الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
70- ومنهم- أبو عيسى
«1»
الزبير «2» علمه الغناء والفراغ، وظفر الاعتناء منه بما يراغ «3» ، ولم يرعه من صنعة هذه الصنعة شرف أبيه، وشره مثله إلى ما يعليه، ونزوع نفسه إلى التشبه بأخويه، والتشبث بما كان يؤمل أن يصير إليه. وإنما أعجزه؟ على غرة شبابه عمه إبراهيم فخلّط عليه، وكان ذا جمال لا يدع لذي حسن نفاقا، وكمال يدير «4» عليه من حذق نطاقا.
قال الأصفهاني: ومن شعره وله فيه صنعة: «5» [مجزوء الرجز]
قام بقلبي وقعد
…
ظبي نفى عني الجلد
خلفني مدلها
…
أهيم في كل بلد
أسهرني ثم رقد
…
ومارثى لي من كمد
ظبي إذا ازددت له
…
تذللا تاه وصد [ص 211]
واعطشا إلى فم
…
يمج خمرا من برد
وكان يقال: انتهى جمال ولد الخلافة إلى أولاد الرشيد، ومن اولاد الرشيد إلى محمد وأبي عيسى [وكان أبو عيسى] إذا عزم على الركوب جلس الناس له حتى يروه، اكثر مما كانوا يجلسون للخلفاء.
قال الرشيد لأبي عيسى وهو صبي: ليت جمالك لعبد الله (يعني المأمون) فقال: على أن حظه منك لي، فعجب من جوابه على صباه وضمه إليه وقبله.
ولما قال [أبو] عيسى: «1» [الطويل]
دهاني شهر الصوم لا كان من شهر
…
ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الإمام بقدرة
…
على الشهر لا ستعديت جهدي على الشهر
ناله بعقب قوله لهذا الشعر صرع، فكان يصرع في اليوم مرات، ولم يبلغ شهرا مثله.
قال ابن حمدون: قلت لإبراهيم بن المهدي: من أحسن الناس غناء؟
قال: أنا، قلت: ثم من؟ قال: أبو عيسى بن الرشيد، قلت: ثم من؟ قال مخارق.
قال: كان أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الرشيد يتغديان مع المأمون. فأخذ أبو عيسى هندباءة «2» وغمسها في الخل، وضرب بها عين طاهر الصحيحة، فغضب وقال: يا أمير المؤمنين: إحدى عيني ذاهبة، والأخرى على يدي عدل، يفعل بي هذا بين يديك؟ فقال المأمون: يا أبا الطيب، إنه والله يعبث معي أكثر من هذا العبث.
قيل: كان المأمون يخطب يوم جمعة على المنبر بالرصافة، وأخوه أبو عيسى تلقاء وجهه في المقصورة، إذ أقبل يعقوب بن المهدي، وكان من أفسى الناس، معروفا بذلك، فلما أقبل وضع أبو عيسى كمه على أنفه، وفهم المأمون ما أراد، فكاد أن يضحك، فلما انصرف بعث إلى أبي عيسى فأحضره وقال: والله لهممت أن ابطحك فأضربك مئة درة «3» ، ويلك أردت أن تفضحني بين أيدي
الناس يوم الجمعة وأنا على المنبر، إياك أن تعود لمثل هذا، وكان يعقوب بن المهدي لا يقدر أن يمسك الفساء إذا جاءه، فاتخذت له داية مثلثة «1» [ص 212] وطيبتها وتنوقت فيها، فلما وضعتها تحته [فسا]، فقال: هذه ليست بطيبة، [فقالت له الداية هذه قد كانت طيبة] وهي مثلثة، فلما ربعتها فسدت.
قال: وكان يعقوب هذا محمّقا، وكان يخطر بباله الشيء يشتهيه، ثم يثبت تحته ليس عندنا، فوجد في دفتر له ثبت ما في الخزانة من الثياب المثقلة الإسكندرانية، لا شيء، الفصوص الياقوت الأحمر من حالها كذا ومن نعتها كذا: لا شيء، فحمل إلى المأمون ذلك الدفتر فضحك لما قرأه حتى فحص برجليه وقال: ما سمعت بمثل هذا قط.
قال عمرو بن سعيد: لما مات أبو عيسى بن الرشيد وجد عليه المأمون وجدا شديدا، حتى امتنع من النوم ولم يطعم شيئا، فدخل عليه أبو العتاهية، فقال له المأمون: حدثني بحديث بعض الملوك ممن كان قبلنا في مثل بعض حالنا وفارقها، فحكى له حكاية الجارية التي أخبر سليمان بن عبد الملك أنها عرضت له وهو خارج إلى الجمعة، وأنشدته:«2» [الخفيف]
أنت خير المتاع لو كنت تبقى
البيتان
وأنه أعرض بوجهه، فلم تدر عليه الجمعة إلا وهو تحت التراب.