الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إذا قابلته الشمس أبصرت مذهبا
…
من الوشي يبدو ببريق وزبرج «1»
وإن جعّدته خطرة من نسيمة
…
فيا حسن مرأى متنه المتموّج
جنان إذا ريح الصّبا نفحت بها
…
فبعدا لأطلال الرّبا بمنعج «2»
وكان له مملوك أفرط في حبه، وأخذ بمجامع قلبه، فغاله منه حادث الموت، فحزن عليه حزنا ذبّ عن جفنه الغرار «3» ، وأحرم قلبه الفرار، فأتى صاحبنا الخطيب الصوفي وكان بينهما صداقة أكيدة، ومزاح فكه، ثم أنشد لنفسه كأنه يعزيه، وإنما قصده أنه يخزيه «4» :[الطويل]
لئن مات يا دهّان مملوكك الذي
…
بلغت به في النّفس ما كنت ترتجي
فمثّله بالأصباغ شكلا وصورة
…
وقدّا وردفا واترك الحزن واصلج «5»
فقام الدهان بأقبح خزية وأضرها، وأعظم كآبة وأشهرها، ثم قاطعه مدة فلم يكلمه.
143- ومنهم- الكمال التّوريزي
سقطت لنا أخباره سقوط الندى، وبدت لنا بدو البدور على بعد المدى، كان إذا غنى تزلزل زلزل «6» ، ونسي جميل جميل وما يتغزل، ونزل صوت في بيت عاتكة الذي يتعزل، ولم يرض له معبدا عبدا، ولا ابن جامع الذي تضوّع ندّه
ندّا، «1» ولا إسحاق إلا الذبيح، ولا ابن المهدي إلا المخلوع الطريح «2» ، وكان فرد زمانه في كرم السجايا وحسن الأخلاق، وسعة النفس، قالوا:[كان] طيب المجالسة لا يملّ حديثه، مكثرا من الأخبار والحكايات والنوادر، عارفا بأخبار ملوك بيت جنكيز خان «3» ، وخصوصا أولاد هولاكو بن تولي، وأحوال الوزراء والخواجكية، وله مشاركة جيدة في العلوم العقلية، ودربة بمخاطبة الملوك والأمراء والوزراء، والخواتين والخواجكية والكبراء متقنا للموسيقا علما وعملا [ص 329] مجيدا في صناعة الغناء، لا يجارى ولا يبارى، ولا يطمع في مضاهاته ولا مداناته، اتصل بالسلطان أبي سعيد، وكان محبا للغناء والمغاني، فلما اتصل به الكمال، اقتصر عليه، واختص به، وجعل كل أهل هذه الصناعة، وسائر الجلساء والندماء دونه، وكان يشاربه ويحضر معه في أخص خلواته، ولا يكاد يصبر عنه ساعة في سائر أوقاته.
وحكى لي خواجا إسماعيل السامي: أن أبا سعيد كان مغرى «4» بطول المكث في الحمام والشرب فيه، وجعل له حماما جعل جدره من الزاج «5» ، وكان يدخل إليه ومعه أمراؤه «6» ببغداد ومشافر وكان كلفا به والكمال التوريزي، ويجلس الجلساء والندماء خارج الحمام، والسقاة تسقي، فإذا وصل الدور إلى الجالسين خارج الحمام أخرج إليهم من كوى بينهم، والمغاني تغني بالنوبة خارج الحمام، فإذا انتهت النوبة إلى الكمال غنى داخل الحمام وربما غنى
أبو سعيد والكمال لا يغني، وربما غنيا معا، وذكر أنه استفاد بأبي وبالأمراء والوزراء وأرباب الدولة وسائر الناس لأجله أموالا جمة جليلة، لا تكاد تحصر، وسأله السلطان أبو سعيد أن يعلمه الموسيقا، فعلمه قدر ما احتمله فهمه، ثم ازداد نهمته «1» من هذا العلم، وأكثر ملازمة الكمال حتى برع وصار غاية في ذلك، ورأسا من رؤوسه، وصار يصنع الأصوات ويعرضها على الكمال، فتارة يصوب رأيه، وتارة يصلح له الصوت ندر وأجاد، وزاد وأحسن، وكانت أكثر أصوات الكمال في الأشعار المنظومة باللغة الفارسية، وهكذا كانت غالب أصوات أبي سعيد، وهو الذي استنبط هذا الغناء الذي يغنى به اليوم، ويسمى (البيشرون)«2» وهو أنغام تطول على مقدار بيت الشعر ويقبض على وسع عبارة فيسدّ بأنواع من الكلام الملفق الذي لا يحصر بوزن ولا قافية، قلت: ولقد حرصت على تخريجه أو مقابلته بتفاعيل يوازن بها فلم أستطع، وسألت عنه الإمام حجة العرب أبا عبد الله بن الصائغ الأموي المروي فقال لي: هذا لا يتخرج ولا يوزن إلا بالنغم مثل الموشحات إذا كانت غير شعرية «3» ، فإنها لا تنضبط ولا يعرف صحيحها من مكسورها إلا إذا غنيت، قلت:
وهذا الغناء يستلذ في المشارب وحانات [ص 330] القصف «4» ، ولأهل مصر به ولوع وعليه وقوع، ولا يليق الغناء به في مجالس الملوك والكبراء، ولم يقع إليّ من أصواته في الشعر العربي إلا أربعة أصوات، فمنها في شعر التلعفري:[الكامل]
.
ما صدّ جفن العين عن إغماضه
…
إلا بريق لاح في إيماضه
خفق الفؤاد بخفقة فغدا كما
…
حكم الهوى وقفا على إمراضه
ما زال يغري مغرما لمعانه
…
بالمنحنى وغياضه ورياضه
واها له من عارض تعريضه
…
لي بالأحبّة كان في إعراضه
ومنها في شعر محمد ابن التلمساني هذا: [الوافر]
صدودك هل له أمد قريب
…
ووصلك هل يكون ولا رقيب
ملوك الحسن ما صنعي بطرف
…
تمنى مثله الرشأ الربيب
رمى فأصاب قلبي باجتهاد
…
صدقتم كلّ مجتهد مصيب
وفي تلك الهوادج ظاعنات
…
سرين وكلّ ذي وله حبيب
ومنها في شعره أيضا «1» : [الطويل]
تحكّم إذا جاز الجمال تحكّما
…
فما لمحبّ منك أن يتظلّما
حبيبي إن حرمت سهما في الكرى
…
فقد حللت عيناك في القلب اسهما
فداك صبّ فيك أسكنه الهوى
…
وإن كان من سيف الصدود تكلّما
وما كان يدري حفظ عهد لغادر
…
فما زال يهوى الحسن حتّى تعلّما
ومنها في شعر مجهول: [الخفيف]
برح السّقم بي فليس صحيحا
…
من رأت عينه عيونا مراضا
إنّ للأعين المراض سهاما
…
صيّرت أنفس الورى أغراضا
قلت: وقد كان سلطاننا حرص على إشخاصه إليه، وطلبه طلب متهافت عليه، فعزم على قصده، وقدمت مسيره للسير، فصده عنها قرارة لحده.