخبر معبدا بالسبب، فأمر مالكا فغناه [ص 49] الصوت «2» ، فقال: قد كرهت أخذها فيعتمد غنائي ويدعيه لنفسه، فقال له حمزة: لا تعجل واسمع غناء صنعه «3» ، ليس من شأنك ولا من طريقتك، وأمره أن يغني اللحن الآخر، فغناه، فأطرق معبد، فقال حمزة: والله لو تفرد بهذا لضاهاك، ثم يتزايد على الأيام، وكلما كبر هو زاد، وكلما شخت أنت نقصت ولأن «4» يكون منسوبا إليك، اجمل، فقال معبد وهو منكسر: صدق الأمير فأمر حمزة له بخلعة من ثيابه وجائزة، حتى طابت نفسه، وسكن، فقام مالك على رجله فقبل رأس معبد، وقال له: يا أبا عباد [أساءك] ما سمعت من غنائي، بالله العظيم لا أغني لنفسي شيئا أبدا ما دمت حيا، فإن غلبتني نفسي فغنيت شعرا استحسنته لأنسبنّه إليك، فطب نفسا وارض عنّي، فقال له معبد: أو تفعل هذا وتفي به؟ قال: إي والله وأزيد، وكان مالك بعد ذلك إذا غنّى صوتا فسئل عنه، قال: هذا لمعبد، ما غنيت لنفسي شيئا قط، وإنما