الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إبراهيم بن هشام المخزومي ولاه هشام وهو خاله، وكان في قصره هناك، فقيل له:
أصلح الله الأمير، هذا ابن عائشة قد أقبل من عند الوليد، فلو سألته أن يقيم عندنا اليوم فيطربنا وينصرف من غد، فدعاه فسأله المقام عنده، فأجابه إلى ذلك، فلما أخذوا في شرابهم، أخرج المخزومي جواريه، فنظر إلى ابن عائشة وهو يغمز جارية منهن، فقال لخادمه: إذا خرج ابن عائشة يريد حاجة فارم به، وكانوا يشربون فوق سطح يشرف على بستان، فلما قام ليبول، رمى به الخادم من فوق السطح فمات، فقبره هناك، قال: وقام قوم، بل قدم المدينة فمات بها. قال: فلما مات، قال [أشعب] «1» : قد قلت لكم، ولكن لا يغني حذر من قدر، زوجوا ابن عائشة من ربيحة الساسانية «2» يخرج من بينهما مزامير داود، فلم تفعلوا، وجعل يبكي والناس يضحكون منه.
3- حنين الحيري
«3» مطرب لا يرتفع لديه رأس مطرق، ولا ينتفع منه أمل متشوق، من سراة أهل الغناء، وسراة «4» الطرب للغناء، يكاد سامعه يخرج من إهابه ويحرق بالتهابه ما حرّك عوده إلا بغم «5» ، ولا بنت شفة إلا في نغم، لو سمعه جبل لتحرك، أو دخل
في أذن سوقة لظن أنه قد تملك، وهو القائل:«1» [المنسرح]
أنا حنين ومنزلي النّجف
…
وما نديمي إلا الفتى القصف
أقرع بالكأس بطن باطية
…
مترعة تارة وأغترف
من قهوة باكر التّجار بها
…
باب يهود قرارها الخزف
فالعيش غض ومنزلي خصب
…
لم تعد لي شقوة ولا عنف
قال إسحاق: قيل لحنين، أنت تغني من نحو خميسن سنة، ما تركت لكريم مالا ولا عقارا إلا أتيت عليه، فقال: بأبي أنتم، إنما هي أنفاسي أقسمها بين الناس، أفتلوموني أن أغلي بها الثمن؟ وكان حنين قد رحل إلى عمر «2» الوادي وحكم الوادي «3» وأخذ منهما، وغنى لنفسه في أشعار الناس [ص 10] فأحكم الصنعة، ولم يكن بالعراق غيره، فاستولى عليه من عصره، وقدم ابن محرز حينئذ إلى الكوفة، فبلغ حنينا خبره، فخاف أن يعرفه الناس فيستحلونه ويسقط هو، فلقيه فقال: كم منّتك نفسك من العراق، قال: ألف دينار، قال: فهذه خمس مئة دينار فخذها وانصرف.
قال: وكان بعض ولاة الكوفة في أيام بني أمية يذم الحيرة، فقال له رجل من
أهلها: أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهلية والإسلام، قال: وبماذا تمدح؟
قلت: بصحة هوائها، وطيب مائها، ونزهة ظاهرها، تصلح للخف والظلف «1» ، سهل وجبل، بادية وبستان، بر وبحر، محل الملوك ومرادهم ومسكنهم ومأواهم وقدمتها- أصلحك الله- مخفّا فأصبحت مثقلا، ووردتها مقلا فأصارتك مكثرا، قال: وكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل؟ قال: تصير إليها، ثم ادع بما شئت من لذات العيش، فو الله لا أجوز بك الحيرة فيه، قال: فاصنع لي صنيعا، واخرج من قولك، قال: أفعل، فصنع لهم طعاما فأطعمهم من خبزها وسمكها، وما صيد من وحشها من ظباء «2» ، ونعام وأرنب وحبارى «3» ، وسقاهم ماءها في قلالها، وخمرها في آنيتها، وأجلسهم على رقمتها «4» ، ولم يستخدم لهم عبدا ولا حرا إلا من مولداتها ووصائف كأنهم اللؤلؤ، لغتهم لغة أهلها، ثم غناهم حنين وأصحابه فى شعر عدي بن زيد شاعرهم، وأعشى همدان، لم يتجاوزهما، وحياهم برياحينها، ونقلهم «5» بفواكهها، ثم قال:[هل] رأيتني استعنت على شيء مما «6» رأيت، وأكلت وشربت، وشممت وسمعت، بغير ما في الحيرة؟
قال: لا، ولقد أحسنت في صفة بلدك، وأحسنت نصرته، والخروج مما ضمنته، فبارك الله لكم في بلدكم.
قال عبيد بن حنين الحيري: كان المغنون «1» في عصر جدي أربعة نفر، ثلاثة بالحجاز، وهو وحده بالعراق، فالذين بالحجاز «2» ابن سريج والغريض ومعبد، وكان بلغهم أن حنينا قد غنّى في هذا الشعر:«3» [الكامل] .
هلا بكيت على الزّمان الذاهب
…
وكففت عن ذمّ المشيب الآيب
هلا وربّ مسوّفين سقيتهم
…
من خمر بابل لذّة للشّارب
بكروا عليّ بسحرة فصبحتهم
…
بإناء ذي كرم كقعب «4» الحالب
بزجاجة ملء اليدين كأنّها
…
قنديل فصح في كنيسة راهب
قال: فاجتمعوا فتذاكروا [أمر]«5» جدّي، وقالوا: ما في الدنيا أهل صناعة شر منّا، لنا أخ بالعراق ونحن بالحجاز لا نزوره ولا نستزيره، اكتبوا إليه، فكتبوا إليه، ووجهوا إليه نفقة، وقالوا: نحن ثلاثة وأنت واحد، فأنت أولى بزيارتنا، فشخص إليهم، فلما كان على مرحلة من المدينة، بلغهم خبره، فخرجوا يتلقونه، فلم ير يوم كان أكثر حشدا ولا جمعا [من]«6» يومئذ، ودخلوا المدينة، فلما صاروا ببعض الطريق، قال لهم معبد صيروا [إليّ]، قال ابن سريج: إن كان لك في اليسر والمروءة مالمولاتي سكينة بنت الحسين عطفنا إليك، فقال: مالي من ذلك شيء، فعطفوا على منزل سكينة، فأذنت لهم إذنا عاما، فغصّت الدّار بهم، فصعدوا في السطح، وأمرت لهم بالأطعمة، فأكلوا، ثم سألوا جدّي أن يغنيهم صوته: