الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أرجو وفاءك لي ويؤنسني
…
أشياء تعرض منك في صدري
لاشتّت الرحمن شمل هوى
…
متآلف منّا على الدّهر
ثم اشتريتها وصارت في ملكي، فما آثرت عليها أحدا طول مقامها عندي، حتى ماتت.
131- ومنهم- خنساء البرمكيّة
«1»
وكانت لبعض آل يحيى بن خالد، تزهى بها الأساور والقلائد، تفتك بلحظها، وتفتن بلفظها، مغنية تهز الجماد، وشاعرة لا تغترف من ثماد «2» ، لو قيست ببنت عمرو بن الشريد «3» لعرف من أي البحرين يلتقط الفريد «4» .
قال عمرو بن بانة: كان من جيراني رجل من البرامكة، وكانت له جارية أديبة مغنية يقال لها خنساء، يدخل إليها الشعراء فيقارضونها ويسألونها عن المغاني فتأتي بكل غريبة وبديعة، فدخل إليها يوما سعيد بن وهب فحدثها طويلا ثم قال:«5» [الهزج]
أبيني لي يا خنسا
…
ء عن جنس من الشّعر
وماذا طوله شبر
…
وقد يوفي على الشّبر [ص 303]
له في رأسه شق
…
نطوف بالنّدى يجري
إذا ما جفّ لم ينفع
…
ك في برّ ولا بحر
وإن بلّ أتى بالع
…
جب المعجب والسّحر
وإنّي لم أرد فحشا
…
وربّ الشّفع والوتر
ولكن صغت أبياتا
…
حوت معنى من السّرّ
قال: فغضب مولاها وتغير لونه، وقال لسعيد: أتخاطب جاريتي بالفحش والخنا؟ فقالت الجارية: خفض عليك، فما ذهب إلى ما ظننت، وإنما يعني القلم، فسري عنه وضحك سعيد وقال: هي أعلم منك بما سمعت، فاحتبسه مولاها عنده يومه، فجعلت تغنيهم تارة وتقارضهم تارة إلى أن سكروا.
قال عمرو [بن بانة] ثم لقيني مولاها فسألته عن القصة فحدثني بها، وأخرج إليّ ابتداء سعيد وجوابها تحته، وهو:[الهزج]
أبا عثمان حاجيت
…
بما قلت من الشعر
فتاة ذلّل الشعر
…
لها صافية الفكر
وفي ظاهره فحش
…
وليس الفحش في السّرّ
أردت المخطف المرهف
…
إذ يبريه من يبري
وكتبت البرمكية على عصابتها: [الطويل]
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكي
…
ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
وكانت جارية ماهرة، أديبة شاعرة، تأتي بكل غريب، وتبلغ مالا يجرجر فيه بعنان ولا تحدث عن عريب، صفراء من مولدات البصرة نشأت حيث يرف النخيل، ويرق السلسبيل، وكانت فضل الشاعرة تهاجيها ولا تهيجها، ولا يلفى
في الحسن ما تنشره بهجتها، وكان لكل واحدة منهما عصبة من شعراء الوقت يتعصبون لها وهي لا تتقنع، ويعيبون لديها الأخرى وما فيهم إلا من يتصنع.
حكى أحمد بن أبي طاهر قال: كانت فضل تهاجي خنساء جارية هشام المكفوف، وكان أبو الشبل عاصم بن وهب البرجمي يعاون فضلا الشاعرة على خنساء ويهجوها [ص 304] على لسانها، وكان الحفصي والصعيدي يعاونان خنساء، فقال أبو الشبل فيها على لسان فضل:«1» [السريع]
خنساء طيري بجناحين
…
أصبحت معشوقة نذلين «2»
من كان يهوى صاحبا واحدا
…
فأنت رهن بهوى اثنين
هذا الصعيدي وهذا الفتى ال
…
حفصي زاراك كقردين
وكنت من هذا وهذا كما
…
ينعم خنزير بحشّين «3»
فقالت خنساء: «4» [لسريع]
ماذا مقال لك يا فضل بل
…
مقال خنزيرين فردين
يكنى أبا الشّبل ولكنّه
…
دعوه بالكلب بن كلبين «5»
فقالت خنساء في فضل: «6» [الطويل]
تقول له فضل إذا ما تخوّفت
…
ركوب قبيح الذّلّ في طلب الوصل
حر أمّ فتى لم يلق في الحب ذلّة
…
فقلت لها لا بل حر أمّ أبي الشّبل
ولها أيضا فيها أبيات: «1» [الكامل]
لعب الفحول بسفلها وعجانها
…
فتمرّدت كتمرّد الفحل «2»
لّما كنيت بما كنيت به
…
وتسمّت النقصان بالفضل «3»
كادت بنا الدنيا تميد ضحى
…
وترى السماء تذوب كالمهل «4»
فغضب أبو الشبل وهجا مولاها فقال: «5» [الخفيف]
نعم مأوى الغراب بيت هشام
…
مسعف بالحرام أهل الحرام
من أراد المبيت يبغي سفاحا
…
وينال المراد تحت الظلام
فهشام يبيحه في دجى اللي
…
ل فتاة تدعى فتاة هشام
ذاك حرّ دواته لا تعرّى
…
أبدا من تردّد الأقلام «6»
وذكر أحمد بن الطيب أن أبا الشبل «7» كان يهوى خنساء ثم هجاها فهجرته، فعدل عنها إلى فضل الشاعرة، ووعد أبو الشبل يوما خنساء أن تزوره،