الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لينفذ أمره فيه، ولم يتهيأ لإسحاق كلام المأمون فيه، وعدل إلى عبد الله بن طاهر فأخبره الخبر وقال: إن تهيأ هذا في منزلي يوم فخري وسروري كانت سبّة عليّ وعلى أهلي، فهدأ أحمد، فسأله أن يتوقف ويبادر إلى أمير المؤمنين يسأله العفو عنه، فقال عبد الله بن طاهر لأحمد في التوقف عنه، وجاء حتى أقام بين يدي المأمون وهو على غضب، فأمره بالجلوس، فأبى، فقال: لم؟ قال: يا أمير المؤمنين، نعمك عليّ جلية، ومننك لديّ نفيسة، وفي نفسي وأهلي عظيمة، وهذا يوم شرّفت فيه ابن عمي إسحاق بزيارته، ورفعت بذلك من قدره، وأعليت من ذكره، وقد كان من هذا الجاهل ما كان، فإن «1» في سعة خلق أمير المؤمنين، وكرم عفوه، أن يعود عليه بفضله، والطول بصفحه، ولا يخرجه إلا إلى ما خرج من الأمر بقتله، كان هذا شيئا إن تهيأ في منزل خادمه كان سبة عليه وعلينا إلى آخر الدهر، هذا إلى حرمة محمد وخدمته، وإن الذي تمّ عليه كان بسوء الاتفاق لا العمد، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعود بحلمه ويراجع ما عوّد الله خدمه من العفو والإقالة، قال: قد فعلت، وأمر برده إلى مجلسه، فجاء فوقف بين يديه فقال: إياك ومعاودة مثل ما كان منك، وأخذ في لهو ولعب وسرور.
33- عبد الله بن طاهر
«2»
ملك علا علو النجوم، وجاد جود «3» الغيوم، وأجاد في كل ضرب من
الإحسان، وكانت أيامه أيام الورد في نيسان، محلا النجاد بأدب حل منه النجاد، ووقار رأى الطود إليه الافتقار، وهو من أبناء الشيعة العباسية في رأس فرقها، ومجمع طرفها، صعدت فيها جدوده الذروة، وسعدت لتمسكها بالعروة، وكان عبد الله يتكلم الغناء وهو معبده وغريضه، ويده فيه لا تقصر به ولا نهوضه [ص 99] إنما كان يخاف به الإزراء، وتعدّ أصواته المنسوبة إليه الأرزاء.
قال أبو الفرج: أعطي عبد الله بن طاهر مال مصر لسنة، خراجها وضياعها، فوهبه كله وفرقه على الناس، ورجع صفرا من ذلك، فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يوما بعد مقدمه فأنشده «1» :[البسيط]
نفسي فداؤك والأعناق خاضعة
…
للنائبات أبيّا غير مهتضم
إليك أقبلت من أرض أقمت بها
…
حولين بعدك في شوق وفي ألم
أقفو مساعيك اللاتي خصصت بها
…
حذو الشّراك على مثل من الأدم
فكان فضلي منها أنّني تبع
…
لما سننت من الإحسان والكرم
فضحك المأمون وقال: والله ما نفست عليك مكرمة نلتها «2» ، ولا أحدوثة حسن عنك ذكرها، ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك افتقرت ولم تقدر على لمّ شعثك ولا إصلاح حالك، وزال ما كان في نفسه.
وقال غيره: لما افتتح عبد الله بن طاهر مصر، سوغه المأمون خراجها، فصعد المنبر، فلم يزل حتى أجاز بها ثلاثة آلاف ألف دينار ونحوها، فأتاه معلّى الطائي وقال: اعلموه ما صنع، وكان واجدا عليه، فوقف بين يديه تحت المنبر وقال:
أصلح الله الأمير، أنا معلّى الطائي، وقد بلغ منّي ما كان منك من جفاء وغلظة،
فلا يغلظن علي قلبك، ولا يستخفنك الذي بلغك، أنا الذي أقول «1» :
[البسيط]
يا أعظم الناس عفوا عند مقدرة
…
وأعظم النّاس عند الجود للمال
لو أصبح النيل يجري ماؤه ذهبا
…
لما أشرت إلى خزن بمثقال
وهي عدة أبيات، فضحك عبد الله بن طاهر وقال: يا أبا السمراء، أقرضني عشرة آلاف دينار، فما أمسيت أملكها، فأقرضه فدفعها إلى معلّى الطائي.
قال محمد بن الفضل الخراساني أحد قواد عبد الله بن طاهر، لما قال عبد الله بن طاهر قصيدته التي يفخر فيها بمآثر أبيه وأهله، ويفخر بفضلهم وقتلهم المخلوع، عارضه محمد بن زياد الأموي الحصني من ولد مسلمة بن عبد الملك، فأفرط في السب وتجاوز قبح الرد، وتوسط بين القوم وبين بني هاشم [ص 100] فأربى في التوسط، وكان فيما قال فيه:«2» [المديد]
يا بن بيت النار يوقدها
…
ما لحاذيه سراويل «3»
من حسين من أبوك ومن
…
مصعب غالتكم غول
نسب في الفخر مؤتشب
…
وأبوّات أراذيل
وهي قصيدة طويلة، فلما ولي عبد الله بن طاهر، وردّ إليه أمر الشام علم الحصني أنه لا يفلت منه إن هرب، ولا ينجو من يده، فثبت في موضعه، وأحرز حرمه، وترك أمواله ودوابه، وكل ما يملك في موضعه، وفتح باب حصنه وجلس عليه يتوقع من عبد الله بن طاهر أن يوقع به، فلما شارفنا بلده وكنا على أن
نصبحه، دعاني عبد الله في الليل فقال: أنت «1» عندي الليلة، ولتكن فرسك عندك لا تردّ، فلما كان في السحر أمر غلمانه وأصحابه أن لا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب في السحر وأنا وخمسة من خواص غلمانه [معه] ، وسار حتى صبّح «2» الحصني، فرأى بابه مفتوحا، ورآه جالسا مسترسلا، فقصده وسلم عليه، ونزل عنده، وقال: ما أحلّك هاهنا وحملك على ان فتحت بابك ولم تتحصن من هذا الجيش المقبل، ولم تتنحّ عن عبد الله بن طاهر، مع ما في نفسه عليك، وما بلغه عنك؟ فقال: إن الذي قلت لم يذهب عليّ، وإنما تأملت أمري وعلمت أني قد أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشباب وغرة الحداثة، وإني إن هربت لم آمنه، فباعدت البنات والحرم، واستسلمت بنفسي وكل ما أملك، فإني [من] أهل بيت قد أسرع القتل فينا، ولي فيمن مضى أسوة، فإن الرجل إذا قتلني وأخذ مالي وشفى غيظه، لم يجاوز ذلك إلى الحرم، ولا له فيهن أرب، ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته، قال: فو الله، ما اتقاه عبد الله إلا بدموعه تجري على لحيته، ثم قال: أتعرفني؟ قال: لا والله، قال: أنا عبد الله بن طاهر، وقد أمّن الله خوفك وحقن دمك، وصان حريمك، وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك، وما تعجلت إليك وحدي إلا لتأمن «3» وأن لا يخالط عفوي عنك روعة، فبكى الحصني وقام فقبل رأسه، وضمّه إليه عبد الله وأدناه، ثم قال: أما الآن فلا بد من عتاب، يا أخي جعلت فداك، قلت شعرا في قومي أفخر بهم [ص 101] لم أطعن فيه على حسبك، ولا ادعيت فضلا عليك، وفخرت بقتل رجل، هو وإن كان من قومك، فهم القوم الذين ثأرك عندهم، وكان يسعك السكوت. وإن لم
تقترف لم تسرف، فقال: أيها الأمير، فإن عفوت، فاجعله العفو الذي لا يخالطه تثريب، ولا يكدر صفوه تأنيب، قال قد فعلت، فقم بنا ندخل منزلك حتى نوجب عليك حقا بالضيافة، فقام مسرورا، فدخلنا منزله، ودعا بالطعام الذي كان أعده «1» لنفسه، فأكلنا وجلسنا نشرب في مستشرف له، واقبل الجيش، وأمرني عبد الله أن أتلقاهم فأرحّلهم، ولا يترك أحد منهم في البلدة، ثم دعا بدواة، فكتب له يسوغه خراجه سبع سنين، وقال: إن نشطت لنا فالحق بنا، وإلا فأقم مكانك، فقال: أنا أتجهز وألحق الأمير، ففعل ولحق بمصر، ولم يزل مع عبد الله ابن طاهر لا يفارقه حتى دخل العراق، فودعه وأقام ببلده.
قال ابن خرداذبة: كان موسى بن خاقان مع عبد الله بن طاهر، وكان نديمه، وجليسه، وكان له مؤثرا مقدما، فأصاب معه معروفا كثيرا، وأجازه جوائز سنية، ثم إنه وجد عليه في بعض الأمر فجفاه، فرجع موسى إلى بغداد، فكتب إليه:«2»
إن كان عبد الله خلانا
…
لا مبديا عرفا وإحسانا
فحسبنا الله رضينا به
…
ثم بعبد الله مولانا
يعني بعبد الله الثاني المأمون، وغنّت فيه جاريته لحنا من الثقيل الأول، وسمعه المأمون منها، فاستحسنها، ووصله وإيّاها، فبلغ ذلك عبد الله بن طاهر، فغاظه، وقال: أجل، صنعنا المعروف إلى غير أهله فضاع.